رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مجدى يعقوب.. فخر الإنسانية

ذات مساء عام 1940، توفيت عمته الشابة لضيق فى صمام القلب، فُجع أبوه الطبيب وحزن حزنا شديدا، هنا وقف مجدى حبيب يعقوب قبالة والده- ولم يكن يتجاوز الخامسة من عمره- مواسيا وقال: (أنا هبقى جراح قلب).. اندهش الأب المكلوم، وأخبره أن هذا أمر صعب. لكن مجدى الصعيدى المولود بالشرقية، أصر على تحقيق حلمه، قطع مشوارا طويلا وقهر عقبات، أصبح أشهر وأبرع أطباء القلب فى الكوكب، دخل موسوعة جينس للأرقام القياسية، بما يزيد على 25 ألف عملية قلب، فحظى باحترام العالم، بوصفه مثالا ساطعا للعطاء فى خدمة الإنسانية.

الخميس الماضى قلّد الشيخ محمد بن راشد نائب رئيس الإمارات حاكم دبى الدكتور مجدى يعقوب وشاح العمل الإنساني، تقديرا لجهوده على مدى 60 عاما فى مساعدة البشر، دون تمييز، لاسيما مرضى القلب الذين انتشلهم من براثن النهاية، بأنامله الذهبية، وخلال التكريم تدفقت التبرعات على مشروعه الجديد، لإقامة مركز عالمى لعلاج وأبحاث أمراض القلب، بنحو 400 مليون جنيه، ثقة واعتزازا بالرجل العظيم الذى يعد (فخرا للإنسانية) كلها.

وأمام العطاء اللامحدود للعبقرى مجدى يعقوب، يشطح بى الخيال أن البروفيسور يعقوب قد جعل دستور حياته كلمات رسالة الوداع التى كتبها جارسيا ماركيز: (لو شاء الله أن يهبنى حياة أخرى، فإننى سوف استثمرها بكل قواي، سأنام قليلا، وأحلم كثيرا، مدركا أن كل دقيقة نغلق فيها أعيننا تعنى خسارة ستين ثانية من النور سوف أسير فيما يتوقف الآخرون، وسأصحو فيما الكلّ نيام... تعلمت أن الجميع يريد العيش فى قمة الجبل غير مدركين أن سرّ السعادة تكمن فى تسلقه... تعلّمت أن الإنسان يحق له أن ينظر من فوق إلى الآخر حين يريد أن يساعده على الوقوف فقط.. تعلمت أن الغد ليس مضمونا لأحد، فلا تنتظر أكثر، تصرف اليوم لأن الغد قد لا يأتي... لن يتذكرك أحد من أجل ما تضمر من أفكار، فاطلب من الربّ القوة والحكمة للتعبير عنها).

لذلك لم تقف خطوات الحالم مجدى يعقوب على مدارج العطاء؛ حتى حاز المجد من أوسع الأبواب، تخرج يعقوب فى كلية طب قصر العينى العريقة عام 1957، وكان ترتيبه الخامس على دفعته، وقاده طموحه إلى السفر إلى بريطانيا، ثم الولايات المتحدة، ثم بريطانيا مرة أخرى. هناك تفجرت مواهبه فكان ثانى طبيب فى العالم يقوم بعملية نقل قلب، وهو الذى ابتكر جراحة الدومينو، أى زراعة قلب ورئتين فى مريض يعانى فشل الرئة، بينما يُؤخذ قلبه السليم ليزرع فى مريض ثان. كما نجح بتطوير صمام للقلب باستخدام الخلايا الجذعية، ومازال يسعى إلى تخليق وزرع قلب كامل باستخدام تلك الخلايا، وتلك ثورة علمية فى تاريخ الطب بكل معنى الكلمة.

كلفته الحكومة البريطانية بمهمة تطوير نظام التأمين الصحي. وتمددت جهوده وما أكثر المبادرات التى اجترحها يعقوب عبر بلاد العالم، خاصة فى الدول النامية، عبر مشروع (سلاسل الأمل) الذى تديره ابنته ليزا، من أجل علاج الفقراء. وما لبث أن حط رحاله فى وطنه، فأنشأ مركزا لعلاج أمراض القلب بصعيد مصر المهمل تاريخيا، فكان بلسما داوى آلام الأطفال الأبرياء وآسى أوجاع أرواح آبائهم، اليوم يعتزم الطبيب المرموق توسيع مركز أسوان وإقامة أكاديمية عالمية للقلب فى القاهرة، وهو يتنقل بين القاهرة ولندن وفيتنام، متابعا نشاط ابنته الصغرى صوفى الطبيبة التى تكافح أمراض المناطق الحارة؛ منافسة أبيها فى خدمة البشرية. إنه جهد جبار لا يتوقف، ألم أقل لكم إنه قرأ رسالة ماركيز؟!.

لم يكن مجدى يعقوب جراحا عاديا، ومن ثم منحته كبرى جامعات العالم 15 دكتوراه فخرية، وانهالت عليه الأوسمة والألقاب، من معظم الدول، منحته ملكة بريطانيا لقبى (سير) و(فارس الامبراطورية)، وحاز لقب (أسطورة الطب فى العالم)، ووصفته الأميرة ديانا بأنه (أمير القلوب)، وفى يناير 2011 حاز قلادة النيل العظمى أرفع أوسمة الدولة المصرية، ومع ذلك يرى يعقوب أن أفضل جائزة هى رؤية المريض وقد استرد عافيته.

إن مجدى يعقوب فخر مصر والعالم أمير القلوب الذى لم تلوثه السياسة طبيب بدرجة إنسان وهب حياته لعلاج غير القادرين ولأياديه البيضاء فى مواجهة أمراض القلوب التى تهلك الملايين سنويا، بالعلم والرحمة والمسئولية، وهو يستحق عن جدارة جائزتى نوبل، الأولى فى الطب والثانية فى السلام لخدمة الإنسانية التى هو فخرها بحق وعن استحقاق.

[email protected]
لمزيد من مقالات د. محمد حسين أبوالحسن

رابط دائم: