رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

المواطنة التامة

تعتبر أدبيات المواطنة الثورة الفرنسية، التى انطلقت فى 1789 وبقيت متقدة إلى ما يزيد على عقد من الزمان، نقطة تحول كبرى فى التاريخ الإنسانى...لماذا؟

تُجيب أدبيات المواطنة بما يلي: أولا: لأنها أسست لمبدأ المواطنة ونقلت الإنسانية من الحديث عنها والحلم بها «المواطنة الفكرة» إلى كونها فعلا حيا ممتدا ومستمرا مع مرور الوقت أو ما عبرنا عنه بالمواطنة المستدامة. ثانيا: إنها نقلت الأفراد من حالة كونهم رعية تابعة إلى الحالة المواطنية التى تعنى الشراكة فى إدارة شئون الدولة فى مستوياتها المتعددة. وثالثا: تعنى الحالة المواطنية أن المواطنين، على اختلافهم فى الجسم الاجتماعى، قد أصبح لهم حقوق متعددة وأدوار فاعلة تعكس مدى تحقق المواطنة من جهة. ومدى تجسد الشراكة من جهة أخرى. رابعا: انتهاء زمن أشكال الحكم ما قبل الحديثة والتى تتسم بالقرابية، والإقطاعية، والاحتكارية،...،إلخ، وبدء البحث عن آليات للإدارة السياسية والاقتصادية والاجتماعية مؤسسية تعتمد على الكفاءة والتنظيم...

ويؤكد أهمية ما سبق قراءة: أولا: الوقائع التاريخية والبعد النضالى من أجل ممارسة المواطنة وتجسيدها: عدالة ومساواة على أرض الواقع، كذلك ثانيا: النص التاريخى التأسيسى المعروف بإعلان حقوق الإنسان والمواطن...إذن، كانت الثورة الفرنسية هى لحظة فارقة بين نموذجين عاشهما الإنسان/المواطن...أخذا فى الاعتبار، أن النموذج الثانى لم يتحقق بالتمام فى التو واللحظة بعد قيام الثورة الفرنسية. وإنما يمكن القول إنها أطلقته ليأخذ مساره التاريخى فى السياق الأوروبى. ثم تنوعت المسارات فى سياقات أخرى غير أوروبية(مختلفة التطور الاقتصادي/ الاجتماعي) مع مرور الوقت والزمن. ما يؤكد أن المواطنة هى عملية تاريخية ممتدة ومتجددة لا سقف لها...وأن جوهرها واحد فى كل زمان ومكان.

وتشير تجربة الثورة الفرنسية نفسها إلى أن معاصريها ظنوا أنهم بالإجراءات والنصوص وحدها يمكن الاستجابة لمطالب الناس/ المواطنين. لذا حرص كاتب نص الإعلان الفرنسى على ضرورة أن تسرع دولة ما بعد الثورة الفرنسية على تحقيق دولة المواطنة الكاملة الأبعاد خاصة فى بعديها الاقتصادى والاجتماعى. وعليه نصت الوثيقة على ضرورة الأخذ بالعدالة ذات السرعة المزدوجة فى تأمين توزيع الأعباء والمزايا الاجتماعية.ظنا منهم أن هكذا نص من شأنه أن يحقق، فورا، المواطنة بأبعادها: الاقتصادية/الاجتماعية، والسياسية/المدنية، والثقافية على قاعدتى العدالة للجميع والمساواة دون التمييز. ذلك أن الثورة الفرنسية، وبالرغم من دورها التاريخى التأسيسى، إلا أنها واجهت إعاقات بنيوية سياسية «فى الداخل الفرنسى وخارجه»، وبنى اقتصادية وثقافية لها مصالحها وعلاقاتها وتفضيلاتها الاقتصادية والمالية، تأبى أن تتنازل عنها وتصر على أن تبقى على امتيازاتها فى دائرتها الصغيرة. ومن ثم تعددت المواجهات من قبل قوى الظلام الإقطاعية، والدينية للحيلولة دون الانتقال الفورى إلى النموذج المواطنى الجديد، والبقاء فى ظل النموذج الرعائى القديم...ما صعب من تحقيق المواطنة التامة بالسرعة التى طالبت بها مواثيق الثورة الفرنسية الفارقة...وإن لم يمنعها ذلك أن يكون لها فضل التأسيس للمواطنة الفعل، كما تؤصل أدبيات المواطنة...

والنتيجة أن المواطنة التامة لم تتحقق مرة واحدة. وإنما تحقق كل بعد من أبعادها على حدة وبالتعاقب...أى أن المواطنة سارت فى مسار خطى وذلك كما يلي:

بداية كان الاهتمام بتحقيق المساواة أمام القانون، أى المواطنة المدنية. ثم عنى بالتمثيل السياسى فى المجالس النيابية فعرفت المواطنة فى بعدها السياسى.

ومع التطور الاجتماعى والطبقى استوجب الأمر توفير الضمانات الاجتماعية، أى المواطنة فى بعديها المركب الاجتماعى ـ الاقتصادى.

وفى الربع الأخير من القرن العشرين بدأ تنامى صعود الهويات الثقافية: الدينية والعرقية والجنسية بشكل غير مسبوق فى تاريخ البشرية، فى هذا السياق طرح مفهوم المواطنة الثقافية.

ومع مطلع الألفية الجديدة انطلق الاهتمام بما أطلق عليه القيم المواطنية الإنسانية...

ويلاحظ أن هذا الترتيب قد ارتبط, بالأساس, بأمرين حاكمين هما: الأول: موازين القوة فى مرحلة زمنية وما تفرضه من أولويات. ثانيا: طبيعة النظام الاقتصادى السائد بما يتسم به من نمط انتاج وعلاقات...

فلقد أدت الثورة الفرنسية إلى إطلاق الحريات مع القوى الاجتماعية البازغة الرافضة للمجتمع الإقطاعى فكانت المواطنة المدنية، فالسياسية التى تتيح التمثيل السياسى لشرائح اجتماعية من خارج الارستقراطية التقليدية التاريخية من أن يكون لها حضور سياسى. ولكن مع الثورة الصناعية بدأت مرحلة جديدة للجسم الاجتماعى. حيث تشكلت طبقة عمالية ذات مهارات فنية متقدمة. كما تقدم العلم وتنوعت حقول المعرفة. ومن ثم اتسع قطاع التعليم لمزيد من المقبلين على التعليم. وبرزت المدينة كحاضن تاريخى وحضارى للصناعة والتعليم. وبالأخير تعقدت الحياة وتفاصيلها. وكلها أمور فتحت آفاقا حول النضال والحديث عن المواطنة الاقتصادية والاجتماعية: عقود العمل، ونظم التأمين الاجتماعية والصحية، والحماية من المخاطر، وحماية المواطنين من الاحتكار...إلخ... وبدأ الالتفات إلى أن هذه الإنجازات التى حققها المواطنون عبر الأزمنة لابد من أن تتوافر للجميع على اختلافاتهم الثقافية، فظهر الحديث عن المواطنة الثقافية التى تطورت إلى المواطنة الإنسانية... تعددت نظريات المواطنة بحسب كل مرحلة...كما تنوعت المقاربة السياسية...بيد أن الجميع بات متفقا اليوم على أن التشكل الخطى للمواطنة, أى تحقيق بعد من أبعاد المواطنة يعقبه بعد آخر بحسب الخبرة التاريخية الأوروبية ــ لم يعد مناسبا. وإنما لابد من تحقيق المواطنة التامة, أى المواطنة بكامل أبعادها فى وقت واحد. وذلك وفق رؤى وسياسات وممارسات مركبة...بلغة أخرى، المواطنة التامة هى حصيلة التفاعل بين فعل مواطنى مستديم وتنمية مستديمة...كيف؟...

للحديث بقية...


لمزيد من مقالات سمير مرقس

رابط دائم: