رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لماذا تفشل ديمقراطياتنا؟

أزعم أن الديمقراطية لها ست أخوات. هناك الديمقراطية الليبرالية الراسخة المستقرة ولها عناصر ستة، إن غاب واحد منها انحرفت لإحدى أخواتها. وهذا الانحراف يعنى خطوة أو أكثر نحو التسلطية. وهذه العناصر هى:

1ــ حق التصويت مكفول للجميع بغض النظر عن النوع والعرق والدين، وإن شاب هذه الخصيصة عيب صارت ديمقراطية انتقائية وهو ما يسمى شرط الشمول (Comprehensiveness condition) وكان المثال على ذلك الولايات المتحدة حتى عام 1920 ثم 1965 وسويسرا حتى عام 1971 وكانتا منعتا المرأة من المشاركة فى الانتخابات وبعض الأقليات الأخرى.

2ــ منافسة مكفولة لكل القوى السياسية التى تحترم قواعد اللعبة الديمقراطية، وإن شاب هذه الخصيصة عيب صارت ديمقراطية غير تنافسية وهو ما يسمى شرط التنافس (Competition condition) وعلى هذا فإن منع العلمانيين مثلا من الدخول فى السباق من أجل مقاعد البرلمان فى إيران أو السودان فى عهد البشير ينال من شرط التنافسية.

3ــ احترام للحقوق المدنية، وإلا تتحول إلى ديمقراطية غير ليبرالية أو ما يسمى شرط الليبرالية (Liberalism condition) وهو مثال نظامى الحكم العنصرى فى جنوب أفريقيا وناميبيا حيث كانت تجرى انتخابات حرة ونزيهة وتداول سلمى للسلطة بين البيض فى ظل غياب واضح للحقوق والحريات المدنية لقطاع واسع من المواطنين الأفارقة.

4ــ وجود تعدد لمراكز صنع القرار بما يتضمنه هذا من مساءلة ومسئوليات متوازنة، وإلا تحولت إلى ديمقراطية انتخابية فقط وهو ما يسمى شرط المساءلة (Accountability condition) والمثال على ذلك روسيا الاتحادية تحت ظل الرئيسين يلتسين وبوتين حيث تجرى انتخابات فيها درجة واضحة من التنافس بيد أنها لم تضع أيا منهما تحت مسئولية حقيقية أمام البرلمان أو حتى العودة إليه فى كثير من القرارات.

5ــ قبول جميع القوى السياسية لقواعد اللعبة الديمقراطية بغض النظر عن نتائجها وإلا تحولت إلى ديمقراطية غير مستقرة وهو شرط الاستدامة (Sustainability condition) فالتاريخ شهد عددا من القوى السياسية التى وصلت إلى سدة الحكم فى انتخابات حرة نزيهة أو بوعود بإقامة نظم ديمقراطية لكنها لم تف بوعودها مثل هتلر فى ألمانيا النازية أو جبهة الإنقاذ فى الجزائر أو نظام حكم مشرف فى باكستان؛ فمع انتفاء شرط الاستدامة تنتفى قدرة الديمقراطية على إنتاج آثارها الإيجابية.

6ــ المصدر الوحيد للشرعية هو أصوات الناخبين ولا يقبل المواطنون بغير أصواتهم الحرة مصدرا لشرعية من يحكمهم ولا بد من العودة إليهم لتجديد هذه الشرعية أو تغييرها وإلا تحولت إلى (ديمقراطية نخبوية أو ديمقراطية بلا ديمقراطيين)وهو ما يسمى شرط الثقافة الديمقراطية (Democratic Culture condition) فالتاريخ يشهد بالعديد من حالات التراجع عن الديمقراطية بعد إقرارها لمصلحة نخب عسكرية تتبنى شعارات شعبوية مثل سوريا والعراق عقب الحقبتين الليبراليتين تحت الاحتلال والأرجنتين والبرازيل فى السبعينيات وحتى منتصف الثمانينيات.

كل ما سبق من معايير يبقى نظريا حتى يُختبر النظام السياسى ـ الديمقراطية ـ فيثبت نجاحه أو فشله. ومن أمثلة الاختبارات القاسية التى مرت بها دولة مثل الولايات المتحدة، التى فى ديمقراطيتها الكثير مما يستحق الانتقاد قطعا، هو جدال الانتخابات الأمريكية فى عام 2000 حيث فاز آل جور بأغلبية الأصوات العددية لكنه وفقا للدستور الأمريكى فإن توزيع الأصوات بين الولايات هو الفيصل فى الفائز فى الانتخابات. ولأن تقليد تداول السلطة فى الولايات المتحدة مستقر منذ أن قرر الرئيس الأول جورج واشنطن ألا يترشح لمنصب رئيس الجمهورية أكثر من مرتين، فظلت باقية فى عقبه، فإن هذا التقليد قد رسخ فى أذهان الأمريكيين احترام مؤسسات الدولة حتى وإن اختلفوا مع توجهها.

وعليه فقد وقف مؤيدو آل جور على أحد جانبى الشارع ووقف أنصار جورج بوش على الجانب الآخر ينتظرون جميعا حكم المحكمة الدستورية فى فلوريدا ثم فى المحكمة العليا فى العاصمة واشنطن دون طلقة رصاص واحدة أو إغلاق أى طرق أو التهديد باللجوء للعنف أو إعلان الحرب المقدسة على أحد بل يعلن المرشحان المتنافسان أنهما سيحترمان حكم المحكمة أيا كان، وقد كان. ومن هنا كانت المؤسسة أقوى من الفرد لأن الفرد له دور وله مدة أما المؤسسة فلها وظيفة ولها ديمومة. هل وقع ظلم على آل جور؟ طبعا وقطعا ويقينا وهذا أمر لا مجال للخلاف بشأنه ولكن يبدو أن ثقافة مجتمعهم تجعل الشخص يتعود على احترام القانون والقضاء حتى لو اعتقد أنهما ظالمان ليس بسبب القمع، ولكن بسبب الحرص على ألا تحدث فتن تنال من استقرار الدولة.

هناك توجد ديمقراطية، ويوجد ديمقراطيون، على عيوب فى التطبيق. أما فى معظم دول منطقتنا العربية، فهناك كلام عن الديمقراطية من أشخاص غير ديمقراطيين يتعاملون مع الديمقراطية بانتهازية تجعل من الملائم التفكير فى إضافة نوع جديد لوصف ديمقراطيتنا الناشئة: الديمقراطية الانتهازية.

إن التعثر الذى نراه فى دول مثل العراق ولبنان وتونس فى إدارة ملفات الدولة فى دول فيها انتخابات توصف بالديمقراطية تؤكد أننا لسنا بصدد الديمقراطية التى شرحها المقال.

لذلك إعداد المواطنين والنخب للديمقراطية مسئولية جسيمة.

رحم الله اللواء عمر سليمان الذى قال: إن المصريين غير مستعدين للديمقراطية. وهو كلام صحيح فى تقديرى مع إضافة بسيطة وهى أن يقول عقبها: ونحن السبب. من يحكم شعبا، أى شعب، لمدة ثلاثين سنة ويظل الشعب غير مستعد للديمقراطية، فهذا ليس بالضرورة لعيب فيه، ولكن لعيب فيمن يحكمه. وهو ما حدث فى مصر عقب 25 يناير حيث فوجئنا بأننا غير جاهزين للديمقراطية لأننا لا نتخلق بأخلاقها ولا نلتزم بقيمها. ولهذا لجأ المصريون إلى مؤسستهم الوطنية الأولى لإنقاذ الوطن من أنصار الديمقراطية الانتهازية الذين بدلا من أن يحلوا مشاكل مصر والمصريين، صدروا لمصر والمصريين مشاكلهم.

الديمقراطية نظام مركب، والانتهازيون لا يريدونها كاملة، لهذا تفشل. وهذا إجابة عنوان المقال.


لمزيد من مقالات د. معتز بالله عبدالفتاح

رابط دائم: