رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ما هو المقصود بتجديد الفكر؟

أى حوار موضوعى لا بد ان ينطلق من ضبط المفاهيم وتعريف الألفاظ والكلمات المستخدمة، فهذا من شأنه أن يكون تبادل الآراء على أُسس واضحة وألا يتم استخدام التعبير الواحد كالتجديد مثلًا بأكثر من معني، وأود فى هذا المقال أن أضع عددًا من الأُسس لاستمرار الحوار حول موضوع تجديد الفكر الدينى أو غيره من الأفكار وأطرحُ فى هذا المجال خمسة موضوعات. الأول معنى كلمة التجديد، فالمصدر لُغة هو جَدد وحسب قاموس المعاني، فالتجديد فى مجال الفكر والأدب يعنى الإتيان بما ليس مألوفًا أو شائعًا كابتكار موضوعات أو أساليب تخرج عن النمط المُتعارف عليه، أو أنه إعادة النظر والتفكير فى الموضوعات الرائجة وإدخال تعديلات عليها بحيث تبدو مُبتكرة أو جديدة، أو أنه بعث الروح فى شيء ما قديم من أجل تحويله إلى ما هو أفضل. و هكذا فان التجديد يعنى ابتكار افكار جديدة لم يكن للمجتمع سابق عهده بها، أو تعديل و تطوير افكار قائمة، أو إعادة تفسير وتأويل للنصوص فى ضوء مستجدات الحياة.

والثاني، إن التجديد بهذا المعنى هو سنة من سُنن الاجتماع البشرى فى الفكر والسلوك، فالتغيرُ هو سِمة لصيقة لتطور المجتمعات البشرية فى ضوء اختلاف الظروف والمُلابسات التى يعيش فيها الناس، وبسبب التقدم العلمى والتكنولوجى وتوسع المعرفة فى سُبل الحياة المُختلفة مما يفتحُ آفاقًا جديدة للعقل ولإعادة النظر فى الأفكار والتفسيرات القديمة الموروثة عن الأجيال السابقة والتى تبلورت فى ظروف ومُلابسات وسياق مُختلف تمامًا. ويترتب على ذلك، أن قضية تجديد الفكر عمومًا هى مُهمة لا تواجه العرب والمُسلمين وحسب، وإنما تُواجه كُل الأمم والمُجتمعات البشرية فى غِمار تقدمها وسعيها إلى الأفضل. وتوضح دراسة الفكر السياسى والاجتماعى فى روسيا والصين واليابان والهند على سبيل المثال ان هذه الدول واجهت تحدى التجديد الفكرى وقضية العلاقة بين الموروث والجديد وتعاملت معه بطرق مختلفة.

والثالث، أن التجديد الفكرى هو عملية مُركبة ومُتعددة الأبعاد وينبغى التعامل معها بمنطق الرفض المُطلق للموروث أو التمسُك الكامل به بحيث يبقى كُل طرف فى خندقه يُدافع عما يعتقد فيه دون تمحيص أو تفكير ويؤدى هذا الى حالة من الاستقطاب الفكرى والاجتماعى والى حرب أهلية فكرية لايستفيد منها احد و سيادة مناخ التربص وعدم الثقة المتبادلة بين اصحاب الآراء المختلفة.

والرابع، أن موضوع التجديد لايقتصر على الفكر الدينى وإنما هى مُهمة مطروحة على كُل تيارات الفكر السياسى والاجتماعى فى مصر والدول العربية. رُبما كان تجديد الفكر الدينى هو الأكثر أهمية والحاحًا بحُكم الدور الذى يقوم به فى تشكيل العقول وتوجيه السلوك فى بلادنا، و هو ما اثبتته نتائج المسح العالمى للقيم وسائر المسوح الاجتماعية التى اجرتها الجامعات ومراكز البحوث المصرية. ولكن هذا التركيز على تجديد الفكر الدينى يجب ألا يُصرف الأنظار عن أهمية التجديد الفكرى للتيارات الأخرى كالليبرالية والديمُقراطية والاشتراكية والقومية وغيرها. فمازال عديد من الأفكار السائدة فى هذه التيارات هى تلك الموروثة عن القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، ومازال الحوار فى موضوعات مثل دور الاحزاب السياسية او اساليب الرقابة على السلطة التنفيذية او دور المرأة فى المجتمع يكرر نفس الآراء والحجج ــ وأحياناــ بنفس التعبيرات التى استخدمت فى بداية القرن الماضى أو منتصفه. ونحن نحتاج إلى انفتاح أكبر على الأفكار الجديدة فى هذه التيارات وان نتجاوز الاطلاع على الأفكار فى أوروبا وأمريكا لتشمل الصين واليابان والهند، إضافه إلى دول آسيوية وافريقية أخرى ففيها الكثير مما يمكن التفاعل معه والتعلم والاستفادة منه.

والخامس، إن موضوع التجديد الفِكرى فى مصر ليس موضوعًا جديدًا بل تم التطرق له ومُعالجته بواسطة أجيال مُتعاقبة من المُفكرين والمثقفين من نهاية القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، فيحدثُ الحوار والنقاش، ويبدو أنه تم الوصول إلى توافُق عام، ولكن سُرعان ما يتم اثارة نفس الأسئلة وأحيانًا بنفس العبارات بعد عدة سنوات. نبدو أحيانًا وكأننا نُفكر بشكل دائرى ونعود من فترة لُأخرى إلى نقطة الصفر. لماذا يبدو وكأننا اسرى دوامة لا نستطيع الخروج منها؟ ولماذا تبدو مُجتمعاتنا غير قادرة على حسم العلاقة مع الموروث او القديم، ولماذا تبدو مُترددة فى قبول الآراء والتفسيرات الجديدة.

تختلف الإجابات حول هذه الأسئلة، والإجابة عندى أن الحوار حول التجديد الفكرى ظل لم يرافقه التجديد فى الواقع العملى وفى النظم والعلاقات الاجتماعية للمصريين. فالافكار الحديثة و التفسيرات الجديدة لا تنتشر فى المجتمعات اذا لم ترتبط بتغييرات عملية فى حياة الناس مما يؤدى الى شعورهم بالحاجة الى هذه الأفكار والتفسيرات ويوجد البيئة المناسبة لانتشارها. فتجديد المجتمعات يسير على ساقين: تجديد الأفكار وتجديد الواقع والعلاقات الاجتماعية، ولا يمكن لاى جهود للتجديد الفكرى فى اى مجال ان تؤتى ثمارها مادام الواقع الاجتماعى يعتريه الجمود.


لمزيد من مقالات د. على الدين هلال

رابط دائم: