رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عقبات على طريق التنوير

تبدو الأدمغة محشوة بالكلام، مستلبة تجاه الإنشاء الغامض، تقرأ تراثا لا يخصها، ولا يشكل جزءا من عالمها الراهن، فيبدو القديم بهيمنته الروحية وظلاله النفسية مسيطرا على المجموع، وتعتقد الجماهير أن العودة إلى الماضى تحمل النجاة والأمل والفوز المبين، ولا يتوقف أحد أمام هذا الماضى وتأثيراته الفعلية فى حركة الحياة، ولا كيف يمكن لزمن انقضى أثره أن يتحكم فى الزمن الراهن، وأن يحدد ملامح المستقبل ويديره من وراء ستار يمتد عشرات القرون، اتسعت فيها دائرة العالم والأشياء، واختلفت الحياة ذاتها وتبدلت، وصار الإنسان ابنا لروح جديدة، وعالم جديد نسبى الطابع، ومتغير باستمرار. وحين تهيمن التصورات القديمة على العقل العام، فإنها تشكل حالا من الامتثال للماضى، والخضوع لأفكاره حتى لو كانت مضادة للعقل وصالح الناس وسعادتهم ورغبتهم فى العيش فى واقع أكثر جمالا وإنسانية. ويشكل الخضوع للماضى عقبة مركزية فى طريق التنوير، ويبدأ العقل العام فى الركون وتغليب الاستنامة، بل ومناهضة التفكير، والامتثال المطلق لكل ما يقوله التراث الفقهى، وما يصدر عن الماضى من ظلال تشق طريقها فى الواقع الاجتماعى، فتحيله إلى واقع تابع للقرون الغابرة، معتقدا دائما بأنها الأفضل، ويصبح القياس عليها هو القياس المعتمد لدى الناس، ومن هنا تحدث المفارقة من زاويتين، ففى الزاوية الأولى، تصبح القرون الماضية التى هى خير وأبقى بحسب المعنى الذى يتم تسييده، هى الغاية المنشودة والأمل المعقود، ولذا فلا حاجة للجديد الذى مهما يصنع لن يصل للقديم، وسيظل الراهن مشدودا للماضى دائما، الذى يعد حجة عليه، وأملا يبتغيه. وفى الزاوية الثانية تصبح تلك القرون الأولى وفق هذا المعنى هى المعيار الوحيد للحكم على كل شيء، ومن ثم يكون الحاضر والمستقبل متطفلين على متن الماضى، ومقصرين دائما، ومشغولين بالبدع المستحدثة والضلالات! وكانت هذه الفكرة أساسا نظريا اعتمد عليه منظرو التطرف والإرهاب فيما بعد، حين أشاروا إلى جاهلية القرن العشرين، وهى الفكرة التى روج لها سيد قطب كثيرا، وباتت أساسا للتشدد الدينى، وتكفير المجتمع، ومن ثم استحلاله. وأصبحت ذهنية التكفير والاستحلال عقبة جديدة فى طريق التنوير، الذى يعنى الدفاع الخالص عن العقلانية، وإشاعة التأمل والتساؤل والتفكير، ليجد نفسه مواجها بسيف التكفير، وبعنف لا نهائى، وطاقة من العدوان اللفظى والمادى، تمتد من التشويه المعنوى إلى القتل بدم بارد، حيث ترتبط ذهنية التكفير بالاستحلال، فأنت مستباح دائما مادمت مغايرا فى العقيدة والتصور والأيديولوجيا التى تضيق كثيرا لدى الجماعات المتطرفة لتصبح أيديولوجيا الجماعة وتصوراتها التى تخصها، وتريد تعميمها على الواقع، بالقسوة تارة، وبنعومة خادعة تارة أخرى، توظيفا لمنهج التقية الذى تتبناه الجماعة لاختراق المؤسسات والمواقع المختلفة.

سيجد التنوير نفسه إذن محاصرا بعشرات الأفكار الناتجة عن ذهنية الاستنامة، والخضوع للماضى، والقتل والتكفير والاستحلال المادى والمعنوى، ولذا فعلى كل المفكرين الحقيقيين المشغولين بقضية التنوير انشغالا جادا وعميقا، أن يحددوا قضيتهم الأساسية، ألا وهى العقل، والتفكير النقدى، والانحياز بلا مواربة إلى قيم التقدم والتسامح، ولابد من مغادرة السياقات الجاهزة والطرق القديمة فى فهم العالم، والبناء على التصورات المعدة سلفا فى فهم مسارات التنوير العربى ذاته، وتماساته أو اختلافاته مع التنوير الأوروبى، ويجب أن تطرح الأسئلة بجسارة أكبر، وبوعى أشد، وبمسئولية وطنية أكثر رسوخا، تأخذ فى اعتبارها فى الحالة المصرية مثلا التراكم الهوياتى للأمة المصرية وجذورها الحضارية المختلفة والمتعددة. ويجب أيضا مراجعة إرث التنوير العربى، والوقوف أمام التكريس لبعض الأسماء، وإقصاء البعض الآخر، كاستبعاد البعض للمفكر المصرى سلامة موسى مثلا، أو محاولة البعض تهميش المفكر التنويرى الأبرز طه حسين لصالح التقديم المستمر لاسم الشيخ الجليل محمد عبده، وسنرى ظلالا أخرى لمشكلة حركة التنوير ذاتها حين تلتف على فكرة العقل الخالص، والانحياز الواضح إلى القيم الطليعية التى تزاوج بين الأصيل والفريد، إلى أن تتحول إلى محاولة التلفيق بين المتناقضات تحت وهم التوفيق والائتلاف بين الأضداد، وهناك تيار من الملتحقين بالتنوير أراد أن يصنع ذلك التلفيق المراوغ، فكانت كتاباته فى اللحظة الراهنة، بينما عقله وجوهر كتاباته ينتمى إلى الماضى البعيد. يعمق التنوير من معنى المساءلة والمراجعة المستمرة للأفكار والرؤى والتصورات، ويجعل كل شيء خاضعا للتأويل والنظر المتعدد، ومن ثم يصبح التنوير قرينا للوعى الممكن القادر على الاستشراف والتخطى والمجاوزة، ويصبح تحرير الوعى الإنسانى غاية أصيلة من غاياته، حيث يفكر الناس بأنفسهم دونما وسيط، وحيث يكون الإنسان الفرد محورا للتنوير، متسقا مع مبدأ التنوير الساحر النبيل.. كن شجاعا وحرا واستخدم عقلك بنفسك.


لمزيد من مقالات د. يسرى عبد الله

رابط دائم: