رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

فى انتظارِ الحـُبّ

جمعة بوكليب;

«أُدينُ بدينِ الحبِّ آنّى حطتْ ركائبُه فالحبُّ دينى وإيمانى».

أنا لم أنظم بيت الشعر هذا. الصوفى مُحْى، الدين بن عربى صاحب كتاب «الفتوحات المكّيّة»، هو من نظمه، منذ قرون مضت، مختتماً به قصيدة يقول مطلعها:

» ألا ياحماماتِ الأراكة والبانِ ترفقن لا تضعفن بالشجو أشجاني

ترفقن لا تظهرن بالنوح والبكا خفى صباباتى ومكنون أحـــزانى»

كل ما فعلته أنا، هو أننى انجذبت، أولاً، إلى ذلك البيت الشعرى، حين، صدفةً لمحته مكتوباً بخط ملفت بتميّزه وجماله، فى ملصق، ومعروضاً للبيع فى مكتبة عربية، فى شارع جانبى، بمدينة أوروبية. وقمتُ، ثانياً، بشراء الملصق. ثم، ثالثاً، حملتُه معى إلى لندن. وبعد أيام قليلة، ذهبتُ به إلى محل متخصصٍ فى صنع اطارات الصور، فى فولهام روود، فأختار له إطاراً جميلاً. وعدتُ به، أخيراً، وعلقتُه كحرز، على جدار عارٍ، فى لون الماجنوليا، فى غرفة معيشة، تحت سقف بيت لم يطرقْ بابَه حبٌ لسنوات، وكأنى بذلك أردتُ تذكيرى، يومياً، بما كنتُ أفتقدُ، ومازلتُ.

كان ذلك، تقريباً، فى شتاء عام 1998، فى مدينة جنيف - سويسرا، وكنتُ خارجاً، لتوّى، من هول عاصفة حياتية مريرة، رمتنى فى عَراء الوقتِ، فى مفترق طرق، من دون زاد ولا رفيق، مقلّباً عينيَّ فى سماء تخلتْ عنّى، وباحثاً، بيأس وأمل، عن دليل يقودنى، كما يقادُ أعمى، نحو طريق قد تأخذنى إلى مالا أعرفُ وأخشى من مصير، أوبأمل أن ترشدنى إلى ما أريدُ وأصبو من أحلام.

لكنّ، ذلك النهار، حين غمزنى، داعياً، حرفُ الحاءِ، عبر واجهة زجاجية، لمكتبة عربية، فى شارع جانبى، فى جنيف، لبيتُ الدعوة، وقصدتُه مستبشراً، وآملاً.

كان ذلك فى أول زيارة لى إلى المدينة. ولم تكن تهمّنى، وقتذاك، زيارة مدينة لم تكن يوماً مخبأة بين سطور أيامى.

جنيف، كانت ولازالت، مدينة مشهورة، وغارقة فى العسل، تغنّى مواويلها بأعذب الأصوات والألحان، بعيداً عن صخب لندن، ومجون باريس، وجنون روما، وكأنها تسبح فى فلك مدار كوكب، خاص بها، لكن ليس فيه ما قد يثير شهيّتى.

لم أعد أذكر ما الذى أوقعنى، آنذاك، فى فخاخ التفكيرفى السفر، وكأننى كنتُ أبحثُ عن مهرب من أوجاعى. وفكّرتُ أن قضاء بضعة أيام، بعيداً عن لندن، سوف يهوّن قليلاً من ألم جروحى. فجأة، برزت جنيف فى ذهنى. واخترتها لتكون دوائى. ولم أكن أعلم أن المدن، خاصة الأوروبية منها، ليس من وظائفها، أو من مهامها، مداوة قلب عليل من داء الوحشة، وتطييب خاطر نفس كسيرة من ذل الغربة، أوافتكاك روح أسيرة من حبس الفقدان.

الإطارُ مصنوع من خشب مصقول، بلون بنّى غامق. ولا أعرف، على وجه الدقة، تصنيف الخط الذى كُتِبَ به بيتُ ابن عربى، بلون بُنّى، على ورقة فى بياض الثلج.

تصدرتْ كلمة الحب وسط الملصق، بحجم كبير. فى منتصف حرفى الألف واللام المتجاورين، كُتبتْ «أدينُ بدينِ»، بلون يقترب من السواد. بخط أصغر حجماً، تحت كلمة الحب، كُتبَ بقية البيت الشعرى.

اسم الخطاط مطبوع ببنط أسود صغير، فى الزاوية اليمنى فى نهاية الملصق، باللغتين العربية والفرنسية، مرفوقاً بعنوان الشركة، فى باريس، التى قامت بطباعة وأنتاج الملصق، الذى اشتريته آملا ومستبشراً، وحملته معى إلى لندن، وأخذته إلى حِرَفِى متخصص، كما تأخذ أم وليدها إلى فقيه، ليكتب له حَرَزَاً يحميه من شرور الدنيا، وعلقته فى بيتى. واخترت له موقعاً، بحيث يكونُ ورائى، وفوق رأسى، لدى جلوسى على أريكة جلدية، بنيّة اللون، لمشاهدة التلفاز أو للقراءة، أو للسرحان.

بمرور الوقت، وتبدل الأحوال، والحظوط وتغيّر المناخ النفسى، وجدتنى وقد تركت مكان جلوسى المفضل، وأجبرتُ على الجلوس على أريكة أخرى، مجاورة للأولى. معلقة على جدار ورائى، وفوق رأسى، مرآة مستطيلة، بمقاس كبير، وبإطار ذهبى. وتقابلنى، وجهاً لوجه، رفوفٌ خشبية صُفت فوقها كتبٌ وتصاويرٌ فى براويز، وعلى يسارى يقبع جهاز التلفاز، وخلفه نافذة تطل على حديقة البيت الخلفية. وعلى يمينى ما قاله ابن عربى فى زمن مضى، مثبت تحت لوح زجاجى، وأسيرالإطار الخشبى، ومعلق على جدار عار، كقلبى، لاعلاقة له بالحبّ، ولا بالشِعر، ولا بابن عربى، ولا حتى بى، أنا، تحت سقف بيت، يسكنه صمتٌ، وتعنكب فى أرجائه وحشةٌ قديمةٌ، برائحة تذكرنى برائحة فاكهة عطنة، يقع فى وريستر بارك، جنوب غرب لندن، ولم يطرق بابه حبٌ لأعوام طويلة، ولاتصله عبر فتحة البريد، سوى فواتير واجبة الدفع، ودعايات لسلع ولشركات عديدة، لا علاقة لى بها.

ابن عربى، الصوفى، لايعرف أن ما نظمه من شعر سيتحول، بعد مرور قرون من الزمن، إلى مشروع تجارى، يباع فى مكتبات أوروبا، بغرض أن تقع عليه أنظار أناس محرومين من الحب، ويدفعون لقاءه مالاً، من أجل اقتنائه، ووضعه فى إطار جميل، يعلق على جدار، فى مكان ما، فى بيت ما، فى بلد ما، من أجل ان يذكّرهم بما يفتقدون، كل يوم، لدى خروجهم من بيوتهم ولدى عودتهم إليها!. أو أن يعلق على جدار فى صالة كبيرة، فى مطعم، أو مقهى أو حانة، أو مبغى، يرتادها أشخاص من جنسيات، وأديان عديدة، ومختلفة، أغلبهم لا يعرفون اللغة العربية، ولكن التشكيل الفنى، وجماليات الملصق، قد تثير انتباههم، وتسرق أنظارهم للحظات قليلة، ثم ينصرفون إلى ما جاءوا لأجله.

من حين لآخر، أجدُنى محدّقاً فى الملصق، ومتسائلاً عن الأسباب التى دفعت الخطاط الى التفكير فى تحويل حرف الباء، فى كلمة الحب، إلى أفعى بفم مفتوح، وكأنها تهمُّ بالتهام حرف الحاء: هل أراد، بذلك، الايحاء بأن الحبَ يلتهم نفسه، كما يتأهب حرف الباء لالتهام حرف الحاء؟ ثم، ما سر هذه النيران المضرمة من أسفل ومتصاعدة اللهيب إلى أعلي؟ وهل كان الفنان، تلك اللحظة، على عكس ابن عربى، فى حالة غضب من الحب، أو من نفسه، أو من حبيبته حين بدأ فى تنفيذ اللوحة، لذلك، اختار أن يجعل حرفَ الباءِ يلتوى فى آخره كأفعى تتأهب للانقضاض على حرف الحاء، مما جعل حرف الحاء يتراجع منكمشاً من شدة الخوف، أو من هول المفاجأة، أو من الاثنين معاً؟ ثم، وكأن ذلك لا يكفى، يقوم باضرام نار مستعرة فى كلمة الحب، وفى كل أرجاء البيت الشعرى، بدون شفقة ولا رحمة، وكأنه ينتقم لنفسه من الحب، ومما قاساه!.

أحياناً أخرى، أتجاهل الملصق، وأتعمد اهمال مسح ما تراكم فوق سطح زجاجه، بمرور الوقت، من غبار، وكأنى أريده أن يتذوق، مثلى، مرارة ألم الحرمان، ويستطعم معنى التجاهل، ويعانى، مثلى، مواجع قروح الصمت والوحشة.

الحب، يقول صديقى الشاعر، يختارنا ولا نختاره. لكن صديقى الشاعر مات مختنقاً، ذات يوم، من انعدام الحب: فهل نلوم الحبَ الذى لم يختر صديقى الشاعر، وتجاهله، طوال تلك السنين، وتركه كذئب يعوى من شدة جوعه، فى وحشة البرارى والقفار؟

ذات مرة، مازلتُ، بحزن، أذكرها، وكنتُ أعانى من حالة عصابية، مرهقة. وكان الوقت مساء غارقاً فى بحيرة صمت شتائى كئيب. وبدرت منى التفاتة نحو الملصق، فبدا لى وكأنه يحدق فيّ بعيون تنضح شماتة. فقمت، من فورى، من مكانى على الأريكة، كمن لسعه، فجأة، تيار كهربى، وأنزلته من مكانه على الجدار، وحملته بين يديّ. وخطر فى بالى أن أهرع به سريعاً نحو برميل القمامة، خارج البيت، وألقيه هناك، لأستريح منه. لكنى تريثت قليلاً. وبدلاً من ذلك، وضعته خلف الأريكة، حيث أجلس، بحيث أتفادى النظر إلى تحديقه، ويتفادى، هو الآخر، ما قد يقترفه غضبى.

أحياناً، حين أكون مستريحاً فى بدنى، ومستغرقاً فى ذكرياتى، وفى لحظة تصالح وود مع وحدتى وغربتى، أفكر فى الخطاط الذى قضى وقتاً طويلاً، محاولاً أن يضع تصميماً فنياً وجمالياً لبيت ابن عربى، قبل تنفيذه، بحيث يتوافق مع يمر به من تجربة حياتية، أعتقد أنها لم تكن مُسِرّة. وكيف أهتدى، بوقع تلك التجربة الشخصية المُرّة، وما خلفته من أوجاع فى قلبه، إلى الانتقام من كلمة الحب، بأن يضرم ناراً فى بيت ابن عربى كله، وكأنه يود حرق ابن عربى، وحرق شِعره، والحب فى هجوم واحد خاطف، وأخير.

النار التى تسرى فى دمى، الآن، وتؤجج لهيبها الحارق فى حنايا قلبى وعقلى، تختلف عن تلك التى كانت تحرق قلب الخطاط. ويقيناً أنها ليست نار قسوة الحب، بل نار قسوة افتقاده. تشبُّ من أول النهار إلى آخر الليل. وحين أهجع إلى فراشى، أحسُّ وكأنى أنام على فراش من لهيب، ولا مفر. والزمن، بدوره، يزدرد أيامى، يوماً تلو آخر، بلا مبالاة، ولا يحسُّ بأوجاعى حبيب، ولا يرأف لحالى عزيز. والحب، الذى انتظرته، لم يأتِ. ولا أعرف متى سيأتى. لكنى، وقد سُدتْ الطرق أمامى، سأنتظره بصبر أيوب. وحين يجيء، حتماً، يوماً ما، سيجد أبواب قلبى كلها مشرعة فى انتظاره. وإذا أختار أن يأتى متأخراً، فهذا شأنه. كل ما يهمّنى هو أن يأتى، لكى أرمم ما تكسر من آمال روحى، وأستشعر بالخلاص يعود إليها لانتشالى من ضحالة أيامى، ولأتذوق، مثل ابن عربى، متعة عذوبته، وليكون، برضاى واختيارى، إلى آخر ما تبقى من أيام عمرى، دينى وإيماني:

ماذا سأفعل لو أن الحبَ، بخبثه المعهود، كان قد قرر، دون علمى، ومنذ زمن، محو اسمى من قوائم المنتظرين فى دفاتره؟

لندن – ديسمبر 2019

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق