رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الخيارات الفلسطينية

دخلت القضية الفلسطينية منعطفا جديدا بعد صدور الخطة الأمريكية للسلام فى الشرق الأوسط والمنعطف هو حالة ليست جديدة فى تاريخ الفلسطينيين يكون فيها عليهم اتخاذ قرارات صعبة يكون أولها عادة هى مدى الاستعداد للتعاطى مع المبادرة الجديدة. تاريخيا، وباستثناء مفاوضات أوسلو، فإن القيادة الفلسطينية، بتأييد من شعبها دأبت على رفض الاشتباك مع الواقع الذى يكون جديدا ساعة صدور الوثيقة.

وفى الحقيقة فإنه لا يوجد خلاف بين معظم الدارسين والمحللين على أن المبادرة الأمريكية تخالف. 

أولا القواعد العامة للقانون الدولي, وثانيا القرارات الصادرة من قبل المنظمات الدولية بخصوص القضية الفلسطينية, وثالثا أنها تعتبر فى كثير من أوجهها مخالفة لاتفاقيات أوسلو وسابق المفاوضات الإسرائيلية التى جرت فى كامب ديفيد، وتفاهمات كلينتون، وحتى المفاوضات التى جرت بين محمود عباس رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية مع يهودا أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلى السابق, ورابعا أنها تضم مناطق فلسطينية جديدة لدولة إسرائيل والتى أقيمت فيها المستوطنات غيرالشرعية، وكذلك منطقة غور الأردن على الحدود الأردنية الفلسطينية. وهى المناطق التى كانت موجودة ضمن المنطقة (C) فى اتفاقية أوسلو.

ورغم كل هذه المخالفات فإن صدور المبادرة الأمريكية تعتبر فى حد ذاتها واقعا لابد من التعامل معه، حيث إنها تأتى فى ظروف خاصة للرئيس الأمريكى ودخوله فى الانتخابات الرئاسية فى نوفمبر المقبل، حيث المرجح إلى حد كبير أنه سوف يظفر فيها بأربع سنوات إضافية يسعى فيها إلى دخول التاريخ من أكثر من بوابة اتساعا: العودة إلى مفاوضات الأسلحة النووية مرة أخرى مع إيران, وتحقيق نزع السلاح النووى عن كوريا الشمالية؛ وسحب القوات الأمريكية من الشرق الأوسط دون خلل ينجم عنه سيطرة قوى دولية أخري، وتحقيق السلام الإسرائيلى الفلسطينى فى ظل توازن للقوى كاسح لمصلحة إسرائيل.

ورغم كل ما يعترى المبادرة من عوار وانحياز لإسرائيل، فإنها من ناحية حافظت على عدد من القواعد التى سبق الاتفاق عليها، كما أنها اعتمدت عددا من الأفكار التى كانت ذائعة ومتوافقا عليها ضمنيا على الأقل.

فالمبادرة أولا تقر بقيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح وواقعة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط ولكنها تحتوى على قوة أمنية تحافظ على الاستقرار الداخلي, وهذه سوف تشكل أول سابقة لخريطة تحدد الحدود الإسرائيلية والفلسطينية بشكل معترف به من قبل إسرائيل والمجتمع الدولي.

وثانيا أن هذه الدولة سوف تكون مساحتها تماثل مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة، وكلاهما يمثل 6000 كم مربع تقريبا، وفيها لن تقيم إسرائيل مستوطنات جديدة، ومن ثم تصل إسرائيل إلى حدها الأقصى فى التوسع.

وثالثا أنه سوف تجرى عملية لتبادل الأراضى مع تلك التى سوف تضمها إسرائيل مقتطعة من جنوب النقب على الحدود الإسرائيلية المصرية الحالية.

ورابعا أن هناك حرصا على وجود تواصل بين المناطق الفلسطينية المختلفة سواء كان ذلك تواصلا جغرافيا أو من خلال الأنفاق أو الجسور بما فيها قطاع غزة وأراضى النقب.

وخامسا أن هذا التواصل سوف يعطى الدولة الفلسطينية إطلالة من خلال قطاع غزة على البحر الأبيض المتوسط، وما هو متوافر من غاز فى المنطقة الاقتصادية الملاصقة لها.

وسادسا أن المبادرة تطلب من الفلسطينيين التخلص من ازدواجية السلطة الأمنية أى من حماس والتنظيمات المسلحة الأخرى باعتبار ذلك شرطا من شروط الدولة، وهى المسألة التى تدعم وجود واستقلال الدولة فى المجتمع الدولي. وثامنا أن الكيان الفلسطينى الجديد سوف يدعم باستثمارات قدرها 50 مليار دولار عند حسن استخدامها تقف الدولة على أقدامها. وسابعا أن المبادرة تتبنى عددا من الأفكار التى كانت متداولة فى السابق ومنها إقامة القدس عاصمة الدولة الفلسطينية فى قرية أبوديس الملاصقة للقدس مع قرى أخرى قريبة.

ومنها أيضا الموقف من اللاجئين الفلسطينيين الذى باتت لديهم خيارات مطروحة وهى العودة إلى الدولة الفلسطينية، أو التوطين حيث يقيمون، أو اللجوء إلى دول أخرى تقبلهم. يدخل الفلسطينيون المنعطف الجديد خلال مسعاهم نحو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وهم فى أسوأ أحوالهم الداخلية من حيث الانقسام، والتخلى عن واحد من أهم شروط الدولة وهو الاحتكار المشروع للقوة المسلحة. الخيار الأول لدى الفلسطينيين هو تحقيق الوحدة الوطنية بين السلطة الوطنية الفلسطينية فى رام الله، وسلطة حماس فى غزة. هذا الخيار إذا ما تحقق يوفر لهم وضعا دبلوماسيا أكثر قوة مما هم عليه الآن فى السعى نحو المنظمات الدولية المختلفة لتعزيز الرفض للمبادرة الأمريكية. الخيار الثانى له طبيعة عسكرية حيث يستأنف النضال الفلسطينى المسلح كما كان الحال قبل توقيع اتفاقيات أوسلو.

السلطة الوطنية الفلسطينية لها وجهة نظر مختلفة تنبع من التحليل لتوازنات القوى العسكرية القائمة، ومن ثم فإنها تتحسب لما سوف يقع على الفلسطينيين من أوضاع صعبة عرفت بعضا منها خلال فترات الحصار المختلفة. الخيار الثالث هو العودة مرة أخرى إلى الانتفاضة كما حدثت من قبل، وفى هذه الحالة فإن بعضا من الفصائل الفلسطينية سوف يفضلها سلمية من أجل جذب تعاطف العالم؛ أما آخرون فسوف ينزعون إلى العنف مما سوف يعيد سلطة الاحتلال الإسرائيلية المباشرة مرة أخري.

الخيار الرابع هو المقاومة السلمية والعصيان المدنى المستمدان من تقاليد غاندى ومارتن لوثر كينج. الخيار الخامس يأخذ منحى مختلفا تكون فيه المبادرة الأمريكية قائمة أعمال للمفاوضات، وليس خطة للتنفيذ، وفيه يكون تشجيع الموقف الأمريكى الذى صرح به جاريد كوشنر والذى دعا فيه إسرائيل إلى عدم الاستعجال فى اتخاذ إجراءات فرض السيادة على المستوطنات وغور الأردن مع تأكيد أن السلام هو الضمانة الأساسية لأمن إسرائيل، بل أن ذلك يكون مع إيقاف بناء المستوطنات شرطا من شروط استئناف المفاوضات التى تحتوى على أطراف أخرى من الدول العربية وروسيا وباختصار العودة إلى نوع من صيغة مدريد التى تكفل رعاية دولية للمفاوضات ــ فلا تتوغل إسرائيل كثيرا على الحقوق الفلسطينية، وفى الوقت نفسه تبقى للولايات المتحدة ميزة سياسية.


لمزيد من مقالات د. عبد المنعم سعيد

رابط دائم: