رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

طلعت حرب.. الاقتصادى

فى مقاله المعنون: الاقتصادى ورجل الاعمال والسياسي, أشار د. احمد جلال إلى أن البعض يخلط بين رجل الاعمال الاقتصادي، فالثانى يعمل على تعظيم ثروات الأمم وعدالة توزيعها، وذلك عن طريق طرح سياسات وأطر مؤسسية وبدائل مختلفة، أما رجل الأعمال فيعمل على تعظيم ثروته. وبالتالى من الخطأ اعتبار طلعت حرب رجل اقتصاد، والحقيقة أنه كان رجل أعمال بالغ الجرأة والشجاعة والوطنية, لكنه لم يكن .اقتصاديا، ولا كان صانعا للسياسيات التى تيسر أحوال البلاد والعباد.

وهذه الرؤية رغم وجاهتها فإنها تظلم الرجل كثيرا، وتحتاج للمزيد من النقاش. فمع تسليمنا الكامل بأهمية التفرقة بين الاقتصادى ورجل الاعمال، إلا اننا لا يمكن ان نعتبر طلعت حرب مجرد رجل أعمال وفقط.، بل نرى انه كان مفكرا اقتصاديا من طراز رفيع، فى ظل العصر الذى عاش فيه، بل ووفقا لتعريف د. احمد نفسه، إذ وكما ذكر د.إبراهيم شحاتة ــ إن نموذج طلعت حرب كان يؤكد دوما ان الثروة الفردية إذا لم تتحول فى الوقت ذاته الى ثروة عمومية، فلن ينجح قطاع الأعمال الخاص فى ان ينهض بمهامه وتحقيق تنمية اقتصادية والرخاء لمجمل أفراد المجتمع. فالمفكر الاقتصادى يقوم باستقراء مشكلات الواقع المعاش ويطرح الأفكار والتصورات التى تحقق ما يراه مناسبا لتقدم البلاد، مستخدما فى ذلك أدوات التحليل الاقتصادى فى توصيف المشكلة وآليات التصدى لها، متسلحا بالرؤية التاريخية، ويرى العلاقة الجدلية والتفاعلات الجارية بين الظواهر والاشياء فى صيرورتها وتفاعلاتها وتداعياتها قصيرة الأجل. والطويلة الاجل. لذلك فهو مثله مثل غيره من علماء العلوم الاجتماعية، أسير النشأة والبيئة الاجتماعية والسياسية القائمة، مع تسليمنا الكامل بوجود أدوات ونماذج للتحليل الاقتصادى لاتخرج عن كونها تمارين ذهنية لا علاقة لها بالواقع المعاش، كما ذكر ذلك وبحق د.محمود عبد الفضيل فى كتابه المهم: فى نقد التحليل الاقتصادى المعاصر، وأكد فيه ان هذه الأمور تقوم على فرضيات نظرية عالية التجريد تهدف للتوصل الى بعض الحلول التوازنية ولاتلعب أى دور فى ترشيد السياسة الاقتصادية.

انطلاقا من هذه الرؤية نرى ان طلعت حرب ينتمى الى ماسماه صبحى وحيدة فى كتابه عن أصول المسألة المصرية, أصحاب الفكر التنويري، الذى قام على التأليف والتركيب بين العناصر الحية فى التراث وبين الأفكار الحديثة والتنويرية القادمة من الغرب، وذلك دون إفراط او تفريط، حيث اتسمت الفترة التى عاش فيها باضطراب فكرى شديد، يعود الى المخاض الانتقالى للمجتمع المصرى خلالها، وكان يحتاج الى مراجعة فكرية شاملة تتجاوز بكثير دائرة القضايا الاقتصادية الضيقة الى منظور أوسع يتجاوز اللحظة الراهنة متسلحا بالرؤية التاريخية، خاصة ان الاقتصاد المصرى كان قد فقد استقلاليته التى تحققت على مدى النصف الأول من القرن التاسع عشر، بعد اعلان افلاس البلاد فى أبريل 1876 بسبب ديون إسماعيل وانشأ صندوق الدين، ووضعت البلاد تحت السيطرة الاستعمارية، وتم إدماجه فى الاقتصاد العالمى كاقتصاد تابع، وتدفق تيار عارم من التدخل الأجنبى لتحقيق الهيمنة على السوق المصرية والسيطرة على التجارة والنشاط المصرفي، وتماشيا مع هذه السياسة كان من الطبيعى ألا تستغل هذه الأموال فى الصناعة، بل استغلت فى مشروعات ربوية او لمنافع عامة لخدمة الاستعمار البريطاني، ولهذا تم رفض النص فى الدستور على المادة التى تخول لمجلس النواب حق تقرير الميزانية والرقابة على أعمال الحكومة والتزامها بعدم فرض أى ضرائب إلا بعد تصديق المجلس. ولم يكن طلعت حرب بعيدا عن هذه المسألة فكتب العديد من المقالات بالصحف المصرية التى تعالج القضايا الاقتصادية والاجتماعية على السواء وكان كتابه علاج مصر الاقتصادى ومشروع بنك المصريين أو بنك الأمة, الذى نشر عام2013 بمثابة التأصيل العلمى لأهمية المشروع للاقتصاد الوطني، كما ذكر ذلك وبحق د. رءوف عباس فى تقديمه لهذا العمل المهم. وكان يرى انه لكى يتم الاستقلال السياسى لابد ان تتوافر للوطن إمكانات التحرر الاقتصادى التى ترسى دعائم اقتصادية وطنية يستطيع الوطن ان يواجه بها الاحتياجات التى سوف يجتازها فى مراحل نضاله ضد الاستعمار. ولهذا كانت اول أعماله تاريخ دول العرب والإسلام, الذى صدرت طبعته الاولى عام 1897 وفيه حاول استنباط العديد من الاستنتاجات عن الأسباب التى أدت الى ضعف الدول او تأخرها وغير ذلك، والمقارنة التاريخية بين أحوال تلك الدول والأحوال الحاضرة، وكذلك من اهم إسهاماته كتاب قناة السويس والتى صدرت طبعته الاولى عام عندما ظهرت الدعوة لمد فترة امتياز قناة السويس أربعين عاما تبدأ من عام 1968 وتنتهى عام 2008، وتضمن دراسة اقتصادية شاملة تؤكد خطورة هذه المسألة على الاقتصاد المصرى وأوضح بالتحليل الاقتصادى للبيانات والإحصاءات ان المصلحة فى المد لشركة القناة وليست لمصر.

كما يعد طلعت حرب وبحق مؤسس النهضة الصناعية بالبلاد فتأسيس بنك مصر فى 13 أبريل 1920 لم يكن يهدف الى ان يكون بنكا تجاريا فحسب بل كان انشاء كيان قوى يعد كشركة قابضة للمؤسسات المصرية، وان يكون القوة المحركة لقطاع صناعى حديث، ولهذا أنشأ مجموعة من الشركات فى مجالات عديدة كالغزل والنسيج والنقل والتأمين والسينما. الخ. ويرتبط بذلك إصلاح الخلل الذى أصاب التوازن الاقتصادى بالبلاد، فكان الاهتمام بالتصنيع الذى يهدف الى تحقيق النمو الاقتصادى عن طريق الاستغلال الأمثل لثروات البلاد المادية والبشرية، وتوفير حصيلة الصادرات لشراء السلع الرأسمالية، بدلا من تبديدها فى شراء المواد المصنوعة والكمالية، إضافة إلى ذلك ساعدت هذه المشروعات فى تكوين رأس المال المصرى عن طريق احتجاز الأرباح داخل البلاد وفى ايدى المصريين بدلا من تسربها الى ايدى الأجانب خارج البلاد، كما طالب بضرورة انفصال النظام النقدى المصرى عن البريطانى وتحرره من التبعية للجنيه الإسترليني، وحماية الصناعة الوطنية عن طريق التعريفة الجمركية وحماية الثروة العقارية والحد من الاستيراد لإصلاح الخلل فى الميزان التجارى، الى غير ذلك من الإصلاحات التى طالب بها. كل هذه الاعمال وغيرها تؤكد أن طلعت حرب كان من طليعة الاقتصاديين المصريين، بالإضافة الى كونه رجل اعمال.


لمزيد من مقالات عبد الفتاح الجبالى

رابط دائم: