رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الذوق ترجمة لأخلاق المجتمع

يبدو أن قضية الذوق العام تؤرق بال الكثيرين، اذ تلقيت العديد من الاتصالات التى يؤيد أصحابها استصدار قانون يضبط سلوكيات البشر ، ويفرض قواعد الذوق على الجميع، ويطالبون بضرورة تبنى حملة من أجل الارتقاء بالذوق العام فى مجتمعنا، بعد أن تفشى الفحش فى القول والفعل بفعل غياب التوعية والتوجيه فى المنزل والمدرسة، وراح كل متحدث يعدد ما يبرهن به على أن الذوق تلاشى ولم يعد له وجود فى تعاملاتنا، فمنهم من قال انظر إلى مايجرى فى الشارع من اصحاب السيارات وكأنهم فى حلبة سباق لايقيمون وزنا لقواعد المرور، والمارة الذين يخترقون الشوارع طولا وعرضا غير مبالين بالإشارات الضوئية التى يفترض انها وجدت لتأمين سيرهم، فتجدهم لايسيرون على الرصيف الذى خصص لهم ويقطعون نهر الطريق اثناء سير السيارات فيعيقون سيولة المرور، وتجدهم مع قائدى الدراجات النارية يتراقصون بين السيارات ما يسبب ازمة مرورية خصوصا فى الميادين الكبرى وفى ميدانى الإسعاف ورمسيس المثل، ومن المتصلين من نوه الى من يقومون باستخدام الابواق بصورة مزعجة، ومنهم من يقومون بالبصق على الأرض ويلقون قمامتهم من السيارات فى الشارع او لايضعونها فى السلال المعدة لجمع القمامة إن كانوا مشاة، ونظرة لشوارع اى حى فى اى منطقة خصوصا بالقاهرة الكبرى تنبئ بالازمة، فالشوارع مكدسة بالقمامة، ومن عجب انهم يلقونها بجوار الصناديق، ويتساوى الامر بين الشارع او التجمعات السكانية، اذ ان اغلب الاسر توكل امر اخراج القمامة من المنزل للاطفال الذين يعجزون عن الوصول الى الصندوق الذى يفوقهم طولا، وهكذا تتعدد المشاهد فى الشوارع، اما فى البنايات فلم يعد الالتزام الاخلاقى الذى يمنح الجار حقوقا كثيرة اقرتها الاديان موجودا، فتجد من يقتنون كلابا تنبح ليل نهار وتزعج السكان، وتجد من يلعب النرد فى منتصف الليل، ومن يترك صوت التلفاز عاليا وكأنه يتفرج فى صحراء دون اكتراث بالجيران ومنهم مرضى وموظفون يرغبون فى نيل قسط من الراحة بعد عناء يوم عمل، ومنهم من يترك قمامته على سلم العمارة، او يغسل سيارته ويترك الماء ليغرق الشارع، او يركن سيارته فى مدخل العمارة ليعيق دخول جيرانه وكأنه امتلك العقار كله، واذا انتقلنا الى الاماكن العامة فهناك من يكسر حظر التدخين وينفث دخانه فى الاماكن المغلقة وهناك من يتخطى الطابور طلبا للخدمة على حساب من سبقوه، وغيرها كثير من المشاهد التى تؤذى الاخرين، وتعكس غياب الذوق العام لدى البعض ممن يشوهون العلاقات الانسانية بين ابناء المجتمع الواحد، وتؤكد غياب التربية الصحيحة والقدوة، وهنا نشير بأصابع الاتهام الى الاعلام والمدرسة والمنزل، فهذا الثالوث لو قام بدوره كما يجب لما تفشت هذه الظاهرة، حتى بات أزمة تؤرق الناس وتتعالى اصواتهم للبحث عن حل لها، يعيد المجتمع لما كان عليه من سلوكيات تعكس وعى وتحضر افراده، اذ لم يكن ممكنا ان يدخل احد على آخر دون طرق باب غرفته والاستئذان للدخول، ولم يكن أحد يزور الآخر إلا بعد ان يتصل ليعرف إن كان مستعدا لاستقباله ام لا، وكان المجتمع متسامحا يتبادل افراده التحية عندما يلتقون، وتكسو وجوههم الابتسامة عندما يتصافحون، ويكتفون بالتلميح أن كان فى التصريح أذى للاخرين، كل تلك المفاهيم غابت، مايعنى أننا بحاجة ماسة لاعادة بناء المجتمع وتذكير افراده بأن الذوق هو ترجمة للاخلاق الراقية، ويظهر أثره من خلال سلوكياتهم وتعاملاتهم مع بعضهم البعض، غير أن الانصاف يدعونا التأكيد أن أجيال ماقبل الانترنت لم تجد عناء فى تعلم آداب الذوق، اذ كان كل مايحيط بهم يعلمهم سواء فى المنزل او المدرسة او المجتمع، فشبوا مدركين لقيم الذوق وتعاملاته، لكن الوضع الآن بفعل عوامل، منها التفكك الاسري، وقصر دور المدرسة على التعليم فقط بعد أن سقط عمدا مفهوم التربية، ومن هنا فعلينا إن كنا جادين فى السعى لتحقيق هدفنا اعادة بناء المجتمع وإرساء قيم الذوق والاخلاق بين افراده، أن نؤكد دور المدرسة كمؤسسة تربوية اجتماعية وليست تعليمية فقط، فهى المكان الذى يعيش فيه الطفل ساعات طوالا كل يوم، وعلى المدرس أن يكسب تلاميذه الاداب والاخلاق ويقدم نفسه قدوة لهم ليشبوا على ما يعودهم عليه من سلوكيات يحاكونها فى حياتهم، فدور المدرس فى التنشئة الاجتماعية لايقل أهمية عن دوره فى تعليم التلاميذ الكتابة والقراءة والعلوم، وعلى الاسرة ان تولى ابناءها اهتماما أكبر وتراقب سلوكياتهم لتقومها اولا بأول، ساعتها يعم الذوق سلوكياتنا ويصبح ثقافة وعنوانا للمجتمع، وساعتها سيتمكن افراده من الفرز بين الغث والسمين فى كل تعاملاتهم واختياراتهم بما يليق بالذوق العام.


لمزيد من مقالات أشرف محمود

رابط دائم: