رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لا تجديد للفكر الدينى دون زواج مدنى موحد

لا أحد يتكلم عن الأخلاق وينتهكها مثلنا. لا أحد يغنى للحب ويقتل المحبين مثلنا. لا أحد يغنى للأم وينتهك حقوقها مثلنا. لا أحد يتشدق بالحرية ويخاف من الفكر الحر مثلنا. نتكلم عن العدالة والدولة المدنية والديمقراطية وننتهكها طول الوقت ليلا وفى وضح النهار. التناقض وازدواجية المقاييس، الخوف من كشف الحقيقة، هو المرض المزمن كالدمل الكامن فى بطن المجتمع، ينفجر من وقت لآخر، وتخرج الى السطح أورام سرطانية دموية، يتم التغطية عليها بسرعة كالعورة، لتنفجر من جديد.

اليوم يكتب الكثيرون عن ضرورة مواجهة هذا المرض المزمن، وهى ظاهرة إيجابية بالطبع، نرجو أن تمتد وتتجاوز جماعة المثقفين الى فئات الشعب الأخرى، ليكون لها الأثر الفعال المطلوب. منذ تصاعد التيارات السلفية بتشجيع من النظام الحاكم، بعد الهزيمة الكبرى منذ خمسين عاما، وما أعقبها من ردة سياسية اقتصادية اجتماعية ثقافية تعليمية، أعادت مجتمعنا لعهود الاحتلال الأجنبى والتبعية، عدنا لسيطرة رؤوس الأموال السرطانية الجامحة 2% يملكون كل شيء، و 98% لا يملكون شيئا. عدنا لمجتمع الفوارق الطبقية الخيالية، تحت تزايد الفقر والبطالة والجهل والمرض والفتن الطائفية، وانسحق نصف المجتمع (من النساء) تحت هذه الويلات جميعا، بالإضافة الى ويلات الحب والزواج وجرائم الشرف والطلاق والنسب والإرث وتعدد الزوجات وتزويج القاصرات والتحرش، وفرض النقاب.

انتشر التدين الزائف بين أساتذة الجامعات وعميدات الكليات والوزراء والمحافظين وليس بين جماهير الشعب فقط، نتذكر أحد المحافظين أعلن منذ سنوات أن بيضة دجاجة أصبحت مقدسة لظهور اسم الله عليها، وبعض الأستاذات الجامعيات يخفين وجوههن بالنقاب كدليل على الأخلاق والتدين. وقصة حب بين فتاة قبطية وشاب مسلم تفجر المظاهرات والشائعات عن خطف الفتاة لدفعها للزواج من رجل مسلم، وعن جمعيات سلفية تدفع أموالا لمن يدخل فتاة فى الإسلام، ولمن ترتدى الحجاب أو النقاب، ولمن يطلق لحيته وتظهر فوق جبهته الزبيبة السوداء.

إن نظام الزواج الذى يتضمن تفرقة على أساس الدين والجنس، يتعارض مع الدستور المصرى، الذى يساوى بين جميع أفراد الشعب بصرف النظر عن الدين أو الجنس، أصبحت الفتاة الصغيرة، خاصة الفقيرة، ضحية سهلة فى الصراع السياسى المتصاعد بين الأديان والطوائف السلفية، تدعمه (سرا وعلنا) جميع القوى السياسية المسيطرة داخليا وخارجيا، بهدف تقسيم الشعب طائفيا لإضعافه وبالتالى إخضاعه ونهبه. الحب الصادق المخلص المتبادل هو أساس الشرف والأخلاق والزواج السليم، وليس ما يورث عن الأسلاف من تقاليد وأحكام تفرض السلطة الأبوية، وتظلم الأطفال والنساء (لضعفهم وعدم إمتلاكهم الوعى والقوة الشعبية المستنيرة. ان التغلب على الفساد الأخلاقى فى حياتنا العامة والخاصة، وتحقيق الدولة المدنية الديمقراطية، يقتضى فكرا جديدا شجاعا، وإصدار قوانين مدنية موحدة للدولة والعائلة، أساسها العدالة والمساواة بين أفراد الشعب.

فلماذا لا تتعاون الدولة اليوم مع البرلمان لإصدار مشروع جديد لقانون مدنى واحد للأسرة المصرية المسلمة والقبطية معا، يقوم على العدالة وجوهر المواطنة ولا يفرق بين الأفراد على آساس الدين أو الجنس أو الطائفة أو المذهب أو غيرها.

إن تطبيق الدستور المصرى الحالى يفرض على البرلمان إصدار هذا القانون الجديد، فالأسرة هى النواة والحجر الأساسى للدولة والمجتمع. وإذا قامت الأسرة على العدالة والحب الصادق والإخلاص المتبادل بين أفرادها، فسوف تنصلح الأخلاق والقيم، وتتحقق العدالة فى الدولة والمجتمع، ولن نكون حينئذ فى حاجة لكثرة الكلام والأغانى عن الحرية والعدالة والأخلاق، وتجديد الفكر الديني.

إن تجديد الفكر الدينى، لن يكون بعقد المؤتمرات والندوات، وإرسال وفود لتصحيح صورة الاسلام فى الخارج. ولن يحدث بتوحيد خطبة الجمعة، وبناء المزيد من دور العبادة. ان تجديد الفكر الدينى، لابد أن يشتبك مع القانون الدينى الوحيد فى مصر، وهو قانون الأحوال الشخصية، حيث إن كل القوانين الأخرى هى بالفعل قوانين مدنية، ولذلك لا تسبب أى مشكلات، أو تعقيدات. وإذا جاءت ببعض المشكلات، فإننا نغيرها لتوائم المتغيرات، وتستجيب الى حاجات الناس. ففى النهاية هى قوانين من صنع البشر، ليست مقدسة.

إذن يتضح الأمر، أن قانون الأحوال الشخصية، هو العقبة الوحيدة فى المضى قدما لتحقيق الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة. ولأننى أؤمن بأن التغير هو قانون الحياة، وأن احتياجات الشعب نساء ورجالا وأطفالا، فى النهاية سوف تفرض نفسها، لتحقق لهم ما يستحقونه من حرية وعدالة وسعادة.


لمزيد من مقالات د. نوال السعداوى

رابط دائم: