رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

كورونا وإدارة الأزمة

انتشار فيروس كورونا أصبح يمثل أزمة فى العديد من دول العالم. وتفاوتت قدرات هذه الدول فى التعامل معه. وظهر فى الأسابيع الماضية العديد من الكتابات التى تشير إلى الدروس التى يمكن تعلمها من إدارة هذه الأزمة، والتى يمكن أن تستفيد منها الدول التى لا تزال تتعامل مع تحدى كورونا، كما أن بعضها يمثل أيضا دروسا عامة تستطيع الدول أن تستفيد منها فى مواجهة الأزمات بشكل عام وأيا كان نوعها. أول هذه الدروس أن كل دول العالم معرضة لحدوث أزمات، ولا توجد حصانة لأى دولة كبيرة أو صغيرة من ذلك. وهذه الأزمات تمثل اختبارا للدولة ومؤسساتها، وقد تصبح سببا فى سقوط حكومات أو ضعف شرعية نظم، وأن النجاح فى إدارة الأزمات يرتبط بتوافر حد أدنى من المؤسسات التى يكون شاغلها الرئيسى هو التنبؤ بالأزمات ووضع خطط مسبقة للتعامل معها فى حالة حدوثها.

الدرس الثانى يتعلق بالشفافية، فنحن أصبحنا نعيش فى عصر يصعب فيه إخفاء الحقائق والمعلومات، وإذا لم تبادر الدولة بالإفصاح عن حجم الأزمة وأبعادها، فسوف تتولد فجوة معلوماتية، ويقوم أحد الأطراف الأخرى بملئها، وإذا تخلت الدولة عن قيادتها فى المجال المعلوماتى، فسيسعى آخرون للعب هذا الدور. والدول التى بادرت بإعلان الحقائق بشأن مناطق الوباء وعدد المرضى والموتى من فيروس كورونا، هى التى استطاعت العبور من الأزمة بخسائر أقل، والدول التى تأخرت أو حجبت المعلومات، واجهت تعقيدات كبيرة على رأسها أن مروجى الشائعات سيطروا على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى واستخدموها منصات للتشكيك، وإثارة الذعر بين المواطنين، والضرب فى مصداقية الدولة، وهو ما زاد من تعقيدات التعامل مع الأزمة. ومما لا شك فيه أن ثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تتيح للدولة أدوات سريعة ونافذة للتوعية والتثقيف بشأن الأوبئة والكوارث، والإعلان عن إجراءات الوقاية ومراكز العلاج، ومن ثم تصبح أدوات لا غنى عنها فى التعامل مع الأزمات، والدول التى استخدمت تلك الأدوات لتحقيق الأهداف المشار اليها هى التى استطاعت ادارة الأزمة بنجاح.

درس آخر لكورونا يتعلق بدور المجتمع المدنى فى إدارة الأزمة، فالدول التى بها مجتمع مدنى نشيط وخاصة فى المجال الاجتماعى والتنموى، استطاعت أن تخفف العبء عن الدولة فى التعامل مع الأزمة سواء فى مجال الوقاية أو العلاج. ومن الواضح من حجم أزمة كورونا أن الحكومات مهما تكن قدرتها وإمكاناتها لا تستطيع بمفردها أن تتحمل عبء أزمة تأخذ شكل الوباء أو الكارثة، وأن مؤسسات المجتمع المدنى وتنظيمات العمل الأهلى بما تملكه من قدرات وانتشار ومرونة تستطيع أن تشارك فى تحمل العبء والمسئولية، وبحيث يصبح المجتمع المدنى أحد المؤسسات الوسيطة بين الدولة والمواطن، ويستطيع أن يلعب دورا فاعلا فى تجميع التبرعات، وتعبئة المتطوعين، وتنظيم فرق المساعدة، والتحرك بشكل أسرع لمواجهة الأزمة بسبب قدرته على تجاوز العقبات البيروقراطية التى قد تكون مرتبطة بالتدخل الحكومى. ومن ثم فإن الدول التى يوجد بها مجتمع مدنى محدود أو ضعيف لم تجد شريكا محليا يستطيع أن يسهم فى الخروج من الأزمة، واعتمدت على إمكاناتها الحكومية فقط، وهى فى كثير من الأحيان لم تكن كافية للتعامل مع التحدى الكبير الذى مثلته الأزمة، والدول التى يوجد بها مجتمع مدنى نشيط استطاعت أن تجد شريكا فى إدارة الأزمة وتحمل أعبائها.

الدرس الرابع يتعلق بتقسيم السلطات وتوزيع الأدوار داخل الدولة، فالدولة التى تتبنى نظاما لامركزيا، وتعطى المحليات سلطات واسعة للتعامل مع الأزمات تستطيع العبور من الأزمة بشكل أفضل، باعتبار أن مثل هذه الأزمات تبدأ أولا فى النطاق المحلى، وعدم قدرة هذا المستوى على الاستجابة السريعة لبدايات الأزمة انتظارا للقرار المركزى القادم من العاصمة كثيرا ما يؤدى إلى تعميق الأزمة وانتشارها، فى حين أن تمكين السلطات المحلية و نقل السلطات إليها، وتجنيد أفضل الكوادر للعمل فيها يساعد فى الحد من تفاقم الأزمات وتراكمها.

درس آخر يتعلق بأهمية التعاون الدولى فى مواجهة مثل هذه الأزمات، فيجب ألا يكون لدى الدولة حرج فى طلب المساعدة سواء المادية أو الفنية من دول أخرى أو منظمات دولية فى إدارتها الأزمة. ففى مواجهة أزمات مثل الأوبئة والكوارث تكون حاجة الدولة للمساعدات الخارجية ضرورية، ويجب ألا تكون الاعتبارات القومية أو المشاعر الوطنية قيدا على السعى للتعاون الدولى فى إدارة مثل هذه الأزمات، خاصة تلك العابرة للحدود. وقد أوضحت أزمة كورونا الدور المهم الذى يمكن أن تلعبه المساعدات والتنسيق وتبادل الخبرات سواء مع دول أخرى أو مع منظمة الصحة العالمية فى الإدارة الأفضل لهذه الأزمة.

وأخيرا من المهم الإشارة إلى أن كلمة أزمة باللغة الصينية وعدد من اللغات الآسيوية الأخرى تعنى المخاطر، وفى الوقت نفسه تعنى الفرص، بمعنى أن أى أزمة يمكن أن تتحول إلى فرصة ليس فقط للخروج منها ولكن أيضا للتعلم من دروسها لمواجهة الأزمات المستقبلية. وقد أوضحت أزمة كورونا أهمية الفرص التى تتيحها الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعى، والمجتمع المدنى، والمؤسسات المحلية اللامركزية، والتعاون الدولى فى إدارة هذه الأزمة، والأزمات بشكل عام.


لمزيد من مقالات د. محمد كمال

رابط دائم: