رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عن التجديد والمجددين

حين نتحدث عن تجديد الفكر الدينى يتوهم الكثيرون أننا نتحدث عن شيء جديد لم تكن له سابقة أو عن بدعة تدخل فى الدين ما لا يتفق معه، لأننا تلقينا الدين كاملا فيه لكل قضية حكم ولكل سؤال جواب. وما علينا إلا أن نحسن قراءة ما تلقيناه ونسأل أهل الذكر الذين يستطيعون أن يصلوا إلى ما لا نستطيع الوصول إليه. فإذا كان المقصود بتجديد الفكر الدينى هو إحياء التراث القديم الذى لم نعد نعرفه معرفة مباشرة وإنما نكتفى بتقليد من عرفوه فى عصوره الأولى فلا بأس بهذه العودة، أما أن نغير أو نعدل أو نضيف فهذه هى البدعة التى نعرف أنها ضلالة وكل ضلالة فى النار.

غير أن تجديد الفكر الدينى ليس حادثا جديدا وليس بدعة، وإنما هو الأصل الذى قام به الإسلام وانتشر وأصبح عقيدة وشريعة وحياة نحياها. وإلا فالإسلام لم يقم مرة واحدة ولم يكتمل فى يوم وليلة، وإنما كان أسئلة تطرح، واجتهادات تتوالي، وإجابات تتعدد وتتجدد، لأن الحياة تتطور وتتغير وتبحث فى الإسلام عما يلائمها ويتجاوب معها ويلبى حاجاتها ويصحح مساراتها، فتجده بنصه فى القرآن والحديث، أو تهتدى إليه بالعقل الذى يحثنا القرآن على أن نعود إليه، ويقول لنا «أفلا تعقلون؟!»، ليس مرة واحدة، بل مرات ومرات يدعونا فى كل منها لأن نرجع للعقل ونلجأ إليه ونسأله الهداية ونبحث عن الصواب. فالعقل فى الإسلام مرجع نعرف به الحق حتى فى وجود النص الدينى الذى نحتاج فى فهمه لأعمال العقل واستشارته، لأن النص الدينى يضع المبدأ ويعين المقصد ويترك للعقل أن يلتزم به ويحكم بموجبه فى ضوء الظروف التى تختلف وتتعدد فتتعدد معها الأحكام وتختلف. ونحن إذن فى حاجة دائمة لأن نحتكم لعقولنا ونجتهد أيا كان ما نملكه من التجارب والخبرات التى تركها لنا من سبقونا. نعم، نبدأ من هذا التراث ونستوعبه وننقل عنه ونلم بما كان وراءه من دواع ومؤثرات ثم نحتكم فى النهاية لعقولنا نعرض عليها ما نطلب الحكم فيه.

لكن الاحتكام للعقل ليس متاحا لنا دائما، لأن الحياة تستعجلنا، ولأننا نعيش فى مجتمع يتأثر فيه كل فرد من أفراده بغيره ويسعى لأن يتوافق معه ويشعر بالأمان حين يرى أن الثقافة التى ينتمى لها هى الثقافة التى ينتمى لها جاره وأن القيم والعقائد والقوانين التى يلتزم بها يلتزم بها الجميع. وفى ظل هذا الاتفاق الذى تحافظ عليه المؤسسات السياسية والاجتماعية والثقافية المختلفة يكون النقل عن السابقين عملا مقبولا، ويصبح التقليد طريقا ميسرا يوفر الوقت والجهد ويضمن دوام الاتفاق. لكن الاعتماد على النقل وحده استسهال يؤدى إلى الابتعاد عن الأصول التى يفقد المقلدون علاقتهم بجوهرها الحى الملهم ويكتفون بما يستطيعون تقليده من أشكالها ومظاهرها. وهنا تصبح الحاجة ماسة للتجديد الذى يفرض على المجددين أن يعودوا لهذه الأصول ليجددوا علاقتهم بها ويستلهموها ويكشفوا فيها عن إجابات جديدة يحتاج لها الواقع الذى تغير عما كان عليه فى الماضى الذى ظهرت فيه هذه الأصول.

والإسلام بطبيعته وبحكم رسالته لابد أن يكون مذاهب مختلفة واجتهادات لا تتوقف. لأن الإسلام لكل البشر، أى لكل زمان ولكل مكان. والأمكنة تتعدد، والأزمنة تتجدد، فلابد أن تتعددد المذاهب وتتجدد الآراء والأفكار. وهذا هو الذى حدث بالفعل، والأمثلة أكثر من أن تحصي. يكفى هنا أن نتذكر ما صنعه الإمام الشافعى حين انتقل من العراق ليقيم فى مصر فيجد بيئة أخرى مختلفة عن البيئة التى وضع فيها مذهبه فى العراق تفرض عليه أن يراجع ما وضعه ويصنفه من جديد على نحو يصبح به الجديد بالنسبة إلى القديم كالناسخ له والقديم بمنزلة المنسوخ كما يقول الأستاذ أمين الخولى فيما ذكره عن الشافعى فى كتابه «المجددون فى الإسلام». وهو ينهى هذه الفقرة التى تحدث فيها عن تطور الشافعى العقلى والفقهى بقوله إنه فى مصر جاء بالتأويل والرأي، وأن الإمام أحمد بن حنبل كان إذا سئل عن رأيه فى كتب الشافعى التى كتبها فى العراق أهى أحب إليه أو التى فى مصر؟ فيقول: عليك بالكتب التى وضعها بمصر فإنه وضع هذه الكتب بالعراق ولم يحكمها، ثم رجع إلى مصر فأحكم ذلك.

فإذا كانت فى الإسلام أصول ثابتة لا تتغير لأنها عقائد وأركان يقوم عليها بناؤه فالفروع قابلة لأن تتجدد وتتطور. بل هى تطالبنا بأن نجددها ونطورها، لأنها بذلك تؤدى وظيفتها وتمكن الأصول من أن تترسخ وتستقر.

ونحن فى كل حال نحتاج لمراجعة أنفسنا لنعرف ما يجب أن نعرفه بأنفسنا معرفة مباشرة نجدد بها ديننا، وهذا هو ما نجده فى حديث الرسول الكريم «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها».

هذا الحديث الشريف كان معروفا منذ بدايات التاريخ الهجري، لكنه أصبح مطروحا للتفكير والتفسير خلال القرون الستة الأخيرة حين أحس المسلمون بأنهم ابتعدوا عن ينابيع الإسلام الأولى وفقدوا الكثير مما حققوه، وأصبحوا فى أشد الحاجة لتجديد فكرهم الديني. هنا عادوا إلى حديث الرسول يراجعون فى ضوئه ماضيهم ويقرأون مستقبلهم كما فعل العلامة، جلال الدين السيوطى الذى عاش فى القرن العاشر الهجري، الخامس عشر الميلادي، فى كتابه «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة». وفيه يتحدث عمن ظهروا من المجددين المجتهدين فى القرون العشرة التى عاش فى آخرها ومنهم الخليفة الأموى عمر بن عبدالعزيز، والإمام الشافعي، والفقيه ابن سريج ، وأبوالحسن الأشعري.. وقبل السيوطى ألف الحافظ بن حجر كتابه «الفوائد الجمة فى من يجدد الدين لهذه الأمة». وبعد السيوطى جاء من واصل عمله وهو المراغى الجرجاوى فى منظومة سماها «بغية المقتدين ومنحة المجدين على تحفة المهتدين».

تجديد الفكر الدينى إذن تراث حافل يجب أن نعود إليه ويجب أن نواصله.


لمزيد من مقالات بقلم ــ أحمد عبدالمعطى حجازى

رابط دائم: