رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الطريق إلى التقدم المصرى

هناك ثلاثة مناهج فى النظر إلى مصر: المنهج الغربى الذى يضع المقاييس الراهنة للحالة الغربية أداة للتقييم ونتيجته سلبية, والمنهج التاريخى المصرى الذى يقيس مصر بما كان عليه حالها المؤسف عقب الزلزال الذى ألم بها فى مطلع العقد المنصرم ونتيجته بالمقارنة إيجابية, والمنهج العالمى الذى يضعها فى إطار الدول البازغة ويقيمها على أساس مثيلاتها من الدول. وعلى هذا المنهج الأخير سوف يعتمد التحليل فيما يلى من المقال، وبدايته التصريحات الأخيرة التى أدلت بها وزيرة التخطيط المرموقة هالة السعيد بأن الربع الأول من العام المالى الحالى 2019/2020 قد شهد معدلا للنمو قدره 5.6% وكان العامل الأول للنمو خلال الأشهورالستة الاولى هو نمو التجارة الداخلية بمعدل 14.7%، وتبعها التقدم فى القطاع الصناعى بمعدل 12.6% ثم الزراعة 12%. وأسهم فى النمو قطاعات تكرير البترول، والاتصالات، والتشييد والبناء، والنمو الملحوظ فى قطاع السياحة. بهذه الأرقام فإن مصر تنمو بمعدلات أسرع من المعدل العالمى المقدر 3.3% فى يناير المنصرم، ومن المتوقع طبقا للموازنة العامة الحالية أن يصل معدل النمو فى العام المالى الحالى 6%. التوقعات الأخرى من داخل مصر وخارجها تتراوح حول هذا الرقم، وفى المستقبل القريب ووفقا للظروف الحالية هى أن يدور معدل النمو حول 5.5% الذى يظل معدلا معقولا ومحترما، ولكنه لا يرقى للطموحات المصرية الواقعة ضمن رؤية 2030 والتى وضعت معدلا للنمو قدره 8% مع حلول عام 2020. مثل هذا الرقم ينبغى أن يظل هدفا أساسيا لعمليات الإصلاح الاقتصادى المصرية والتى بدأت فى عام 2015، وأخذت زخما كبيرا مع الإجراءات الشجاعة للتعامل الواقعى مع الاقتصاد المصري، مصاحبا بالاتفاق مع صندوق النقد الدولي، والذى نفذته مصر بنجاح كبير أدى إلى تحسن كبير فى المؤشرات الكلية للاقتصاد.

صحيح أن كثيرا من خبراء الاقتصاد والمهتمين به لا يعولون كثيرا على معدل النمو، ويركزون أكثر على مدى الرضاء العام، أو توزيع العائد من النمو، أو معوقات تحقيق الأهداف الكبرى التى حققتها بالفعل الدول البازغة فى شرق آسيا ومناطق أخرى من العالم بما فيها القارة الإفريقية والعالم العربي. ومع ذلك فإن معدل النمو يظل هو القاطرة التى تدفع المجتمع كله إلى التقدم حتى ولو بدرجات متفاوتة، ولو أن الصين قدر لها الاختيار مرة أخرى ما بين معدلات للنمو أو رضا الناس أو التوزيع لكان المرجح أنها سوف تختار الأولى لأنه أصبح الآن لديها طبقة وسطى كبيرة، ولم يبق لديها من الفقراء إلا 150 مليونا أو نحو 10% من عدد السكان. نقص الفقراء وحتى تحسنت أحوالهم رغم زيادة الفجوة بينهم وبين الطبقات الاجتماعية الأخري، وكان كل ذلك ممكنا بسبب معدلات النمو المتصاعدة والتى زادت على 10% فى سنوات عديدة، ووصلت إلى 13% فى سنوات أخرى حتى باتت المعضلة فى الاقتصاد الصينى هى سخونة الاقتصاد أى النمو إلى درجة وجود أمراض خاصة بالتلوث، أو عدم كفاية البنية الأساسية للتعامل مع اقتصاد يسير بسرعة الصاروخ. الآن تستطيع الصين أن تنظر إلى مشاكلها الأخري، ولكنها فى الوقت نفسه باتت، كما بات العالم، ينظر لها باستنكار شديد إذا تراجع نموها إلى 6.1% أو أقل بفعل فيروس الكورونا.

بالنسبة لمصر، وفى ظل معدلات الزيادة السكانية الحالية، فإنه لا مفر من اعتبار معدل النمو 8% ضرورة استراتيجية ليست مستحيلة المنال بما ثبت من قدرة خلال السنوات الخمس الماضية تجعل من العام الحالى عاما لحصاد الناتج والأهم تفعيل استخداماته وسبل نموه هو الآخر. فالمدن والميادين والمناطق والأحياء والمتاحف التى يجرى إعدادها وإصلاحها وتجميلها ينتظر أن تؤتى أكلها بالحفاظ عليها وصيانتها واستثمارها؛ هى باختصار أصول جديدة تضاف للثروة القومية، وفى الوقت الذى نبحث فيه عن ثروات جديدة من مشروعات كبرى وعملاقة، فإن تنمية الأصول تظل دوما إضافة للناتج القومى الإجمالي. ومن حسن الحظ أن الدولة قد تنبهت أخيرا إلى أهمية دور القطاع الخاص، وهو مع خصخصة القطاع العام، وعبور القطاع غير الرسمى إلى ساحة القطاع الرسمي، مع تعبئة موارد وقدرات المحليات، مضافا إلى الأصول الحالية يمكنه أن يأخذنا إلى هذا المعدل الذى هو محصلة القدرة على النمو محددا بالزمن الذى هو عام واحد مما يضيف عامل السرعة الواجبة لتحقيق هذا الإنجاز.

ولحسن الحظ أنه كما يظهر من الأرقام أن الاقتصاد المصرى متنوع بحيث لا يعتمد على قطاع بعينه، بعضها ينمو بسرعة بسبب زيادة الطلب الناجم عن الزيادة السكانية، ولكن بعضها الآخر يعتمد بشدة على السياسة التى تحدد الأولويات وتدفع فى اتجاه النضج المؤسسى وتعميق ما هو متاح، والاستثمار فيما هو ضرورى للنمو السريع. وفى تصريحات لوزيرة التجارة والصناعة نيفين جامع فإنها وضعت أصابعها على ضرورة إصلاح وإعادة تنظيم الوزارة من ناحية، والعمل من ناحية أخرى مع المصنعين والمصدرين، لتحقيق رؤية الدولة ومن أهمها الحد من الاستيراد وزيادة التصدير. المركز المصرى للدراسات الاقتصادية يثنى على هذا التوجه إلى قطاع الصناعة لأنه توجه مطلوب وضرورى لما لهذا القطاع من أهمية كبيرة كقاطرة للنمو. ما يثيره ما سبق هو أن القضية ليست فقط مرتبطة بمجالات النمو الذى هو الهارد وير الذى قامت على أساسه معدلات النمو المرتفعة فى الدول البازغة، وإنما هى لا تقل ارتباطا بالبنية المؤسسية والتشريعية التى سوف تتعامل معه أى السوفت وير. مثل ذلك نرجو أن يكون هو الحال فى الوزارات والمؤسسات والهيئات العامة المصرية الأخرى والذى دونه فإن معدل النمو سوف يظل معقولا ولكنه لن يصل إلى الطموحات الضرورية للتعامل مع التحديات القائمة. المسألة ببساطة أن مصر فى حالة سباق مع الزمن، ومع الدول الأخرى التى تجرى بسرعات كبيرة، ومع الزيادة السكانية التى لا تقل سرعة، ومع تحديات دولية وإقليمية صعبة, وهذه كلها تتطلب معدلا للنمو لا يقل عن 8% فدعونا نحقق ذلك الآن قبل الغد.


لمزيد من مقالات د. عبدالمنعم سعيد

رابط دائم: