رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

2 ـ عن التجديد والمجددين

إذا كان تجديد الفكر الدينى هو الاجتهاد فى فهم الواقع انطلاقا من مباديء الإسلام ومقاصده التى تتفق بالضرورة مع أحكام العقل ومصالح البشر, فتجديد الفكر الدينى شرط يصح به الإسلام ويؤدى دوره فى الحياة ودونه ينفصل الدين عن الواقع ويصبح مجرد أداء آلى متوارث.

ونحن ننظر فى تاريخ الإسلام فنرى أن انتشاره فى العالم وازدهار حضارته كانا مشروطين بهذا الشرط. فهمه للواقع، واحتكامه للعقل، واستعداده بالتالى لأن يتطور، لأن الواقع يتطور من ناحية، ولأن الإسلام من ناحية أخرى مثل عليا ومباديء ومقاصد تتعدد طرق الوصول إليها. وإذا كانت طريقة من الطرق صالحة اليوم لتحقيق الغاية فهى حق، فإذا تطور الواقع أو اختلف واحتاج للنظر فيما يتوافق معه أصبح علينا أن نعيد النظر فيما لدينا وأن نصححه أو ننتقل منه إلى غيره وذلك عن طريق الاجتهاد.

ونحن نعرف إن القرون الهجرية الأولى كانت انتصارات متوالية فى كل الميادين. فالناس يدخلون فى الإسلام أفواجا، والمسلمون يفتحون العالم. والعقل يصحو ويشب، والعلم يتقدم ويزدهر.

نعرف أن هذا تحقق، لكننا لا نعرف كيف تحقق، لأننا لا نعرف الكثير عن الواقع الذى تعامل معه الإسلام فى تلك القرون. الواقع الذى ظهر فيه الإسلام فى الجزيرة العربية، والواقع الذى انتشر فيه خارج الجزيرة. ما حمله الفاتحون معهم إلى البلاد التى دخلوها، وما رأوه فى هذه البلاد المفتوحة وما طرح عليهم فيها من أسئلة اجتهدوا فى الإجابة عليها فكانت هذه الحضارة التى تعددت صورها ومذاهبها واتفقت واختلفت واغتنت بهذا الحوار الخصب, الذى لم يكن بإمكانه أن يدور أو يتواصل إلا فى جو من الحرية والتسامح وقبول الآخر والاعتراف بحقه فى أن يجتهد وأن يختلف. وهو ما توفر أحيانا فأنتج الكثير لكنه لم يدم فى ظل نظم تتصارع وتتقاتل على السلطة وتستخدم الدين وتوظفه لمصلحتها وتتظاهر بنصرته لتكسب الفقهاء المحافظين وتضمن ولاء العوام المقلدين، فضلا عن أحداث وتطورات أخرى مزقت الدولة وهزت الاستقرار وخلقت جوا من التزمت والخوف حورب فيه العقل وأغلق باب الاجتهاد وظل مغلقا طوال الأعوام الألف التى مضت، وبدلا من أن يكون الفكر الإسلامى نصيرا للعقل والعلم وروحا للنهضة وطرفا مؤثرا فى الحوار مع الواقع كما كان فى القرون الهجرية الأولى حوصر واضطهد وانقطع ما كان متصلا بينه وبين الواقع وأصبح الحديث عن التجديد فى نظر الكثيرين بدعة، وهو فرض إذا احتكمنا للعقل والمنطق، وفرض إذا احتكمنا للحديث الشريف الذى يقول فيه الرسول «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». وتجديد الدين طريق لتجديد الدنيا، لأننا لا نستطيع أن نجدد الدين إلا بالعودة لأصوله وفهم مقاصده فى ضوء الواقع وما يطرحه علينا من أسئلة تفرض علينا أن ننظر ونعيد النظر ونكتشف الحلول ونجربها ونحول الفكر إلى واقع ملموس. ولو أننا عدنا للإسلام الأول لرأينا أن كل شيء فيه كان جديدا.

> > >

لقد ظهر الإسلام فى بلاد لم تكن فيها دولة تجمع أبناءها وتحفظ حقوقهم وتنظم شئونهم بالقوانين التى تضعها وبالمؤسسات التى تنشئها لتنشر الأمن وتقيم العدل وتواجه مايمكن أن يهددها وتدافع عن الحرية.

والدولة لم تكن موجودة فى بلاد العرب لأن العرب لم يكونوا جماعة قومية موحدة تحتاج إلى سلطة ترعى شئونها، وإنما كانوا فى معظمهم قبائل وعشائر متفرقة تبحث فى الصحراء عن العشب والماء وتتقاتل للحصول عليهما. وقد فرضت هذه الشروط الطبيعية نفسها على حياة البدو التى لم تعرف الاستقرار ولم تعرف ما يترتب على الاستقرار من علاقات متبادلة ومصالح مشتركة ونظم وقوانين تتحدد بها الحقوق والواجبات. وظلت أوضاع العرب على هذه الحال حتى ظهر الإسلام وانتشر وأصبح للمؤمنين به حياة جديدة لم يعرفوها من قبل، فهو دار أو وطن، وهو انتماء يعلو على كل انتماء آخر، وهو عقائد وشعائر وأخلاق وقيم وحقوق وواجبات يلتزم بها المسلمون فى حياتهم الخاصة وحياتهم العامة. وهكذا تغير كل شيء فى حياة العرب وتحول فلم يعودوا قبائل وعشائر متفرقة متنازعة معزولة فى الصحراء عن غيرها من الأمم والجماعات التى تحيط بها، وإنما أصبحوا أمة لها أرضها وحكومتها ولها فوق ذلك رسالتها التى كلفتها السماء بأن تبشر بها العالم وتحملها لغيرها من البشر.

هذا الواقع الجديد الذى خلقه الإسلام كانت له بالطبع أوضاعه وأطواره وأسئلته المطروحة على الفكر الديني. لأن المسلمين اختلفوا فيما بينهم حول من يخلف الرسول فى إدارة شئونهم، ووصل الخلاف إلى الحد الذى أصبح فيه فتنة كبرى كانت لها آثارها وتداعياتها فى كل المجالات. ولأن انتماء العرب للإسلام لم يقض على تعصبهم لعشائرهم وقبائلهم. ولأن الإسلام جمع فى دولته أمم الشرق والغرب من إسبانيا إلى الهند والصين، ولكل أمة من هذه الأمم حضارتها وتراثها وتقاليدها وثقافتها التى كان لابد أن تظل حاضرة مؤثرة تتدخل فى فهم الناس لما يقرأونه ويسمعونه ويعيشونه.

وقد رأينا أن عاصمة الدولة انتقلت مع ابن أبى طالب من المدينة فى الحجاز إلى الكوفة فى العراق، ثم انتقلت مع الأمويين إلى دمشق فى سوريا، ثم انتقلت مع العباسيين إلى بغداد. وفى كل نقلة من هذه النقلات أوضاع جديدة، وسياسات جديدة، وخبرات جديدة.

والإسلام الذى كان المسلمون يعرفونه من الرسول فى حياته أصبحت له بعد وفاة الرسول مراجع متعددة تختلف فيما بينها. أصحاب النبى الذين تلقوا عنه وتعلموا منه كانوا مرجعا للتابعين. وكان هؤلاء مرجعا لمن تبعهم، والأئمة الذين نشأوا فى موطن الدعوة فى الحجاز غير الذين نشأوا فى البلاد المفتوحة، ولكل واحد من هؤلاء وهؤلاء علمه ورأيه وفقهه ومذهبه.

وفى الأربعاء المقبل نواصل.


لمزيد من مقالات بقلم ـ أحمد عبدالمعطى حجازى

رابط دائم: