رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حوار الأزهر الذى أخرج الأسئلة من أحرازها

لا تخلو حياة العرب والمسلمين من أسئلة مهمة تبقى مكتومة داخل النفوس والعقول زمناً كما لو أنها موجودة داخل أحراز مغلقة حتى تجيء الفرصة التى تتيح مناقشتها علناً وتُخرجها من هذه الأحراز المغلقة. ولعلً مؤتمر تجديد الفكر والعلوم الإسلامية الذى نظمه الأزهر الشريف فى 27-28 يناير الماضى نموذج شجاع فيما نعتقد لذلك. لكن الملاحظ والغريب دائماً أن هذه الأسئلة ليست جديدة ولكننا نعيد اكتشافها فجأة فى حماسة وإثارة (وبراءة) بين الحين والآخر وكأنها المرة الأولى. فقضية التراث والتجديد موضوع مؤتمر الأزهر مطروحة منذ قرون، بالاسم نفسه أو ربما بتسميات أخرى، وكانت كتابات الإمام محمد عبده فى مطلع القرن الماضى آخر محاولة مكتملة وعصرية لمناقشة قضية التجديد، ثم لحقها صدور كتب لبعض المفكرين والأكاديميين فى فترة شاع فيها تعبير الأصالة والمعاصرة، وأخيراً تكرّرت المحاولة فى ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن الماضى. وهكذا انشغلنا بتكرار الأسئلة ذاتها المطروحة منذ قرون بينما انهمك الآخرون فى الأمم المتقدمة فى تحقيق نجاحات وإنجازات جديدة بفضل أسئلة جديدة. ولا يمكن فى هذا السياق إغفال دلالة نجاح إسرائيل مثلاً فى أن توقظ من جوف التاريخ لغة عبرية كانت شبه ميتة حتى أوائل القرن العشرين لتصبح لخمسة عشر مليون يهودى هى لغة علومهم وآدابهم وفنونهم فى الوقت الذى ترك فيه نحو 380 مليون عربى لغة الضاد تتراجع وتغترب فى ديارها وتهجرها ألسنة أطفالهم وشبابهم.

استقطب الحوار ربما غير المسبوق الذى شهدته إحدى جلسات المؤتمر بين فضيلة الإمام د. أحمد الطيب شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة د. محمد عثمان الخشت كل الاهتمام، ولم يكن هذا الحوار هو الحدث الكبير الوحيد فى القضايا التى ناقشها المؤتمر. الحدث الأكبر هو ما أثاره هذا الحوار بعد انفضاض المؤتمر من كتابات وتحليلات، وما أيقظه من تساؤلات، والأهم (والأخطر) ما شجع عليه من اصطفافات فكرية جديدة. والأرجح أن هذه الحالة من الجدل والاصطفاف سوف تستمر كحدث بارز فى مسيرة تجديد الخطاب الدينى، وهى التسمية المرادفة لكثير من دعوات الإصلاح والتجديد التى شهدها التاريخ (العرب- إسلامي)، وبالتحديد التاريخ العربى لأنه يبدو أن العديد من المجتمعات الإسلامية غير العربية التى أحرزت قدراً من التقدم مثل ماليزيا وإندونيسيا وتركيا قد تجاوزت إلى حد ما قضية الجدل حول التراث والحداثة التى يجترها العرب المسلمون منذ زمن طويل. الملاحظ والغريب أيضاً أنه وسط حالة الاستغراق فى الحوار الشهير بين فضيلة الإمام ورئيس جامعة القاهرة نسينا (أو تناسينا) ما خلص إليه المؤتمر من تسع وعشرين توصية بالغة الأهمية، تنص أولاها على أن التجديد لازم من لوازم الشريعة الإسلامية لا ينفك عنها لمواكبة مستجدات العصر وتحقيق مصالح الناس، وهى توصيات بدا غريباً تجاهلها مع أن أهم ما فى أى مؤتمر هو توصياته، لأنها أساس المؤتمر وحصاده أو هى باللغة القانونية التعبير عن إرادة المؤتمرين فيه.

بدا اللافت فى الحوار الشهير بين فضيلة شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة أننا انشغلنا فيه بالشخصى على حساب الموضوعى. لم يرق للكثيرين ما شهدته جلسة الحوار من تصفيق الحضور ومؤازرتهم لتعقيب شيخ الأزهر على مداخلة رئيس جامعة القاهرة، وهو أمر طبيعى لأن شيخ الأزهر كان فى بيته وبين تلاميذه. وما أن انتهى المؤتمر حتى تحوّلت الدفّة وتدفقت الكتابات والتحليلات لتناصر الأغلبية وجهة نظر د.محمد عثمان الخشت. حاول البعض الوقيعة واستعداء الدولة على شيخ الأزهر، وهذه ممارسة خطيرة وخائبة وتضر بأكثر مما تنفع بفرض صواب رأى أصحابها. فشيخ الأزهر الذى يحاول البعض التربص به (والتربص غير النقد) هو الرجل نفسه الذى أصدر الأزهر فى إمامته وبخلاف توصيات المؤتمر الأخير وثيقتين تسطعان بالتجدد والتجديد تعرفان الآن بوثيقتى الأزهر الأولى والثانية، وهو الرجل نفسه الذى كان يتغنى من ينتقدونه الآن بأنه خريج جامعة السوربون الفرنسية! وسواء اتفقنا مع شيخ الأزهر أم اختلفنا فالمؤكد أن نزاهة الرجل مضرب للأمثال، والإنسان كلٌ لا يتجزأ، ولهذا فإن من يرفض تقاضى راتبه ليوزعه فى مناحى الخير، ويتنازل عن الهدايا والقيم المالية للجوائز التى يحصل عليها للمؤسسة التى يترأسها لا يمكن القفز ببساطة على مصداقيته ولا يمكن تجريحه حتى وإن اختلفنا معه فى الرأى. وبالمنطق نفسه فإن النظر إلى رئيس جامعة القاهرة كنموذج للمثقف السلطوى، وما أُثير حول موقفه من الخلط بين العلمى والسياسى فى الواقعة الشهيرة التى أعلن فيها من فوق منصة خشبية بعض القرارات لصالح الطلاب لا تنتقص بالضرورة من آرائه البحثية كمتخصص، وإن أثارت تساؤلات محقّة ومشروعة.

كانت القضية الظاهرة والمعلنة فى مؤتمر الأزهر هى التراث والحداثة، وهى بالفعل جوهر النقاش، لكن يبدو أنها تعكس نقاشات ومواقف أخرى غير معلنة (فى بطن الشاعر كما يُقال) من الدين نفسه، ومن الإسلام على وجه التحديد. لا يمكن ولا يحق بالطبع التفتيش فى الضمائر، لكن التفتيش فى الأفكار ممكن ومباح. فهل كان الهدف فى الكثير من الكتابات والاصطفافات الأخيرة هو تجديد أو تحييد الدين فى قضايا الحياة؟ التجديد أمر مطلوب وناموس كونى وهو حركة تفاعل لن تنقطع أبداً بين الدين والحياة لأن النصوص متناهية والوقائع غير متناهية، أما التحييد فهو يعنى الاستبعاد والرفض، وهذا موقف وحق لأصحابه يتحملونه كرأى شخصى، أما احتكاره وتسفيه الرأى الآخر فتلك قضية أخرى. جزء من أزمة هذا النقاش الدائر هو أننا لم نبدأ أولاً من تعريف مصطلحاته ومفرداته الأولية، وفى ظل عدم وضوح المصطلح من الطبيعى أن تختلف دلالاته وتتباين النتائج المترتبة عليه. فهل نقول التراث والحداثة، أم النقل والعقل، أم الجمود والتطوّر، أم الانغلاق والانفتاح، أم الأصالة والمعاصرة؟ وهل ثمة رابط حتمى بين معانى هذه المصطلحات؟ بمعنى هل كل تراث هو بالحتم مرادف للنقل والجمود والانغلاق؟ وبالمقابل هل بوسعنا القول إن كل حداثة تعنى بالضرورة العقل والتطور والانفتاح؟ استنتاجات يصعب قبولها، فهناك تراث لا يناقض العقل أو التطور أو الانفتاح (أليس فكر المعتزلة جزءا من تراثنا الفقهي؟) بقدر ما أن هناك حداثة موصومة بالتعصب والنقل والانغلاق.

خلاصة القول إنه من الشجاعة أن نعترف بأن التطرف (باعتباره آفة هذا الزمن) هو سمة لبعض التراثيين والحداثيين أيضاً. ثمة تطرف دينى، لا شك أبداً فى هذا. لكن هناك أيضاً تطرفا علمانيا.


لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم

رابط دائم: