رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الديمقراطية والاعتدال والتطرف

تتزايد حدة الانقسامات الأيديولوجية فى الديمقراطيات الأوروبية، فبينما تفقد تيارات يسار ويمين الوسط شعبيتها، يتحول جزء متزايد من الناخبين لوضع ثقتهم فى أحزاب وتيارات شعبوية أكثر تشددا لليمين واليسار؛أما فى الولايات المتحدة، فالحزبان الديمقراطى والجمهورى هجرا منطقة الوسط التى بقيا فيها لعقود، وتسيد الحزب الجمهورى تيار يمينى شعبوى يمثله الرئيس ترامب، فيما تكاد تيارات اليسار التقدمى تسيطر على الحزب الديمقراطي، الأمر الذى يؤكده التقدم الذى يحققه المرشحون اليساريون فى استطلاعات الرأى على الطريق للانتخابات التمهيدية التى تبدأ بعد أيام.

لسنوات طويلة، شاع بين بعضنا التهكم على الديمقراطيات الغربية بسبب التشابه بين الأحزاب المتنافسة، ولأن فوز هذا الحزب أو ذاك بالانتخابات لم يكن يؤدى إلى سياسات مختلفة، حتى ذهب البعض لوصف العملية الديمقراطية بأنها تمثيلية، تتبادل فيها الأحزاب الأدوار لخداع الناخبين . لكن يبدو أن السياسة الديمقراطية لم تعد مملة إطلاقا، وأصبح فى الأمر مساحة كبيرة للمفاجآت والإثارة والمخاطرة، بل والقلق والخوف، حتى بات الكثيرون يحلمون بالعودة إلى زمن السياسة الديمقراطية الرتيبة المملة.فكيف ستؤثر هذه التحولات على مستقبل الديمقراطية؟ النظرية الديمقراطية قديمة قدم أرسطو فى العصر الكلاسيكي، وجون لوك فى القرن السابع عشر، أما الحزبية والإيديولوجيات فقد جاءت بعد ذلك بكثير، فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، عندما ظهرت الأيديولوجيات القومية والليبرالية والاشتراكية والمحافظة. فالتحزب، ناهيك عن الاستقطاب الأيديولوجي، لم يرد على ذهن منظرى الديمقراطية الأوائل، الذين رأوا فى الديمقراطية نظاما للسيطرة على حب السلطة والرغبة فى الانفراد بها المتأصل فى الإنسان، ونظروا إلى المجالس الديمقراطية، وتداول الآراء الذى يجرى فيها، باعتباره جهدا جماعيا للكشف عن الحقيقة، وللوصول إلى القرار الصائب، الذى يعجز العقل والجهد الفردى عن الوصول إليه.

لم يتصور منظرو الديمقراطية الأوائل أن هناك ما يدعو البشر للاصطفاف فى جماعات دائمة طوال الوقت، وعبر كل القضايا. ربما جاز تصور حدوث ذلك عندما يؤمن الناس بديانات ومذاهب دينية مختلفة، ولكن فى مجال السياسة الديمقراطية، حيث يسود العقل والمنطق، فإن التحزب والاستقطاب الأيديولوجي، بدا أمرا شاذا من وجهة نظر الآباء المؤسسين للفكر والنظرية الديمقراطية. عندما نفكر فى الديمقراطية الآن فإننا نميل للنظر لها على أنها طريقة لحل الخلافات بين أحزاب وتيارات أيديولوجية متصارعة. غير أن هذا الأمر لم يرد على ذهن منظرى الديمقراطية الأوائل، الذين تصوروا الديمقراطية نظاما يحفظ وحدة وتماسك المجتمع السياسى من خلال توفير آليات لحل وتجنب الصراعات. ما يحدث أخيرا هو حالة جديدة، تبدو فيها الديمقراطية وهى تنتج انقسامات تفتت المجتمع، لا أن تسهم فى الحفاظ على وحدته.

الديمقراطية هى سيادة رأى الأغلبية، لكن رأى الأغلبية لم يصبح له تعريف أيديولوجى إلا حديثا. الديمقراطية المعاصرة هى طريقة لتنظيم النصر والهزيمة، وإعلان الرابحين والخاسرين، ولكنها ليست بالضرورة طريقا لتحويل المجتمع للأفضل طالما كان تداول الرأى والنقاش الذى يجرى فى المؤسسات الديمقراطية المعاصرة يستهدف الانتصار لعقيدة ورأى معين، وليس كشف الحقيقة واختيار الأفضل. الديمقراطية كما تجرى ممارستها الآن هى طريقة لتنظيم الصراعات الأيديولوجية، لكنها ليست طريقة لمساعدة المجتمع على التقدم، إلا بالقدر الذى يكون فيه احتواء الصراع مفيدا لرفاهة المجتمع وتقدمه.الديمقراطية فى ظل الاستقطاب الأيديولوجى هى طريقة لإعلان الفائز والمهزوم، وهى طريقة لتكريس الانقسام، لا تشجيع التوافق. فى مجتمع منقسم، فإن مضمون الرأى ليس هو المهم، ولكن المهم هو مصدر هذا الرأي. فى مجتمع منقسم، يصعب إدارة حوار يقوم على التأكد من الوقائع، والتحليل المنطقي، فكل شيء يتحدد وفقا للمواقف الأيديولوجية، حيث يبدو أنصار كل تيار مستعدين للتسامح مع المخالفات غير الديمقراطية التى يرتكبها أعضاء حزبهم، فيما يرون الخطأ فى كل ما يقوم به الطرف الآخر. لاحظ أن عضوا جمهوريا واحدا فى مجلس النواب الأمريكى لم يعط صوته لخلع الرئيس ترامب الذى أجمع عليه النواب الديمقراطيون. المؤسسات الديمقراطية تفقد معناها عندما يتحول النقاش والتداول إلى تضييع وقت، وإلى نشاط عديم الفائدة، بعد أن يتحول إلى شيء معروفة نتيجته سلفا، بسبب اصطفاف النواب حول أحزابهم، خطأ وصوابا.

العصر الذهبى للديمقراطية هو العصر الذى كانت فيه الديمقراطية أداة فعالة لإشاعة الاعتدال السياسي، تدفع الأحزاب والقوى السياسية لتبنى مواقف وبرامج وسطية. هل تذكرون عندما تخلت الأحزاب الشيوعية الأوروبية عن أفكارها المتشددة فى السبعينيات، فتحولت إلى أحزاب يسارية معتدلة، فيما عرف بالشيوعية الأوروبية، لتمييزها عن شيوعية الدولة السوفيتية. لقد كانت هذه واحدة من أشهر وأقوى الحجج التى تم استخدامها للترويج للديمقراطية, أما التشدد والتحولات الأيديولوجية الجارية فى المرحلة الحالية فتثير السؤال عما إذا كانت الديمقراطية قد فقدت قدرتها على تعزيز الاعتدال السياسي؟!

نظرية الناخب الوسيط هى من أكثر النظريات فاعلية فى تفسير الطريقة التى كان يعمل بها النظام الديمقراطي، ووفقا لها فإن الحزب السياسى لن يفوز بالانتخابات حتى يكيف مواقفه بحيث ترضى قسما كافيا من الجمهور غير المناصر له، وعليه أن يواصل القيام بذلك حتى يفوز بأغلبية أصوات الناخبين. فالحزب الذى يقف ناحية اليمين عليه أن يتحرك تدريجيا ناحية الوسط،، وهو نفس ما يفعله الحزب القادم من اليسار، وهكذا يتقارب حزبا اليمين واليسار، ويسود الاعتدال، بعد أن تتحول السياسة الديمقراطية إلى منافسة من أجل إرضاء الناخب الوسيط. التطرف والشعبوية، وليس الاعتدال والوسطية، هو ما باتت السياسة الديمقراطية تنتجه اليوم؛ ولم تعد آلية إرضاء الناخب الوسيط هى الآلية التى يعمل وفقا لها النظام الديمقراطي، فأى نتائج يرتبها هذا على مستقبل الديمقراطية؟ وأى أثر يتركه على مجتمعات تخطو خطواتها الأولى للاستعانة بالديمقراطية كأداة للدمج السياسى وتشجيع الاعتدال.


لمزيد من مقالات د. جمال عبد الجواد

رابط دائم: