رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

د.محمد حسن الـحـفناوى نجل زوج أم كلثوم فى حوار الذكريات: «طنط ثومــة» شخصيـة نادرة.. و كنت محظوظا بقربى منها

حوار ــ هاجر صلاح

كانت تصحبنى طفلا على كورنيش الزمالك.. ولم تحضر «زفافى» حتى لا تكسر فرحة أمى

قالت لى سأعتزل الغناء لو وجدت مقعدا شاغرا فى حفلاتى

كانت تسعد بلقب «مسز حفناوى».. وتطبخ لزوجها البامية باللحم

 



تخيل أن يتفتح وعيك فى سنوات الطفولة الأولى، لتجد نفسك فردا من أفراد عائلة «أم كلثوم». تلاعبك وتدللك وتحكى الحكايات و تتمشيان على الكورنيش! بالتأكيد ستكون طفلا محظوظا، وربما مثار حسد أقرانك. لكن د.محمد حسن الحفناوي- ابن زوج كوكب الشرق- لم يقض طفولته فقط فى بيت أم كلثوم، بل امتد بها العمر لتراه شابا واعدا متفوقا يخطو خطواته الأولى فى تخصصه الطبى، ويبدأ حياة زوجية مع من اختارها شريكة لحياته. وفى كل مرحلة كان لـ»طنط ثومة» دور وبصمة لا ينساهما. عن تلك العلاقة المتشبعة بالدفء والحميمية، دار هذا الحوار المفعم بالشجن والحنين لأيام جميلة قضاها الحفناوى بصحبة سيدة الغناء العربى، تخلله الكثير من الامتنان للقدر الذى أتاح له القرب منها،مع دعوات لا تنقطع لها بالرحمة..

...........................



من تبقى من عائلة أم كلثوم.. وهل مازالت هناك علاقات تجمع فرعى العائلة؟

كان لأم كلثوم شقيقان سيدة وخالد، وكلاهما توفى، ومن أبنائهما من توفى أيضا، كان آخرهم المرحوم محمد الدسوقى أحد أبناء سيدة، وللأسف الحياة شغلتنا، وانقطع التواصل مع الزمن. فحتى الاب لا يرى أبناءه الآن!

كم كان عمرك عندما تزوجها والدك، وهل تتذكر رد فعل والدتك؟

كان عمرى 7 سنوات تقريبا. كنت صغيرا لكنى شعرت أن شيئا ما غير عادى قد حدث فى منزلنا، وكالعادة فى البداية كان هناك» زعل» وأسئلة من عينة» لماذا وكيف»، مع الأخذ فى الاعتبار أن والدتى كانت بنت خال أبى، وبينهما قصة حب كبيرة، وكان قد مر على زواجهما ما بين 10 و 15 عاما. لكن فى النهاية هو تزوج أم كلثوم، فمن الصعب النظر إليها النظرة الاعتيادية كزوجة ثانية أو «ضرة» بالمفهوم التقليدى. من جهة أخرى أمى كانت عاشقة لصوتها. بدأت الأمور تسير بشكل طبيعى بالتدريج. فى النهاية هى كانت أم أولاده وتحبه.

شائعات كثيرة طالت هذا الزواج خاصة أنه تم إرجاء إعلانه لمدة عامين. من بين الشائعات مثلا أن أباك كان يريد تطليق والدتك، لكن أم كلثوم رفضت، فهل هذا صحيح؟

لا أعرف سبب إرجاء الاعلان، لكن لم يحدث أن والدى أراد تطليق أمى. أم كلثوم كانت متحفظة جدا بشأن زواجها من والدى بحكم أنه متزوج وله أربعة أبناء، خاصة انه شخصية معروفة. لكن من خلال علاقتها به كطبيب ومستشار طبى بشكل عام، تطورت العلاقة إلى صداقة ثم زواج. و أعتقد أنه لم يتم إعلان الزواج إلى أن استقرت الأوضاع، فأم كلثوم كانت متأنية فى قراراتها وتحسب خطواتها جيدا.

وهل فعلا تزوجت من قبله الملحن محمود الشريف؟

لا أستطيع الجزم، وكثيرون كتبوا فى هذا الأمر، لكن لا يوجد وثيقة تثبت، وفى النهاية هذا زواج، ولو كان حدث لأعلنته، سواء من محمود الشريف أو من غيره. وبالمناسبة فإن أم كلثوم ظلت محتفظة بداخلها بالفلاحة المصرية، فكانت حريصة على سمعتها كامرأة، ولم تكن لتدع مجالا للقيل والقال. لكن فى النهاية لابد ان نأخذ فى الاعتبار أن أم كلثوم وهى من هى، كانت لابد ان تفكر جيدا: من الرجل الذى يستحق الزواج منها، فلابد أن يكون على نفس مستواها، وتقتنع به كرجل وشخصية.

وكيف كانت علاقتكما؟

كانت حنونة وطيبة للغاية. وكنت الأقرب لها من بين أشقائى، وكان ترتيبى الثانى. أتذكر جيدا» تمشياتنا» سويا على كورنيش الزمالك وشارع الجبلاية. كان عمرى تقريبا 11 سنة، تمسك بيدى وتظل تحدثنى فى كل شيء، وتأثرت بها كثيرا، وغرست فى معانى كثيرة، أهمها معنى حب الوطن، كانت تعرف أنى أرغب فى أن أصبح طبيبا مثل والدى، فتقول لي:»عايزاك تبقى دكتور شاطر عشان مصر، وما تاخدش فلوس كتير من العيانين». وكنت أراها وهى تتبرع للمجهود الحريى دون استعراض أو»منظرة»، وكانت تسافر لإقامة الحفلات فى كل الدول العربية رغم أنها كانت ممنوعة من بذل مجهود بدنى بسبب ظروفها الصحية، وذات مرة، عرض عليها أمير الكويت أجرا خاصا لحفلتها، بجانب دخل المجهود الحربى، وبعد إلحاح قبلته، ثم حولته على حساب المجهود الحربى أيضا.. كان لديها زهد، فبعد فترة من الرضا النفسى الداخلى والإنجاز تفقد الماديات قيمتها،وقد كانت تعشق مصر فعلا. علمتنى التواضع وأن يظل الانسان على طبيعته مهما ترقى فى مناصب أو كون ثروات أو تمتع بالشهرة، وكما قلت لك فقد احتفظت بالفلاحة المصرية بداخلها بكل ما فيها من بساطة وتواضع وتلقائية، رغم كل ما كانت فيه من شهرة ونجومية ومكانة تفوق قوة رؤساء جمهوريات.

وكيف كان موقف والدتك من علاقتك بأم كلثوم؟

كانت تضحك ضحكة ذات مغزى عندما أقول لها إنى ذاهب لـ «طنط ثومة»، وكنت أقيم معها فى فيلا الزمالك بالأيام. كنت أشعر أنها أمى الثانية. فى النهاية هى «تركيبة» لا يمكن أن يغير منها احد. وهى كانت تحبنى وتستمتع بمشاعر الأمومة نحوى.

وهل التقت والدتك بها فى أى مناسبة؟

مرات قليلة عندما تفرض الظروف، فمثلا أصيب والدى بـ»ديسك» فيتصادف أن يجتمعا للاطمئنان عليه، وذات مرة؛ أصبت بهبوط كلوى وأنا فى سنة البكالوريوس، وعندما أفقت فى المستشفى، وجدت أم كلثوم عن يمينى وأمى عن يسارى. كانت علاقة قائمة على الاحترام المتبادل.

وما الأغانى التى كانت تحبها لها والدتك؟

لسه فاكر.. جددت حبك ليه.. كلها أغان «ملمسة» مع قصتها «يضحك الحفناوى».

طبعا كان زملاؤك ومدرسوك فى المدرسة يعرفون من تكون لك، فهل شعرت أنك مميز بشكل ما؟

ربما كان يرانى البعض محظوظا، وكان منهم من يطلب أن توقع له على أوراق أو أتوجرافات، وهناك من كان يتجاهلنى ولسان حاله: مين أم كلثوم يعني؟! ايه يعنى مغنية؟!

عندما كبرت ودخلت الجامعة، بالتأكيد اختلفت علاقتكما عما كنت طفلا صغيرا؟

بالمناسبة هى كانت السبب وراء تخصصى فى أمراض الجلدية مثل أبى، فبعد تخرجى وكنت الأول على كليات الطب على مستوى الجمهورية، أخبرت والدى انى لا أريد»الجلدية»، وأفضل تخصص المخ والأعصاب أو جراحة القلب. طبعا حزن فى صمت. فتحدثت معى أم كلثوم، وأقنعتنى أن أكمل فى تخصص والدى، لأنى سأبدأ من حيث انتهى،وأبنى على شهرته وخبرته فى التخصص، وقد كان اسما عالميا مرموقا، يطلب بالاسم، واستنكرت أن اتجاهل كل هذا وأبدأ من الصفر، وفتحت الباب أمامه لمناقشتى من جديد فى الأمر. وقد كان، وسار ابنى على نهجى، كما سرت أنا على نهج أبى. أذكر مثلا عندما خطبت زوجتى، كنت أريد أن أعرف رأيها، ونصحتنى بأن أهم شيء فى الزواج هو التفاهم، فكانت تقول لي: التفاهم درجات، قد يكون جملة تبدأها أنت وتكملها هى، أو أن تستمعا لأغنية فتبدى إعجابك لتفاجأ بإعجابها بها هى أيضا، أو أن تتمشيا سويا فيلفت نظرك منظرا جميلا، وتكتشف أنه لفت نظرها أيضا، أو تقررا القيام بعمل ما فتوافقك على الفور.. وهكذا».

وطبعا حضرت زفافك؟

ستتعجبين عندما أقول لك إنها لم ترغب فى ذلك، رغم أن «مصر» كلها كانت معزومة،وعندما سألتها عن السبب قالت لي:» مش عايزة «أكسر» فرحة أمك بك فى يوم زى ده!

كيف كنت ترى أم كلثوم فى بيتها؟

كانت سيدة مصرية عادية «بيتوتية» لا تحب السهر وتنام مبكرا، تتابع الصحف يوميا، وكانت متحفظة فى خروجها وأماكن السهر خارج المنزل كنوع من احترام النفس. أحيانا كانت تطبخ لزوجها الطعام الذى يفضله، وكان على رأسه «البامية باللحمة». فى النهاية هى امرأة وزوجة مهما يكن مركزها، وعندما كانت تسافر لأبى لدى حضوره مؤتمرا طبيا فى دولة أوروبية، وتجد من ينتظرها حاملا لافتة كتب عليها:» مسز حفناوى»- أى مدام حفناوي- تكون فى قمة السعادة، فصحيح أنها كوكب الشرق أم كلثوم، الأشهر من « نار على علم»، لكنها تحب مع ذلك أن تنسب لزوجها. وهى لم تكن تحب الأضواء فى حياتها الشخصية، وعندما كانت تسافر معه للخارج، كانت تسترد حياتها الطبيعية، فتخرج معه للتمشية وشراء حاجياتهما من السوبرماركت، ثم يعودان سويا إلى الفندق.

مع ذلك كان زوجها نموذجا لما يصفه المصريون بـ «زوج الست»؟

هذا يتوقف على المستوى الثقافى لمن يرى العلاقة، فكلما تدنى هذا المستوى، ستكون تلك النظرة هى الغالبة، ثم إنه يمكن وصفه بـ»زوج الست» إذا كانت هى من تنفق عليه، ووالدى رجل» صعيدى» لن يقبل بأى شيء من هذا القبيل. والزوجة تشعر جيدا إذا كان زوجها يعتمد عليها ويستغلها ماديا أم لا.

ومن كان يزورها باستمرار فى المنزل؟

ليسوا كثيرين، كلها زيارات من أجل العمل،أو ربما ضيوف عرب فى زيارة لمصر.من المعروف أن كثيرين كانوا يهيمون بها حبا أبرزهم الشاعر أحمد رامى والملحن محمد القصبجى. ألم يكن والدك يشعر بالغيرة؟هو تزوجها وهو يعلم من هى أم كلثوم، وهى كانت كالمغناطيس ينجذب إليه الجميع،من ناحية أخرى لو كانت هى تبادل أى رجل آخر الحب لكانت قد تزوجته. أم كلثوم تقدم لها خال الملك فاروق شريف باشا صبرى، فى النهاية هى اختارت أبى. لكن الأهم من كل ذلك هو طبيعة العلاقة بينهما، هو يعلم جيدا أنه «مالى إيده»، فهناك» كيمياء» قوية تجمعهما وتمازج وصداقة واهتمامات مشتركة. علاقة لها خصوصية شديدة،وإلا لما استمرت لأكثر من 20 عاما، خاصة أنها أكبر منه بنحو 15 عاما، لكن كل منهما شعر بأنه يكمل الآخر.

وماذا كانت أبرز اهتماماتهما المشتركة؟

كانت بينهما جلسات « مطولة» للشعر وتذوقه، وهى كانت محبة وذواقة للشعر بشكل غير عادى، وكان لها تعبير أتذكره هو:»طعم الكلمة» عندما تستحسن شيئا تقرأه، وكانت محبة للأدب العربى بشكل عام، طبعا بالإضافة الى الموسيقى. لكنها كانت موسوعية الثقافة، وهو ما انعكس على أغانيها وتنوعها، ما بين القصائد الدينية والوطنية والعاطفية، ودائما ستشعر أنها تخاطب شيئا بداخلك. أعتقد أن أم كلثوم من النوعية النادرة التى لا تتكرر كثيرا. وأعتبر نفسى محظوظا للغاية لأنها كانت فى حياتى.

كان والدك يحضر حفلاتها قبل الزواج، فهل استمر لما بعده؟

كان بالفعل يحضر حفلاتها وله كرسى مخصوص، لكن بعد الزواج كان يستمع للحفلة مع أصدقائه فى المنزل ويسجلها، حتى تستمع لها أم كلثوم عندما تعود، وهذا هو اليوم الاستثنائى الذى تسهر فيه وتعيد سماع الحفلة وتتابع ردود الفعل.

شائعات كثيرة نالت أم كلثوم؛ منها ما هو فى حياتها، ومنها ما تردد بعد رحيلها، كان من بينها مثلا أن لها أبناء من زيجة سرية بمستشار فى القضاء؟

لم يكن فى حياة أم كلثوم جوانب مظلمة، وإذا كان لديها أبناء فأين هم، ولماذا لم يظهروا؟! ذات مرة كتب أحد الصحفيين أن أبى ضربها «علقة» فهرولت إلى عبدالناصر باكية ليطلقها منه وأنه كلم والدى بالفعل! ومرة أخرى كتب صحفى شهير توفاه الله أن أم كلثوم كانت تجلس معه وتستشيره فى أمر ما، فقال لها افعلى كذا، وهى أصلا لم تجلس معه فى حياتها سوى مرة واحدة فقط! للأسف كثيرون يبحثون عن الشهرة على حساب الحقيقة وسمعة الأخرين. وهناك موقف حدث معى أنا شخصيا عندما كنت طالبا فى كلية الطب، وأجلس فى كافيتريا الكلية فإذا بشخص يتحدث بصوت عال: ما سمعتوش؟ مش ام كلثوم عملت لحسن حفناوى مستشفى، وجابت له الأجهزة من بره، بس لسه المستشفى ما خلصتش»، وأنا صامت تماما،إلى أن أشاروا له على يعرفونه من أنا، فطبعا أحرج وغادر المكان. حتى وقت قريب، كان كثير من الصحفيين أو الناس العادية يعتقدون أنى أنا زوجها! خاصة أنى تخصص أمراض جلدية أيضا.

قيل إنه كان لها ابن بالتبنى اسمه عادل ابراهيم؟

الأمر أبسط من ذلك بكثير، عادل كان ابن إحدى مساعداتها فى المنزل واسمها بثينة، وكان ولدا شقيا» لذيذا» أحبته أم كلثوم. نعم كانت تتكفل بنفقاته، لكن أم كلثوم كانت «خيرة» عموما، وقريتها تشهد على ذلك. كانت ترسل سيارات محملة بالأطعمة و الملابس بشكل دورى.

الشائعات والحكايات المختلقة التى طالتها فى حياتها.. ألم تكن تغضب منها؟

لم يكن من السهل استفزاز أم كلثوم. ولم تكن تتوقف أمام ما تعتبره صغائر حتى لا تتعطل. ومن كان يهاجم أم كلثوم، كانت الناس تكرهه هو، لا هى. وهى لم تكن تكذب شيئا. قيل إنها دبرت حادث أسمهان لغيرتها منها: هل يعقل هذا؟!

كان الكاتب الصحفى محمد على ابراهيم- رئيس تحرير الجمهورية الأسبق» قد كتب مقالا فى أحد المواقع الالكترونية قال فيه على لسانك أوصافا عن أم كلثوم عرفها منك عندما تزاملتما فى مجلس الشورى. منها مثلا أنها كانت تغير من أى امرأة جميلة، فكانت لا تحب وردة وتغضب عندما يتأخر عليها بليغ حمدى وتقول له:» ما انت نايم فى العسل مع وردة».. كما نسب لك عنها أنها سيدة متسلطة. ما تعليقك؟

(مندهشا): لم يحدث بينى وبين الكاتب محمد على ابراهيم اى حديث شخصى على الاطلاق، وأعرفه شكلا فقط. أما ما قاله عن لسانى فهو غريب. أولا أم كلثوم كانت تعلم أن أحدا لا ينافسها، فهى تجلس فوق سحابة بمفردها، وكانت تسمع سعاد محمد وشهرزاد، لكنها تعلم موقعها جيدا، ولم تكن لتغير، ففى مرحلة ما من التحقق تصبح الغيرة وراءك لا أمامك. وفى مرة قيل لها: لقد كبرت وعليك التوقف عن الغناء، فكان ردها: عندما أدخل الصالة وأجد كرسيا واحدا شاغرا، حينها سأتوقف عن الغناء، ومن المعروف ان هناك من كان يأتى لها خصيصا من خارج مصر، ليغادر بعد الحفلة. أما كونها متسلطة فعلى من ولماذا.. كانت سيدة بسيطة جدا. ومن يعود لصورها فى أثناء حفل منحها جائزة الدولة التقديرية، وطريقة جلستها، يدرك أنها كانت متوترة جدا، فكيف لأم كلثوم أن تتوتر بهذا الشكل، وعندما تحدثنا عن هذا اليوم، أخبرتنى أنها كانت تستعيد فى مخيلتها رحلتها الطويلة عندما كانت تخرج مع والدها لتغنى فى الحفلات فى القرى المجاورة، ويكون المقابل أطباق المهلبية، وكيف كانت تنتظر قطار العاشرة منذ ساعات الفجر، خوفا من أن يفوتها، فكما كان يقول لها والدها: استنى اللى ما يستنكيش». كانت بسيطة لآخر لحظة، ولا تنسى رحلة كفاحها.

عرفت أم كلثوم بتعليقاتها خفيفة الظل وحسها الفكاهى. هل كانت تلقى النكات أحيانا؟

لا.. لكن كانت لها «قفشات» وتعليقات مضحكة، فقد كان لديها حس غير عادى للفكاهة، وهذا دليل ذكاء فطرى.

كيف تم هدم فيلتها بالزمالك؟

هذه واحدة من أوجاعى، فهذا المكان أمضيت فيه سنوات طويلة من عمرى. ما حدث أنه بعد وفاة أم كلثوم، عرضت الدولة أن تشترى نصيب الورثة فى الفيلا، وتجعلها متحفا لسيدة الغناء العربى. كانت الفيلا قيمتها حينه نحو مليون جنيه، لكن فوجئنا بأن الدولة تعرض شراءها بنحو خمسة أو ستة آلاف جنيه! طبعا لم يقبل الورثة، وتم بيعها لمستثمر سعودى بشرط ألا يهدمها، إلى أن باعها هو لاحقا لمستثمر مصرى، واشترط عليه أن يخصص طابقين لمقتنيات أم كلثوم، لكننا فوجئنا بالهدم فى غمضة عين، وتم تشييد هذا البرج الأسمنتى القبيح. يبدو أن سيدة الغناء الاولى كانت مزعجة للبعض، وكان لابد أن تأتى شخصية ما فى زمن ما ستستولى على المنزل مهما يطل الوقت. لكن ما خفف من أحزانى أن ثقافة المتاحف غير موجودة لدى المصريين.

كم عاش والدك بعد وفاتها؟

نحو ثمانى سنوات.

وكيف جاءت فكرة عمل متحفها فى قصر المانسترلى؟

كان هناك لقاء جمعنى بالسيدة سوزان مبارك ووزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى، لبحث كيفية الحفاظ على تاريخ أم كلثوم، فاستقرينا على عمل المتحف فى قصر المانسترلى بمنيل الروضة، وسلمناهم بشكل رسمى كل مقتنياتها، منها كل النياشين التى كانت تمتلكها، ذهبية وفضية، وجميع فساتينها وكانت بحوزة أقاربها، من بين ما سلمناه أيضا آلة العود التى كانت تعزف عليها، وخطابات بخط أحمد رامى، ونظارتها المطعمة بالماس. كما حصلنا على جناح فى دار الاوبرا باسمها ويضم مجموعة كبيرة من الصور. وهنا تحضرنى واقعة أعترف أنى ندمت عليها كثيرا، وهى المتعلقة بالبروش الشهير الخاص بها على شكل «هلال»، فقد جاء من ضمن نصيب أبى فى التركة، فذهبت به لمصطفى أمين فى أخبار اليوم، بحكم علاقته بأم كلثوم ووقوفها إلى جانبه فى محنة سجنه، وعرضت عليه أن يقيم مزادا على البروش، وبثمنه يتم عمل مشروع كانت تتمنى أم كلثوم تنفيذه للنهوض بفتيات القرية المصرية خاصة اليتيمات منهن، ما يماثل فكرة «القرية المنتجة»، وكانت أرض المشروع موجودة بالفعل،وحكى مصطفى أمين ما دار بيننا فى عموده «فكرة»، ومرت الأيام والاسابيع والشهور ولا شيء يتم فى الأمر، ثم فوجئت أنه يكتب أن البروش أصبح ملكا لمؤسسة أخبار اليوم! وأسقط فى يدى ولمت نفسى كثيرا على سذاجتى. المهم عند افتتاح المتحف، حضر إبراهيم سعده- رئيس مجلس إدارة أخبار اليوم حينها- ومعه علبة صغيرة بها البروش ليوضع فى المتحف، وما إن فتح العلبة حى صدمت، إذ لم يكن هو بروش أم كلثوم على الاطلاق، وبالطبع لم أتكلم، فالكاميرات تصور وجميع مسئولى الدولة حاضرون، وإلا كنت سأتسبب فى فضيحة على الهواء. ولا أعرف إن كان موجودا فى المتحف الآن أم لا، وأذكر أن موضوعا نشرته مجلة المصور على صفحتين بعنوان» أين هلال أم كلثوم؟!».

كنت موجودا ساعة الوفاة؟

عندما علمت بدخولها المستشفى عدت الى مصر لانى كنت مسافرا للخارج من أجل الدراسات العليا. وكان هناك مندوبون من الرئاسة والمخابرات بالمستشفى. الوفاة جاءت مفاجئة بعد حدوث انفجار فى أحد شرايين المخ، والتسبب فى نزيف، أدخلها فى غيبوبة استمرت لأيام قبل ان تلقى وجه ربها.

وهل يحب أبناؤك أغانيها؟

ربما ابنى الأكبر.. أما الباقى فهم جيل مختلف بذوق آخر. لكن أنا أسمعها بالطبع حتى الان وأشعر أن صوتها كالنبيذ الذى « يتعتق» وتزداد قيمته مع الزمن. ومرة حكى لى والدى أنه كان معها فى لندن فى أثناء الكشف على الغدة الدرقية التى كانت تعانى من مشكلة فيها، وفجاة صاح الطبيب الانجليزي: اجمعوا لى فريق الاطباء، فظن والدى أنه اكتشف امرا سيئا، فإذا به يخبره أنه جمعهم ليروا أحبالا صوتية ربما لن يتمكنوا من رؤيتها مجددا، فهى تمثل « أوكتاف كامل»، وهو ما يفسر قدراتها الصوتية العظيمة.

أليس غريبا ألا تجمعكما أى صورة فوتوغرافية سويا؟

لم تكن أم كلثوم من هواة التصوير، و صورها مع والدى قليلة جدا. حتى حفلاتها التى تم تصويرها تليفزيونيا وتعرض حاليا، كانت معترضة على فكرتها إلى أن تمكن والدى من إقناعها.

 

 

«إن أم كلثوم بصوتها النادر في امتيازه سواء في الجمال أو في سلامة نطق اللغة العربية ساهمت عندما غنت القصيدة في إثبات جمال اللغة وطواعية موسيقاها حتي في أصعب الكلمات لموسيقي الغناء، وكان لصوتها فضل في انتشار الشعر العربي علي ألسنة العامة والخاصة» ............................. طه حســــين

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق