رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

رحلة إلى الصعيد

تحرك بنا القطار فى موعده تمام الساعة الثامنة صباحا متجها إلى الأقصر غايتنا الوصول إلى مدينة طهطا لنشارك فى احتفال دينى، لم أصدق نفسى نظرت إلى الساعة، الموعد دقيق، يا إلهى هل هذا حلم، نعم كان حلما ثم أصبح واقعاً حقيقيا، القطار نظيف إلى أقصى ما يمكن، الهدوء والنظام، لا باعة تضايق الركاب، وخرج من القلب دعاء صعيدي: الله يعمر بيتك ياسعادة وزير النقل، أذن فى مقدورنا نحن أبناء مصر أن نغير وجه الحياة إلى الأفضل، عندما نجد الرجل المناسب فى المكان المناسب، تأمل أن فى مصر رجالاً أكفاء ونساء قديرات يمكن أن يغيروا مسيرتنا إلى رقى وحضارة، ظننت أن الأمر يحدث فى الدرجة الأولى المكيفة، ولكنى تأكدت أن الدرجة الثانية والثالثة، أصابها التغيير، لم تعد رمز الفقر والجهل والزحام الخانق والتنافس فى عنف، إنه وجه من وجوه الحياة أعاد صورة مصر إلى الدول المتحضرة.

ما أروع المشهد أمام أعيننا النيل على يميننا بأفرعه وترعه التى تغمر الأرض ينساب منذ آلاف السنين فى صمت شابت على أرضه الجبال ولم يزل ينشد الديار، أنظر غابات النخيل بعد الخروج من القاهرة وحتى محطة وصولنا، ما هذا الكم من النخيل، ما أجمل هذه الشجرة المنتصبة فى شموخ كأنها ترفع أزرعها حمداً وشكراً للخالق تتدلى منها عناقيد البلح، من رصها فى اتقان من أبدع جمالها، تمد إلى الأرض هذه الأزرع الحاملة للثمر وكأنها تنادى من يحتاج إلى التمر غذاء الأنبياء والحكماء، والأغنياء والفقراء، يكاد الأجداد يقدسون ثمرة البلح، فهم يحنطونها، ويحتفظون بها ذخيرة ثمينة للعام كله؟ هل جربت مثلى طعم البلح الصعيدى فى السمن البلدى فى سندوتش عيش شمسى، هل تعرف وزارة الزراعة كم نخلة فى مصر، ربما مليون، أو أكثر أو أقل، أليست هذه الثروة تحتاج إلى عناية ودراسة وتخطيط ومشهد الخضرة النضرة الممتد من شاطئ النيل والترع حتى حدود الجبل الغربى أليست هذه الأرض التى عاش عليها الأجداد من آلاف السنين، فما بالنا نسرقها ونطمس جمالها ونبنى عليها بيوتا، أليس هذا قتلا للمستقبل، يقول الفرنسيون عن فرنسا إن المسافر فى القطار من باريس إلى لورد أو بوردو عند الحدود الجنوبية الفرنسية يقولون إن فرنسا حديقة مفتوحة، وأنا أقول لهم تعالوا وأنظروا جنة أخرى فى مصر إذا اتجهت شمالا نحو الإسكندرية أو جنوبا نحو الصعيد تجد نفسك محاطا بخضرة نضرة وبسماء صافية فيها بهاء وأمن وسكينة، فهل يمكن أن نوقف أى بناء يستقطع جزءا من الأرض الخضراء إنها ليست ملكا لفرد، أو عائلة، بل هى ملك للمستقبل وأجياله.

نصل إلى طهطا ومنها إلى القرية المنشودة مسقط الرأس، عطر الماضى يلفنا، وطيف الآباء والأجداد والظاهرة الفريدة أن قبور المسلمين والمسيحيين فى موقع واحد، فإن فرقتهم الحياة فقد وحدهم الإيمان بالله والخلود، الظاهرة الواضحة هى كثرة عربات التوك توك, ياإلهى يشبهون الطيور الغربان التى تملأ القرى قال لى أحدهم إن فى مدينة طهطا وحدها آلاف من التوك توك، تسير فى كل اتجاه، وإلى كل نواحى المدينة، وإلى القرى المجاورة، هى مصدر رزق لآلاف العائلات، فهل لها قانون ينظم سيرها ويتحكم فى أنشطتها وتنسيق فيما بينها وبين الحكومة؟ استخدمنا سيارة أحد الأصدقاء، تشعر بالأمان، عمار يا مصر، حفظك الله يا بلدى، لا عوائق، لا كمائن، ولا حظر أو تهديد، كأن أرواحا طاهرة من الشهداء والأبرار ترفرف على القرى المسالمة المؤمنة والتى تقدم للوطن فلذات أكبادها ليكونوا حراسا للوطن صدق حافظ إبراهيم: عناية الله جندى.

ها هى قريتنا الحبيبة، مصرنا الصغيرة، هنا يرقد الآباء والأجداد هنا ناس تخطوا المائة سنة من العمر، هنا كان شباب رحل وهاجر إلى بلاد الله الواسعة طلباً لرزق أوفر، قريتنا فيها التيار الكهربائى وفيها مرفق المياه، ينقصها المرفق الصحى قيل لنا سينشأ فى خطة العام القادم، فى قريتنا جامعان واحد بنى من عشرات السنين بجوار بيت العمدة قبل أن يأتى إلى القرية ضابط ومعه بضع من رجال الشرطة، كنقطة أمن، والجامع الثانى بنى من سنوات قليلة بعد ان امتد العمران حتى سفح الجبل الغربى واكتظت المنطقة بالسكان، لا أخفى مشاعرى لقد اختفى بهاء القرية فى مساحتها التى ازدحمت بالبناء، وضاع جمال الصحراء ملعبنا، والمكان المفضل لإقامة صلاة العيد بعد رمضان، لم يعد للجبل هيبته وجلاله وكان موطنا بمغارته للثعالب، نجرى وراءها دون أن نلحقها، تلتقط أحياناً بعض الدجاجات التى ضلت طريقها للبيت، أصابت الجبل جرافات تنحت من قلبه الحجارة، تبدل حال القرية فأصبحت ليست مدينة وليست قرية، إن الجهد الخارق الذى يبذله الرئيس لنهضة مصر، واضح جلى، حركة البناء والتطوير والتجديد لمست كل موقع فى مصر إننا نعيش بلا شك عصرا ذهبيا يستحق من كل إنسان على الأرض الطيبة أن يسهم فيه، أن النهضة الأوروبية التى تفجرت منذ القرن الخامس عشر لم تصنعها الحكومات وحدها، بل أسهم فيها رجال المال والأعمال، والأمم تتقدم بشعبها وليس فقط بحكوماتها، لماذا لا يتبنى أثرياء مصر وهم كثر حركة نهضة فى قراهم التى ولدوا فيها، هل يمكن تخيل فصلٍ فيه سبعون تلميذا هكذا قال الولد الصغير ابن التاجر الذى كان بجوارى، أيصعب على أبناء مصر المساهمة ببناء مدارس، وقد علمت أن أحد الأشخاص تبرع ببناء مدرسة فى قريتنا القطنة فهو من أهلها ولعل أمثاله كثيرون.

مصر فى عصر نهضة فى يقظة تاريخية فى تحول جذرى فى مختلف نواحى الحياة، هل ننسى فضل الأميرة ابنة الخديو التى تبرعت بحليها لبناء جامعة القاهرة، إن مصر أمامها عقبتان أساسيتان:

أولاهما: تزايد السكان، التاجر الذى صحبته فى السفر لم يتجاوز الستين وله تسعة من الأبناء والبنات، أحد خفراء المنازل فى ضاحية من ضواحى مدينة نصر له ثمانية، وأمثال ذلك كثيرون، هل تزايد السكان من مصلحة مستقبل مصر، أم أنه عائق لنهضتها، فلنتعلم من الطبيعة وهى الكتاب المقدس لكل البشر، شجرة المانجو، أو الليمون أو البرتقال تطرح فى موسمها آلاف البذور، ثم يتساقط بعضها لتترك للبعض الآخر أن ينمو وينضج, من الطبيعة نتعلم.

ثانية العقبات: نهضة التعليم، من ينكر جهود السيد الوزير، ومتابعته لمناهج التعليم ورغبته الصادقة فى تطويره؟ ولكن هل تعلم سيدى الوزير أن فى بعض القرى مدارس تكدس فى الفصل سبعين تلميذا، بل أشار أحد الأصدقاء إلى أن الأمر يحدث فى القاهرة، هل تتخيل سيدى الوزير أن حال المدرس أمام سبعين تلميذا، من الثلاثينيات ودعوة طه حسين ابن مصر البار بأن التعليم كالماء والهواء حق من حقوق الحياة وبعد أكثر من سبعين عاما مازالت نسبة الأمية تجسد ألما فى كيان الأمة.

أقول بأمانة وثقة إن الحكومة وحدها لا تقدر على صناعة نهضة شاملة حقيقية إلا بمساهمة جادة صادقة من أبناء هذا الوطن الرائع الذى نعيش فيه .


لمزيد من مقالات د. الأنبا يوحنا قلته

رابط دائم: