رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أمة فى خطر

لحظة من فضلكم.. هل يمكن أن نتوقف قليلا، ونتأمل أنفسنا  بصدق خالص: بشرا ومؤسسات، ونصف أحوالنا ومدننا ومعيشتنا، كما لو أننا غرباء قادمون من الفضاء الخارجى نتعرف على مجتمع نزوره لأول مرة؟

ما الذى يشغلنا ويستحوذ على اهتماماتنا؟

ما هى القضايا التى نتحاور حولها والأفكار التى تحل غالبا على عقل المجتمع العام وليس فى الندوات والصالونات الثقافية الخاصة؟

بالطبع نحن فى أزمة اقتصادية، تلقى بظلالها على أوجه حياتنا وتنغص علينا أيامنا، أزمة ليست وليدة الأمس ولا العام الماضى ولا السنوات العشر السابقة عليها، عمرها أكبر من عمر أكبرنا سنا بعشرات السنين، يمكن أن نقرأ تفاصيلها فى خطابات تعيين الحكومات المختلفة التى تولت السلطة من القرن التاسع عشر إلى اليوم، وباءت محاولاتنا وأعمالنا بالفشل فى التخلص منها، حتى لو كنا قد اقتربنا نسبيا من حلها فى الستينيات فترة الحلم المتوهج، ثم اكتفينا بالحديث عنها من منتصف السبعينيات، وكلما كنا نتقدم خطوة نتراجع خطوة وأحيانا خطوتين ( التعليم مثلا)، حتى تفاقم بعضها وتحور مثل فيروس كورونا، فأصابنا وباء العشوائيات، والعشوائيات لم تعد أحياء ولا مناطق ولا بيوتا، وإنما سلوكيات وتصرفات ومفاهيم، تسللت تدريجيا إلى كل مفاصلنا، فى الشارع والنادى وديوان العمل وساحة الرياضة والمقهى وإشارات المرور وشاطئ البحر ونهر النيل والغناء والتليفزيون والسينما..الخ.

والأخطر هو تمددها إلى العقل وخلايا التفكير..لأنها أصبحت من مكونات الحالة العامة. صحيح أن ثمة عملا جادا وفى غاية البراعة، وفيه مصريون يحفرون فى الصخر ويستميتون فى أعمالهم ويلزمون أنفسهم بالتفكير العلمى السليم ليشدوا وطننا خارج هذا النفق، لكن المجتمعات لا تنهض ولا تتقدم ولا تجد مخرجا إلا بزخم عام يشملها كلها، وليس بموجة ولا موجتين ولا تيار فيها. نوبة صحيان دائمة: فكرا وعملا.

وإذا عدنا إلى السؤال وأخذنا الأسبوعين الأخيرين مثالا: ما الذى يشغل بالنا ونعيشه بكل خوالجنا وخلايا عقولنا؟

حمو بيكا وشاكوش وشيكابالا وكهربا ومحمد رمضان وعبدالله رشدي..الخ.

لا يعنينا من كل هذه القضايا التافهة إلا قضيتان..قضية مباراة السوبر وتداعياتها وقضية محمد رمضان..لأنهما فاضحتان للعقل الغوغائى المسيطر على حياتنا

أولا: مباراة السوبر تمس أكثر من 80 % من المصريين المنقسمين بين الأهلى والزمالك، بغض النظر عن نصيب كل منهما فى هذه النسبة، واعترف لكم بكل وجع، أن بعضا من المصريين مازالوا واقعين فى براثن الخجل والإحساس بالعار، لأن لاعبينا قد ضبطوا فى أوضاع مخلة بالآداب خارج الحدود، لم يهينوا أنفسهم بقدر ما أهانوا وطنا عظيما، خلعوا  عنا رداء التحضر ومرمطوا بسمعته الأرض، لا الفائز بالكأس تصرف بروح رياضية ولا خاسر الكأس ألزم نفسه بها، وهى مجرد مباراة فى كرة القدم، يبدو أن قيمتها فى المعايرة والمكايدة والتنكيل أهم من الإمتاع والتسلية وإرساء قيم جيدة يقلدها المراهقون والأجيال الصاعدة.

لا يعنينا من الذى أخطأ أولا أو تسبب فى الكارثة، لأن شرارة الأحداث لا تبرر  الانفلات العام الذى انفجر فى الملعب سافلا مهينا جارحا، كنت أتمنى أن يزداد عدد المُعاقبين وتشتد عقوباتهم إلى أقصى حد ممكن، فالمصيبة تجاوزت خروجا على السلوكيات الرياضية السليمة إلى إهانة وطن على مرأى ومسمع العالم أجمع. لاعبون عديمو الإحساس بالمسئولية تجاه مجتمعهم الذى رفع من شأنهم وأغدق عليهم الملايين سفها، بينما لا يتجاوز راتب أعظم مفكريه وعلمائه ومخترعيه مائة وخمسين ألف جنيه فى السنة، وهى حالة عامة تعلو فيها رواتب أصحاب الخدمات والترفيه على رواتب المنتجين الذين يدعمون أساسيات الحياة أضعافا مضاعفة.

الموجع والأكثر إيلاما حالة التبرير المهينة للسفالة، والتى ضربت أغلب المجتمع، لم تعد القضية مصر وما حدث لها، بل صارت أهلى وزمالك وانحيازات حقيرة، وتراجع فيها الوطن إلى آخر المشهد، ليس بين العاديين من جماهير الدرجة الثالثة على صفحات التواصل الاجتماعى فحسب، بل من متعلمين ومثقفين وإعلاميين وفنانين وصحفيين وأصحاب مناصب رفيعة، لم ينتفض أحد من أجل مصر المهانة علنا، وانتفض ضد العقوبات، حتى الذين تظلموا ورفضوها، لم ترد كلمة مصر فى عباراتهم وكلماتهم. أى عقل غوغائى هذا؟

ثم جاءت مباراة الدورى التى لم تلعب وظل العقل الغوغائى يعمل بكل قوة مستفزًا أعصاب الناس. فى نفس الأسبوع جاءت استضافة النجم محمد رمضان على شاشات التليفزيون العام، وشيء طبيعى أن يستضيف التليفزيون نجوما ويستعرض أفكارها ومشوارها الفني، لصناعة تجربة وقدوة، لكن  أهل التليفزيون ومطورية لم يفرقوا بين أمرين مختلفين تماما هما: القيمة والشهرة، والتفرقة ضرورية لمعرفة القيم المراد ترسيخها فى عقول الناس وطموحاتهم. ويبدو أنهم رأوا فى تجربة محمد رمضان الفنية والإنسانية النموذج والقيم التى يبحثون عنها.

صحيح أن رمضان حالة مثيرة للجدل والمشاهدة، سواء فى أفلامه أو أغانيه أو ملابسه أو تعليقاته على شبكة الإنترنت أو تصرفاته العامة، وهو يجيد هذه اللعبة ليظل محط الأنظار الإعلامية، كما يفعل رؤساء أندية أو مقدمو برامج رياضية أو لاعبون سابقون فى تسجيلات على اليوتيوب أو هواة جدد للشهرة..لكن ما القيمة هنا، إذا كان محمد رمضان وله 17 فيلما وبضعة مسلسلات،  يستحيل أن يحتل أى فيلم فيها مكانة مرموقة سوى أحكى يا شهرزاد فى دور ثانوى وكان جيدا فيه، ولم يمثل حتى الآن دورا عظيما مثل شكرى سرحان فى ابن النيل أو امرأة فى الطريق، ولا مثل عمرو الشريف فى صراع فى النيل أو إشاعة حب أو مثل محمود ياسين فى أغنية على الممر أو  نور الشريف فى زوجتى والكلب، وقد لا نستطيع أن نحصى أدوارا عظيمة لعبها نجوم شباب فى تاريخ السينما المصرية، بينما أشهر  أدوار محمد رمضان هو البلطجى الفج حتى لو كان ضابطا كما فى فيلم شد أجزاء، ولا يختلف الحال فى المسلسلات دون أن ننكر عليه نجاح أعماله جماهيريا، فأَدَرَّتْ عليه عشرات الملايين من الجنيهات، قفزت به اجتماعيًا واقتصاديا وهذا حقه. لكن أين القيمة التى نرسخها بين المشاهدين؟

نحن أمة فى خطر، ولا سبيل سوى نهضة ثقافية شاملة نزيح بها هذا الخطر من على أكتافنا.


لمزيد من مقالات نبيـــل عمــــر

رابط دائم: