رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

العدالة الاجتماعية.. الفريضة الغائبة

يحتفل العالم فى العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمى للعدالة الاجتماعية، وذلك بناء على قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر فى نوفمبر 2007، والذى جاء تنفيذا لتوصية من منظمة العمل الدولية وإعلانها بشأن العدالة الاجتماعية من أجل عولمة عادلة، وقد ازداد الاهتمام فى الآونة الأخيرة بهذه الظاهرة، وذلك بعد أن اتضح ان مسار الاقتصاد العالمى السائد قد أدى الى ازدياد الفقر والاستبعاد وغياب المساواة داخل المجتمعات وفيما بينها، ولم يكن من قبيل المصادفة فوز كل من «أبهيجيت بانيرجى ومايكل كريمر واستر دوفلو بجائزة نوبل فى الاقتصاد وذلك عن أعمالهم حول الفقر وأسبابه. بعد ان ظلت على مدار العقود السابقة تعطى لأصحاب الدراسات التطبيقية خاصة من مدرسة شيكاغو.

وهكذا أصبحت مقولة البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة القائلة: فيما مضى كان البعض يعتبر الفقر شرا لابد منه، أما الآن فقد أجمع الكل على أنه ليس شرا فحسب، بل يجب أن يصبح من مخلفات الماضي. حقيقة أساسية ومنهاج عمل خلال الفترة القادمة خاصة بعد أن تفاقمت الظاهرة وأصبحت أحد المعوقات الأساسية للعملية التنموية. وقد اثبتت معظم الدراسات ان جعل النمو اكثر احتواء لكل شرائح المجتمع، من شأنه أن يجعله اكثر استدامة أيضا، وبعبارة اخرى فإن عدم المساواة وعدم استمرار النمو وجهان لعملة واحدة، ويبدو ان هذا أصبح موقف المؤسسات الدولية جميعها فقد نشرت مجلة التمويل والتنمية، لسان حال صندوق النقد الدولى مقالا بعنوان الليبرالية الجديدة هل شابها الافراط؟ وهو المقال الذى يمثل تغييرا كبيرا فى الفكر القائم عليه الصندوق، حيث يرى ان سياسة التقشف التى كان يدعو اليها عن طريق تخفيض النفقات العامة خاصة على بعض الجوانب الاجتماعية كالأجور والدعم قد أدت فى النهاية الى المزيد من عدم المساواة وسوء توزيع الدخول بل أقر بأن هناك إفراطا شديدا فى تخفيض الموازنات مما أدى الى نتائج عكسية أضرت بأهداف النمو والعدالة الاجتماعية حتى استمرارية السياسة المالية ذاتها. ويرجع هذا الزخم العالمى والمحلى لما أظهرته المؤشرات أن الفقر فى العالم وصل إلى مستوى مرتفع للغاية يحتاج إلى دراسة دقيقة لمعرفة آليات القضاء على هذه الظاهرة. ويرجع السبب فى ذلك الى المنهج التنموى الذى أخذت به العديد من البلدان ومن ضمنها مصر، والذى اصطلح على تسميته التقشف التوسعى ويحظى بقبول لدى صندوق النقد ومن سار على نهجه .اذ أعزى الزيادة فى عجز الموازنة الى تزايد الإنفاق العام بمعدلات أعلى من الزيادة فى الإيرادات العامة، وبالتالى هناك ضرورة لخفض الإنفاق العام حتى نتمكن من إعادة التوازن المالى للموازنة، وقد بدأت بالفعل إعادة النظر فى هذه السياسات بعد ان اثبتت العديد من الدراسات اثارها السلبية على النمو وتوزيع الدخل وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء. وذلك لأن هذه السياسة تعمل فى إطار مجموعة محددة للغاية من الشروط، وتفشل فشلاً ذريعاً عندما تكون هذه الظروف غائبة. ولذلك ترى الدراسات انه ينبغى أن تؤدى السياسة المالية إلى تعزيز النمو وتحقيق العدالة الاجتماعية على المدى المتوسط والبعيد. وبالتالى فإن سياسة الإيرادات وسياسة الإنفاق متكاملتان وينبغى تقييمهما كحزمة واحدة لتحقيق أهداف المالية العامة والأهداف الاقتصادية والاجتماعية، خاصة ان الفقر يمثل حالة ما لم يتم كبح جماحها فإنها تميل إلى تجديد نفسها فالأطفال الفقراء غالبا ما يستمرون فقراء عندما يكبرون، ما لم يكن هناك تدخل لتغيير الأحوال الشخصية للفقير. وهكذا يمكن أن تستمر دورة الفقر حتى الأجيال القادمة، من هذا المنطلق تأتى أهمية السياسة المالية عموما والإنفاق العام على وجه الخصوص التى يمكن أن تُحْدِث فرقا كبيرا فى معالجة عدم المساواة وتحقيق العدالة. وهنا تصبح المشكلة الأساسية للسياسة المالية فى قدرتها على تحقيق العدالة الاجتماعية وتعزيز شبكات وبرامج الحماية الاجتماعية بهدف احتواء تداعيات برنامج الإصلاح على الطبقات الفقيرة، وهنا يأتى الحديث عن كفاءة هذا الإنفاق وعدالته. ونقصد بالعدالة هنا تحقيق التكافؤ الحقيقى فى الفرص المتساوية للحصول على الخدمة وذلك بتوزيع الانفاق العام بشكل متساو وفقا للاحتياجات لكل منطقة جغرافية والعمل على الوصول الى الاماكن المحرومة منه.خاصة فى ضوء القيود الشديدة على قدرة الافراد الفقراء فى الحصول على الخدمات مثل نقص المعرفة بشأن الخدمات المتوفرة خاصة بين غير المتعلمين. وصعوبة الوصول الى الخدمات فى هذه المناطق مع ما تعانيه هذه الأماكن أصلا من مشكلات مثل انخفاض نوعية العاملين بها فضلا عن تدنى مستوى الخدمة، وبمعنى آخر فمازالت هناك مشاكل عديدة فى الحصول على الخدمات الاجتماعية ذات النوعية الجيدة فى الكثير من هذه المناطق، من هذا المنطلق يجب عدم الخلط بين الدعم والدور الاجتماعى للدولة، وذلك انطلاقا من أن التخفيف من الفقر لا يقتصر على مجرد توفير آلية لمساعدة الفقراء على تخطى حدود معينة من الدخل أو الاستهلاك، بل يشمل رفع الإنتاجية بصورة مستمرة وإشراك الفقراء فى عملية التنمية. اذ تؤمن تماما بأن النمو وحده ليس كافيا، إذ يجب ان يكون نموا مواليا للفقراء وموسعا لقدرتهم وفرصهم وخيارات حياتهم، وهى مسألة يجب، أن تتم فى إطار رؤية تنموية متكاملة ومن منظور شامل وواسع يأخذ بعين الاعتبار علاج الاختلالات الهيكلية فى الاقتصاد القومى ويدفع عجلة التنمية إلى الأمام، ويراعى البعد الاجتماعى جنبا إلى جنب مع البعد الاقتصادى، ولا تصبح التنمية محصورة فقط فى تقديم خدمات اجتماعية معينة أو مجرد برامج للحماية الاجتماعية، وإنما تصبح هى التنمية الشاملة بكل أبعادها. تركز على إكساب الفقراء المهارات والقدرات اللازمة للحصول على الكسب الجيد للخروج من دائرة الفقر، وهو ما يتطلب اتباع استراتيجية تنموية تركز على النمو الاحتوائى المتواصل.


لمزيد من مقالات عبدالفتاح الجبالى

رابط دائم: