رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تركيا وإيران.. الاستعلاء القومى بغطاء دينى

قديما قال أبو الطيب المتنبى المتوفى 965 م: وَلَيسَ يَصِحُّ فى الأَفهامِ شَيءٌ ... إِذا اِحتاجَ النَهارُ إِلى دَليلِ. وحالياً فى الواقع العربى المعاصر يحتاج النهار الى ألف دليل ليثبت أنه نهار، وليقنع بذلك أصحاب الأيديولوجيات العمياء، والانتماءات الطائفية المغلقة، وجموع أحزاب الحركات التى توظف الدين لتحقيق مصالح سياسية. أولئك الذين لا يرون بعيونهم الحقائق الواضحات، وإنما يكتفون بما تراه عيون الآخرين، ويصدقون ما يقال لهم على الرغم من أن الواقع يكذبه، لأنهم يريدون أن يصدقوه، لأن غريزة الانتماء للجماعات الصغيرة تغلب على عقولهم، وتحول دون أن يكون العقل وسيلة للوصول الى الحقيقة.

عندما يتكلم أردوغان فى صلف وغرور وكبر عن قتل أكثر من ألفين من الجنود السوريين العرب مقابل ثلاثة وثلاثين من الأتراك المحتلين للتراب السوري، وأن هذا الانتقام لا يساوى دماء الجنود الأتراك...هنا تظهر بصورة لا تحتاج الى توضيح قيمة الإنسان العربى مقارنة بالسيد العثمانى فى ميزان أردوغان. يتكرر هذا الخطاب بصورة دائمة عند حديث أردوغان عن أى مسؤول عربي، سواء أكان رئيس دولة، أو وزيرا، دائما تكون هناك نظرة فوقية فيها قدر كبير من الاستعلاء والكبر وعدم الاحترام.

عندما قتل قاسم سليمانى مع أبو مهدى المهندس، كان وزن وقيمة الدم الفارسى الأزرق أعظم بكثير من الدم العراقى المائى الذى لا لون له ولا طعم ولا رائحة، دائما الإنسان الإيرانى هو السيد، وهو الأعلى، وهو الأستاذ، وهو المرجع الذى ينبغى أن يكون دمه عالى القيمة، أما غيره فهم دائما أدنى وأقل.

هذه مجرد أمثلة واقعية يشاهدها ويعايشها الجميع لتوضيح حقيقة واضحة مثل شمس النهار فى يوم صيف حار، النظم الحاكمة فى إيران وتركيا نظم قومية عنصرية، متطرفة فى عنصريتها سواء ضد مكونات عرقية وقومية تشاركها الوطن، وتخضع لها، وتعيش فى دولتها، أو ضد دول، وشعوب تسعى لإخضاعها، واستتباعها. هناك فى تركيا أكراد وعلويون وعرب وغيرهم، يعاملون دائما كمواطنين من الدرجة الثانية فى الحقوق السياسية قانونياً، أو واقعياً، وتصرفات نظام أردوغان مع رؤساء البلديات الأكراد الذين فازوا فى ممارسة ديمقراطية تجرى فى مناطقهم، انتخبهم فيها إخوانهم من نفس الخلفية العرقية، ولكن نظام الاستعلاء العرقى يرفض أن يكون الكردى حاكما، حتى ولو على الكردي، فتم عزل معظمهم بحيل قانونية وسياسية مكشوفة للجميع.

فى إيران يمثل العرق الفارسى نحو النصف، طبقا للتقديرات الرسمية والنصف الآخر قوميات، وعرقيات أخرى هى العرب والكرد والأذريون والبلوش وغيرهم. نصف المجتمع لا قيمة، ولا وزن له فى العملية السياسية، ولا حقوق سياسية حقيقية له، قد يكون لهم تمثيل فى مجالس منتخبة، ولكن البنية الفعلية للنظام التى تملك القوة السياسية جميعها من العرق الفارسي.

الاستعلاء السياسى فى تركيا وإيران هو الأقل خطورة، وتأثيرا إذا ما قورن بالاستعلاء الثقافى والحضارى واللغوي، ففى هاتين الدولتين اللتين ترفعان شعار الإسلام، بل تدعيان اقتسام زعامة العالم الإسلامى السنى والشيعي، كلاهما تعليان اللغة القومية على لغة القرآن الكريم، بل إنهما تحاربان اللغة العربية، مثلما حدث فى تركيا حين شنت حملة مكثفة لتغيير أسماء المطاعم والمحال التى يملكها اللاجئون السوريون من العربية الى التركية.

على الرغم من الخطاب الإسلامى الذى يرفعه كل من النظامين التركى والإيراني، إلا أن كل ما يقدمانه من تاريخ وحضارة هو تاريخ أجدادهم، وليس تاريخ مختلف شعوب وأقوام المسلمين، فحيثما يذهب أردوغان يضغط من أجل إحياء التراث العثماني. حتى فى بناء المساجد يشترط على كل من تتبرع له تركيا بمسجد أن يكون البناء على الطراز العثماني، على الرغم من أن المسلمين بنوا مساجدهم طبقا لثقافات المجتمعات التى عاشوا فى كنفها، فقد تبنوا النمط المعمارى للشعوب التى عاشوا معها، ولم يتم تعميم نمط معمارى واحد على جميع المسلمين...فقط مع تركيا أردوغان يكون الشرط الأساسى لبناء مسجد أن يكون طبقا للنمط العثمانى من جمهورية غانا فى غرب إفريقيا، إلى نيوزيلندا التى عرض عليها مسؤول الشؤون الدينية فى حكومة أردوغان بناء مسجد على الطراز العثمانى فرفضت حكومتها.

كل من تركيا وإيران تستحضران التاريخ القومى العنصري، وتطلب من الآخرين أن يتبنوا هذا التاريخ، حتى وإن كان ينفى تاريخهم، ويحتقر وجودهم، تركيا تطلب من العرب أن يعتزوا بالتاريخ العثماني، ويفتخروا بأنهم عثمانيون، وأن يقدسوا ويعظموا أرطغرل وعثمان وسليم وسليمان، على الرغم من أن هؤلاء جميعا كانوا قتلة، ومجرمين فى حق العرب والشعوب التى عاشت فى أرضهم.

تركيا وإيران تؤسسان لمرجعية دينية وثقافية تستخدم كل طاقة ومخزون الدين الاسلامى لترسيخ الاستعلاء العنصرى للقوميات العثمانية والفارسية، وللأسف هناك من يقوم بالتسويق لذلك من بين العرب، ويوظف كذلك كل قيم الإسلام، وكل آلام وآمال المسلمين لتخديرهم، وإخضاعهم للسيد العثماني، أو المرجع الإيراني، وفى كلتا الحالتين يتحول الإسلام الى وسيلة لتحقيق طموحات وأحلام عنصرية عرقية للترك والفرس.

حقيقة لا تحتاج الى دليل أن العثمانيين الجدد يسعون لاستغلال شعارات الإسلام لتحقيق طموحاتها التى أشار اليها أستاذى الدكتور على الدين هلال فى مقاله فى بوابة العين يوم الأربعاء 26 فبراير الماضي، وكذلك تفعل إيران فى توظيف المذهب لإعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية.


لمزيد من مقالات د. نصر محمد عارف

رابط دائم: