رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حرب محام مصرى ضد الرأسمالية العالمية

أقرأ هذه الأيام كتابا مثيرا يضاهى روايات الجاسوسية العالمية، ولكنه بقلم محام مصرى شاب شارك فى جهود تأميم قناة السويس بل قام بكتابة النص القانونى لقرار عبدالناصر بتأميمها. المذكرات هى للدكتور مصطفى الحفناوى الذى اتخذ من قضية قناة السويس رسالة عمره منذ كان فى الثلاثينيات من العمر حتى حصل على رسالة الدكتوراه من جامعة باريس فى يونيو عام 1951، أى قبل عام من قيام ثورة 23 يوليو التى اعادت القناة لمصر.

والمذكرات التى ظهرت بالفرنسية فى العام الماضى تحت اسم «مصير مصرى» تحكى قصة غير معروفة للأجيال الجديدة من المصريين بل لمعظم أبناء الأجيال السابقة، ألا وهى قصة كفاح الدكتور الحفناوى ضد شركة قناة السويس العالمية التى كانت تمثل، مشروعا استعماريا من الدرجة الأولى، اعتمد على الغش والخداع فى تحميل مصر معظم تكلفة حفر القناة، بينما ذهبت المنافع والمغانم لفرنسا ثم الى انجلترا بعد ذلك، بل انتهى الوضع باحتلال مصر عام 1882.

والمذكرات التى جمعها وترجمها ابنه الدكتور على الحفناوى، الذى ورث عن ابيه الوطنية العالية والاهتمام بالشأن العام ولقد تبع خطاه فى خدمة الوطن فى مناصب عدة منها رئاسته لمشروع القرية الذكية وغيرها من المهام الهندسية والاستشارية، نشرت تحت اسم مذكرات الدكتور مصطفى الحفناوى، وخلفيات تأميم قناة السويس. وجاء نشرها متزامنا مع احتفال مصر بمرور 150 عاما على افتتاح قناة السويس وترقبا لاحتفالنا فى العام المقبل بمرور 65 عاما على تأميمها.

وبالرغم من ان كفاح الدكتور مصطفى الحفناوى اعتمد أساسا على دراسة الوضع القانونى لشركة قناة السويس العالمية، وبالتالى فهو يهتم بالأسانيد القانونية والوثائق والمعاهدات، فإن السرد المبدع للمذكرات يجعلها تماثل أكثر الروايات البوليسية إثارة. أما المعركة التى كانت تدور حولها الرواية فهى الحصول على وثائق شركة قناة السويس التى تساعد قضية مصر فى تأميمها او إلغاء عقد امتيازها.

مثل هذا الهدف الطموح يحتاج الى جهد أكثر عمليات الجاسوسية تعقيدا والى موارد طائلة ودهاء عميق ودعم كبير من أجهزة الدولة.. وعلى ذلك صرف الحفناوى من ماله ومن موارده، واستخدم دهاءه ومعرفته بالمجتمع الأوروبى ولغاته ليدخل فى عرين الشركة فى باريس عام 1950، بل أن يخدع مديريها ويقنعهم بإنه موظف بسيط يسعى الى كتابة كتاب دعائى يبيض وجه الشركة ويساعدها فى جهودها لمد فترة الامتياز بعد موعد انتهائه القريب عام 1968. وهم بذلك فرحون ويعرضون عليه كل المساعدات بل يفتحون له خزائن ملفاتهم ويمنونه بالمناصب والمغانم اذا ساعدهم فى تحقيق حلمهم الأريب.

د. مصطفى الحفناوى هو أحد نماذج الوطنية المصرية ولقد تربى فى كنف الحزب الوطنى، حزب مصطفى كامل ومحمد فريد. ولعله ورث الحب فى الاستقلال والوطنية من جده الذى كان أحد عمال حفر القناة، وهرب منها ليكافح فى كسب الرزق متخفيا فى إحدى قرى الزقازيق. ولقد شارك الدكتور الحفناوى فى المظاهرات الوطنية التى قامت ضد الاحتلال الإنجليزى (مثله مثل أبناء جيله، ومنهم زعيم المستقبل جمال عبد الناصر) وأسهم فى مقاومة معاهدة الصداقة والتحالف التى وقعها حزب الوفد مع الإنجليز عام 1936، ودخل بسبب ذلك السجن ولو لأيام.

بدأ اهتمام د. الحفناوى بقضية قناة السويس فى منتصف الأربعينيات بعد ان تيقن من رغبة الغرب فى الاحتفاظ بالقناة حتى بعد نهاية الامتياز. وقرر أن ينصب نفسه مدافعا عن قضية القناة. وقرر أن يكتب رسالة الدكتوراه عن النزاع بين مصر وبريطانيا على القناة. ولقد أثبتت دراسته انه بالرغم من أن الإدارة الظاهرة للقناة كانت فى يد الفرنسيين إلا أن الحاكم الفعلى كان الإنجليز من مكتب صغير فى لندن. وعن طريق هذا التحكم تمكن الإنجليز من الحصول على ميزات تفضيلية فى رسوم الشحن من خلال القناة وأولوية فى العبور تميزهم عن باقى السفن.

لم تكن حرب الدكتور الحفناوى بالشيء الهين فى مواجهة شركة تتحكم فى 40% من التجارة العالمية، ويحميها وجود قاعدة انجليزية هى الأكبر فى العالم، وتدعمها الحكومتين الفرنسية والإنجليزية، و يديرها جهاز ادارى ودبلوماسى على درجة عالية من الحنكة والمكر. ولقد تمكنت هذه الشركة من خلق حلف مؤيد لها من أصحاب المصالح المصريين وحتى من رجال الحكم.

كتاب الدكتور الحفناوى مليء بالقضايا والأسرار، وهو يعطى الجيل الجديد مثالا للكفاح الوطنى الذى قام به المثقفون فى نصرة قضية الاستقلال، وفى ترتيب الأجواء التى أسهمت فى تحدى الاستعمار وخلق حركة الاستقلال التى تبنتها مصر بين شعوب العالم الثالث، والتى وعدت بمجتمع دولى جديد يكفل العزة والكرامة للجميع.


لمزيد من مقالات د. على عبدالعزيز سليمان

رابط دائم: