رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حرافيش القاهرة

أهدانى الدكتور أحمد عواض، رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة، وجرجس شكرى، أمين النشر كتاباً مهماً. قرأته وأنا أتمنى نعمة النسيان لأنساه، لأستمتع بقراءة ثانية أو ثالثة أو رابعة له. صدر الكتاب فى سلسلة ذاكرة الكتابة. يرأس تحريرها المؤرخ أحمد زكريا الشلق. والكتاب عنوانه: حرافيش القاهرة. ومؤلفه: عبد المنعم شميس. ليس كتابه الوحيد حول قاهرتنا. فله: القاهرة قصص وحكايات، قهاوى الأدب والفن بالقاهرة، عظماء من مصر. رأيته أكثر من مرة فى الجمعية الأدبية المصرية. عندما جئت للقاهرة. وذهبت للجمعية التى كانت موجودة بشارع قوله فى عابدين. لمقابلة الدكتور عزالدين إسماعيل. قرأ مخطوطة روايتى: أخبار عزبة المنيسى. ويومها رأيت ثقافتنا فى أجمل تجلياتها.

يكتب المؤلف عن نفسه: شاهدت فى حياتى أشياء كثيرة عجيبة وغريبة. ورأيت شخصيات أعجب وأغرب. وقد أتيح لى بطريق المصادفة أن أرى الناس عن قرب فى أسفل القاع وفى أعلى القمة. ودخلت الجحور والقصور. وسمعت أحاديث السوقة والرعاع. وأحاديث الباشوات والأميرات والأمراء. وجلست فى ردهة قصر عابدين بين مكتب الملك فاروق ومكتب سكرتيره حسن حسنى باشا. على كرسى يجاور كرسى الباشا أمام حشد من رؤساء تحرير الصحف المصرية لإعلان ولى عهد المملكة المصرية الأمير أحمد فؤاد.

نحن أمام كاتب يقرأ الوجوه ويسير وراء حكاياتها ليقدم لنا التاريخ الاجتماعى للقاهرة من خلال عابدين. أهم أحياء القاهرة. ولأنه تخصص فى الدراما الإذاعية. كان الخيال أداته للتواصل مع القارئ. الذى يراه بأذنه ويشترك معه فى رسم الصور الفنية. لم يكن وحده فى هذا الميدان. ما زلنا نذكر محمد على ماهر، وعبدالفتاح مصطفى، وطاهر أبو فاشا، ورشدى صالح. وغيرهم.

فى ذلك الزمان كان حى عابدين قلب القاهرة. تقع به سرايا عابدين، التى اتخذها الخديو إسماعيل مقراً للحكم. وتعاقب عليها حكام مصر منذ 1872، حتى قيام ثورة 1952. أجمع كثيرون ممن كتبوا عن الحى أنه يمثل صورة مصغرة لما كانت عليه مصر. فيه تجد ألوان الطيف الإنسانى يعيشون معاً فى محبة وتعاطف. هناك الباشوات وعلية القوم والإقطاعيون يجاورهم الحرفيون وموظفو الدواوين الحكومية. نرى الترزى الإيطالى، والعجلاتى اليونانى.

على أن الكتاب ينبض بإحساس وصلنى منذ صفحته الأولى حتى صفحته الأخيرة. الصفحة 167، إن هذا الكتاب وثيقة مهمة لمن يريد أن يعرف وجه مصر فى ذلك الزمان. وطبيعة شعبها. وأنساقه القيمية. ومقدار التسامح والمحبة. وقبول الآخر الذى كان أكثر ما يميزها قبل أن يتغير الزمان وتتبدل منظومة قيمه لحساب أنماط أخرى تعلى فن الاستهلاك على حساب القيمة.

أما الحرافيش كانوا طائفة مهمة فى القاهرة. بلغ عددهم أربعة آلاف حرفوش. ولهم شيخ يطلق عليه اسم شيخ الحرافيش. وكانت لهم سطوة. حتى إنهم يجتمعون ومعهم شيخهم ويذهبون إلى القلعة فى المواسم والمناسبات لطلب العادة من الحاكم. ولا ينصرفون إلا إذا أخذوها. الكتاب ينتمى لتلك الكتب التى تتحدث عن المدن. تلك الكيانات الفريدة التى اختلفت عن القرى التى نشأنا فيها جميعاً. والمدن جاءت بمن كتب عنها. وتوقف أمام ملامحها المعمارية وانتقل من المعمار إلى البشر. فوقف أمام الحالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. نحن أمام وثيقة شديدة الأهمية عن التاريخ الاجتماعى للقاهرة من خلال حى عابدين فى فترة من أزهى فتراته.

يعترف المؤلف أنه كان يستمع فى شوارع عابدين لأحاديث باليونانية والإيطالية والفرنسية والأرمينية. أو من النوافذ والشرفات بين أبناء هذه الطوائف، رجالاً ونساء. كما كان يسمع لهجة أهل النوبة. ويعترف أن السنوات الطويلة التى عاشها فشلت فى التوصل لتاريخ ميلاد المؤلف وتاريخ رحيله جعلت أهالى الحى لم يفارقوا ذاكرته. إنهم ما زالوا فى خياله. إن بعض هذه الشخصيات تعود به لذكريات قديمة. ويعترف أن كثيرين من أصدقائه ومعارفه كانوا يلحون عليه أن يدون ما يحكيه عن قاهرة تلك الأيام.

لو قرأت هذا الكتاب وفصوله قصيرة. لا يزيد الفصل على الصفحات الثلاث من القطع المتوسط. ستتوقف أمام عناوين الفصول: شيخ المزينين، ماركو العجلاتى، الخواجة ينى والحسناء ماريكا، ترزى السلطان، على نيابة، هؤلاء هم الحرافيش، النجار الفيلسوف، محمود أجلاسيه، جميلة بياعة المشمش، شارب المعلم على فضل الله، الأستاذ عبد المقصود بائع سريح وصاحب ورئيس تحرير مجلة، الرجل ذو السن الذهبية.

هذا الكتاب مكتوب بطريقة لم يعد لها وجود بيننا. يعتمد على الوصف الخارجى. ويمزج الخاص بالعام. ومادته هى ما رآه المؤلف بعينيه. وما استمع له بأذنيه. حتى الروائح التى يمكن أن يشمها لها مكان فى الكتاب. هكذا كانت مصر فى السنوات السابقة على ثورة يوليو. وهكذا يحاول عبد المنعم شميس أن يمسك بيديه روحها فى أجمل تجلياتها. منذ أن عرفنا علم الاجتماع. وجاء علماء الاجتماع المحترفون فانسحب من الكتابة عن المجتمع الهواة. الذين قد يصلون إلى ما لا يمكن للكاتب المحترف أن يصل إليه.

الكتابة تُمَارَسْ بحب وجمال. عندما لا يعرف المؤلف أمراً من الأمور. فهو يعترف لك بذلك. يقول إنه يجهل أصل وفصل ما يريد الكتابة عنه. بل إنه يتحسر بسبب غياب المعرفة. ويقول ليتنى كنت أعرف حكاية الشارع أو البيت أو المقهى. ولا يحدث له ما يجرى لنا الآن أن يتعالم الإنسان ويدعى معرفة ما لا يعرفه. وإدراك ما لا يدركه. ويكتب بصرف النظر إن كان ما يكتبه صدقاً أم خيالاً. إنه يتجول بين المصريين كما كان يراهم فى الحى. ويشير للمصريين سعيداً بأنهم يعيشون فى محبة وتعاضد. ومن عندى أقول ربما لا نجد هذه المحبة أو ذلك التعاضد الآن. فى هذا الحى نجد الباشوات وعِلية القوم والإقطاعيين. ولكن أيضاً يجاورهم ويتداخل معهم الحرفيون موظفو الدواوين الحكومية.

طبع الكتاب بالتصوير من الأصل. ولهذا تآكلت أحرفه. وكان يمكن أن تزينه صور فوتوغرافية أو لوحات كثيرة جداً. فتجعل قراءته متعة من أندر متع الدنيا. ألم يقل أهلنا إن الحلو لا يكتمل أبداً؟! هذا ما حدث لى مع هذا الكتاب. الكتب الجميلة أى تلخيص لها غدر وخيانة.


لمزيد من مقالات يوسف القعيد

رابط دائم: