رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التواصل

لن اخوض فى هذه المساحة ولا فى المساحات التالية فى أهمية صناعة الغزل والنسيج التى قيل ان الدولة تتجه الى تطوير وحداتها بهدف إحيائها مع الاهتمام بزراعة القطن المصرى بكل انواعه. كما انى لن اخوض بتفاصيل أهمية التوجه إلى الصناعات التحويلية التى هى الصناعة التى تحول الخام الى سلعة يحتاجها الإنسان ويستعملها ويصبح لها ثمن أعلى داخليا وخارجيا بالإضافة إلى أنها تتسع لملايين الايدى العاملة من النساء ومن الذكور بحيث تفتح البيوت وتقدم الغذاء وتعطى للوطن احد اسسه الاقتصادية القوية التى تعتمد على القيمة المضافة بكل ما تصيغه من قيم أخلاقية وإنسانية راقية. وبكل ما تتيحه من فرص لتمكين رأس المال الاجتماعى فى أى مجتمع.

وعلاقة المصريين بالصناعات التحويلية لها تاريخ ولكنه ليس بالتاريخ الممتد والمتواصل ولكنه كان باستمرار تاريخا متقطعا لم يسمح بالتواصل بحيث يمكن القول ان لهذا التاريخ تأثيره على البناء الصناعى والاقتصادى المصري. وفى احيان يتم التواصل ولكن دون ان يكون هناك فرص للتطوير والنمو ليس فقط اقتصاديا وهيكليا وإنما، وهذا مهم بشريا. ولنأخذ على سبيل المثال المرحلة الاولى من صناعة الغزل والنسيج، وهى مرحلة الحلج.

ومرحلة حلج القطن هذه ليست بالمرحلة السهلة الهينة التى نشأت فى مصر فى ظروف طبيعية وانتجت بالات قطن نظيفة تتجه الى انوال الغزل لتتحول الى غزول إما للتصدير أو لمراحل النسيج المختلفة. لقد كان لاستمرار هذه المرحلة الصناعية ثمن باهظ دفعته مئات النساء والصبية المصريين من حياتهم ومن صحتهم مقابل الأجور المتواضعة التى كانوا يتحصلون عليها من ادارة هذه المحالج والتى كانت قرشا ونصف القرش للعاملة وقرشا للصبى مقابل ساعات عمل قد تمتد لتسع او عشر ساعات يوميا.

ولقد ذكر الاعلامى الشاب رامى رضوان أن دواليب محالج القطن التى تسعى الدولة لتطويرها الان يعود تاريخها الى القرن التاسع عشر. هذا صحيح ولكن التاريخ الذى ذكره الاعلامى لم يكن تاريخ قيام تلك المرحلة الصناعية وانما يعود الى تاريخ صناعة تلك الدواليب فى بلدها الاصلي. وهى الدواليب التى سمحت الادارة البريطانية للاقتصادى المصرى طلعت حرب باستيرادها بعد الحرب العالمية الاولي.

لقد راودت طلعت حرب فكرة قيام صناعة غزل ونسيج برأسمال مصرى لفترات تسبق الحرب الاولى وتقدم الى الادارة البريطانية بطلب ترخيص لإنشاء محلج للقطن المصري. ولكن جاءه الرد البريطانى بالرفض بحجة ان المصريين ليسوا رجال صناعة وإنما هم للزراعة فقط مما اضطر الاقتصادى المصرى الى تأجيل طلبه الى فترة ما بعد الحرب الاولى بكل ظروفها السياسية الاكثر ملاءمة لتجميع المستثمرين المصريين ومرحلة النضج الوطنى الذى اندلعت فى مصر. والأهم، بعد بروز الرؤية الاقتصادية التى صاغتها لجنة الصناعة عام 1917 والتى كان منها إنشاء بنك مصر. ولنعود الى نشأة تلك المرحلة الاولى لصناعة الغزل والنسيج والتى كانت سماتها الاساسية هى تنظيف القطن من كل الشوائب والأتربة التى قد تكون قد لحقت به فى مرحلة الجمع من الحقل بحيث يوضع بعد ذلك فى بالات كبيرة تتجه الى مرحلة الغزل. ولما كانت الصناعة بدائية فقد كانت معتمدة فى الاساس على العمل الانسانى الذى تؤديه النساء ويؤديه الصبية. كان على هذه الشريحة من النساء والصبية العاملين إتمام مرحلة الفرفرة هذه. وهى الدخول الى اكوام القطن وتنظيفه من الاتربة ومن العوالق. وهى عملية لم تترك للعاملين فيه فرصة تجنب الامراض الرئوية بسبب ما يستنشقونه من أتربة وعوالق. ومن هنا نقول ان النساء المصريات والصبية المصريين دفعوا الثمن الباهظ لتقف هذه الصناعة على قدميها ولتصل البالات إلى المغازل المصرية لتحويلها لغزول او إلى الموانئ للتصدير.

فالدواليب القديمة التى استوردها طلعت حرب هى الدواليب التى استمرت تعمل الى ان طاولتها مشاريع التطوير الحالية، ومن هنا يمكن تصور الحالة التقنية التى لم يعبرها العامل المصرى ولكن الذى استمر ينتج بها لنا كل ذلك الانتاج من القطن المصنع الذى كنا ننعم به كمصريين سواء فى مراحل الاستهلاك المحلى او التصدير.

ولكن كان لظروف العمل القاسية فى هذه المحالج تأثيرها الكبير على تشريعات العمل المصرية. فعندما جاءت حكومة الوفد الى الحكم عام 1926 دعت منظمة العمل الدولية، التى كانت قد تأسست مباشرة بعد الحرب العالمية الاولى وقبل تأسيس عصبة الأمم - منظمة العمل الدولية هى احدى الوكالات المتخصصة لمنظمة الأمم المتحدة ولكنها تكبرها سنا وخبرة لأنها تأسست عام 1918 فى حين تأسست منظمة الامم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية-، وكانت الدعوة لزيارة بعض الوحدات الصناعية المصرية لمساعدة الحكومة المصرية لوضع قوانين العمل بها.

وجاءت لجنة منظمة العمل الدولية إلى القاهرة وزارت ما كان متاحا من وحدات صناعية مصرية ولكنها ركزت اكثر ما ركزت عل محالج القطن حيث تعمل النساء ويعمل الصبية. وبعد ان غادرت القاهرة ارسلت تقريرها الى الحكومة المصرية التى كانت قد تغيرت وجاء إلى رئاستها اسماعيل صدقى مطالبة إياها بضرورة سن قوانين تنظم ساعات وظروف عمل وأجور النساء والصبية فى محالج القطن المصرية. ولم تستطع الحكومة المصرية الا ان تصدر عام 1933 أول قانونين للعمل فى مصر كانا بمثابة اسس التشريع العمالى المصري. كان الأول هو قانون تنظيم عمل النساء والثانى قانون تنظيم عمل الصبية. فكان من المحتمل ان يتم التواصل فى الصناعة لنصل فى النهاية الى تلك الوحدات المتطورة والى ذلك العامل المالك لخبرات الصناعة ولسبل تطويرها ولكننا سرنا فى الطريق المعاكس وتحديدا فى العقد السبعينى من القرن الماضى عندما اخذت الدولة بطريق الانفتاح الذى قضى على فرص النمو الداخلى لحساب البضائع المستوردة. ومع هذه السياسة تضاءلت اهمية زراعة القطن وفقدت مصر فرص نموها الاقتصادى وخسرت سمعة قطنها الذى نتمنى ان تعود. كما خسرت فرصة التواصل الذى يبنى الدولة الصناعية.


لمزيد من مقالات أمينة شفيق

رابط دائم: