رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اليابان الحديثة ومعزوفة التراث

قد يندهش الكثيرون عندما يعرفون أن الدولة اليابانية الحديثة فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر قد قامت على أفكار من تراثها الثقافى و العقائدى، وأنها كانت فى كل مرحلة من مراحل بناء تلك الدولة النموذج التى أذهلت العالم طوال القرن الماضى كأنها تعزف تنويعات مختلفة على معزوفة التراث، تختار مفاتيح الآلات بعناية و دقة، وتترك مفاتيح أخرى بالعناية و الدقة نفسها، لتستخرج منها ألحانا تشكل بها الوجدان، وتدفع بها الوعى القومى فى الطريق الذى اختارته لمسيرتها الحديثة.

عندما وصل الأدميرال الأمريكى ماثيو بيرى عام 1853م بسفنه الحربية إلى ميناء قريب من العاصمة اليابانية طالبا فتح الموانى اليابانية التى كانت مغلقة أمام الأجانب لما يزيد على مائتى عام، راغبا فى إنهاء حالة العزلة الاختيارية التى اختارها قادة اليابان لشعبها، وعقد اتفاقيات تجارية مع بلاده. أثارت تلك الفجوة الحضارية التى لاحظها اليابانيون فى التقدم التقنى الذى وصلت إليه السفن الأمريكية انقساما كبيرا بين الساسة وأهل الرأى، استمر خمسة عشر عاما تالية، كانت اليابان فى أثنائها مهددة بالوقوع فريسة لاحتلال أى من الدول الاستعمارية الكبرى آنذاك. انقسم اليابانيون بين مؤيد لفتح البلاد تلبية لرغبة الأجانب خشية الدخول فى صراع لا قبل لهم به مع الدول الغربية المتقدمة سينتهى بلا شك باحتلالهم اليابان، وبين تيار قوى معارض ذى مرجعية عقائدية شنتوية، يرفض دخول الأجانب للبلاد وتدنيسهم الجزر اليابانية المقدسة التى هبط إليها الآلهة الأسلاف، و تركوا فيها من نسلهم البيت الإمبراطورى سليل إلهة الشمس ليتم بدوره ما بدأته الآلهة من إعمار للأرض، كما حوت الجزر أيضا البوذية بفلسفتها النقية بعد أن صبغتها بتلك الصبغة اليابانية، فصارت متجانسة مع الشنتو الموروث العقائدى الأول، وكذلك الامتداد العلمى للمدرسة الكنفوشية ومنها الكنفوشية الجديدة على وجه الخصوص. كان على الحكماء من أهل الرأى فيهم اللجوء إلى حل اضطرارى، ألا وهو قيام دولة حديثة تنفتح على العالم لكن بقيادة الامبراطور نفسه، أى أنهم حتى يحافظوا على وحدة البلاد جمعوا بين التيارين المتعارضين باختيار رمز تراثى له صفة عقائدية يجمع عليه الفرقاء. هذا الحل كان اللحن التراثى الأول والأصعب الذى بدأت به اليابان خطواتها الأولى نحو التحديث.

اختار اليابانيون من بين ذلك التراث المتنوع ما يرتبط بالبيت الإمبراطورى من نصوص، ليكون المعزوفة المنتقاة فى مرحلتهم الحداثية الأولى، لكن بعد أن نقحوه ، فتركوا ما لا يتناسب مع العصر و طموحاتهم نحو التحديث، حتى إنهم منعوا تداول بعض الروايات الأدبية التراثية من القرن العاشر الميلادى التى مست فى سياقها حياة النبلاء فى القصر الامبراطورى، بما يتنافى مع ما يريدون إضفاءه من قداسة؛ كذلك أخذوا من التراث الكنفوشى ما يدعم خططهم فى التعليم و تربية النشء، ونبذوا كل ما يدعو فيه إلى الطبقية التى كانت من سمات عصر ما قبل التحديث و تركوا أيضا البوذية التى تدعو إلى الزهد فى الدنيا قابعة فى معابدها. نراهم أيضا وقد راحوا يعزفون لحنا جديدا مستمدا من أساطير موروثة، يضفى سمة القداسة على حروبهم فى القارة الآسيوية، مبررا ما ارتكب من فظائع بأنه الطريق الذى اختارته الآلهة لإنقاذ آسيا من براثن المستعمر الغربى وهدايتهم إلى طريق الحداثة والتقدم الذى سبقتهم اليابان إليه، ثم نراهم بعد الحرب العالمية الثانية و قد انهزموا عسكريا، واضطروا إلى الانسحاب من مستعمراتهم، يعقدون العزم على إعادة بناء الوطن ، فيقررون بحزم شديد تغيير المعزوفات السابقة، ويختارون مفاتيح بيضاء وسوداء مختلفة لعزف تنويعة جديدة على لحن التراث، تتوارى فيه نغمات الإمبراطور والحروب الدينية المقدسة، وتظهر جليا المعتقدات الأخرى بكل مذاهبها، معبرة عن الحرية والمساواة دون تمييز بين المواطنين، أو تحيز من الدولة لفكر أو معتقد دون آخر, وينطلق كونشرتو السلام صادحا، وتغدق ألحانه اهتماما غير محدود بالمواطن ثروة البلاد الحقيقية، الذى به نهضت الأمة و حققت ما عرفه العالم بالمعجزة اليابانية فى القرن العشرين . والآن، نكاد نسمع إضافات جديدة من لحن قديم ، لكن بنغمات تناسب القرن الحادى والعشرين، حيث ينوى بعض القادة التعامل مع المادة التاسعة للدستور التى تمنع اليابان من تكوين جيش، والمشاركة فى أى نزاعات خارجية. ما يلفت النظر هو التقنية اليابانية فى التعامل مع التراث كما يتعامل العازف الماهر مع آلته الموسيقية الأثيرة، ينتقى من مفاتيحها ما يعزف لسامعيه من الألحان الأنسب للعصر وللمزاج الحضارى دون أن يكسر المفاتيح الأخرى التى سيحتاج للنقر عليها فى وقت آخر لم يأت بعد.


لمزيد من مقالات د. عصام رياض حمزة

رابط دائم: