رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الفضاء الروائى فى «أيام بغداد» للجيزاوى

د‏.‏ يوسف نوفل;

منذ أصدر خليل الجيزاوى روايته يوميات مدرس البنات عام 2000، وصوت الراوى العليم واضح يتلمسه العارف به دون مشقة، يتضح حينًا ويتوارى حينًا، مُرورًا برواياته: أحلام عائشة 2003، فالألاضيش 2004، فمواقيت الصمت 2007، فسيرة بنى صالح 2011، إلى جانب ما أصْدره من مجموعات قصصية، إلى جانب دراساته النقدية والفكرية ونشاطه فى الصحافة الأدبية المصرية والعربية، وقد نما هذا الصوت الذى يعْرفه مَنْ قرأ إبداع خليل الجيزاوى، والذى حمل عنوان» سيرة...» فى العمل السابق، حتى غدا سيرة ذاتية، أو على وجه الدقة، جانبًا منها، فى أيامه فى بغداد.

......................

الفضاء الروائي

للسيرة الذاتية نكهة خاصة فى التلقى، خاصة حين يكون المُتلقى على علم ومعرفة بشخصية السارد بطل السيرة الذاتية، والسارد هنا هو خليل الجيزاوى نفسه فى سَرْدٍ سَلِسٍ يَأْخُذُ بتلابيب المُتلقى منذ مدخل فنّى ونص مُواز هو الإهداء القافز إلى أعماق السرد ونهاياته: «إلى ضُحَى وكريمة وسوزان أجمل بنات العراق، وأحلى أيام العمر»، ليكون ذلك مفتاحًا لارتياد فضاءات المكان والزمان معًا: المكان العراق، والزمان العمر والأيام.

أما المكان، فهو بين أماكن العمل التى كان يعمل بها البطل صيفًا بين الملهى الليلى بالهرم، والمقهى، ومع مقاول الكهرباء، ومطعم الفول والطعمية بميدان تريومف مصر الجديدة، ومحل الكشرى 18 ساعة متصلة، وما شابهها، حتى ذلك المكان الفاصل بين المكان الأم، مصر، والمكان المهْجر، العراق، وهو السفينة، وعلى الرغم من ضيق الحيّز المكانى والزمانى، معًا للوصف الفنى للسفينة فإنه جاء على جانب كبير من بلاغة السرد والوصف معًا فى «يوم أو نهار حار لافح طويل، وكأنه يوم الحشر»، أما السفينة فبطنها «كالقبر الجماعى، ومثل كهف أسطورى».

وما تذْكر السفينة بصفاراتها الطويلة المُؤْذنة بالمُغَادرة والفراق والبعاد والنأى، إلا ويقترنُ بها البحر، حيث ميناء السويس، الميناء المُمتلئ بالناس الباحثين عن الرزق، والموانئ دائمًا حافلة بالرموز فى الفنون، ومعها الاغتراب، ومرارة معايشته حتى بادر السرد بالحكمة الدالة: «الغربة مع المال لن تأتى براحة البال».

والبطل «يَغْسل حزنه بماء الوضوء»، وهكذا أوغل المكان فى الاغتراب بعيدًا عن مصر، عن السويس مُتنوعًا مُتعددًا، إلى العقبة على مدى 18 ساعة و580 كم، فمدينة عمـّان، فمدينة سامراء، وساحة جامع سيدى على الهادى الممتلئة بالمصريين المغتربين اللاجئين إلى مجاهيل الرزق، وحيّ الأعظمية، وساحة النعمان، والنجف وبغداد، وبينهما 170 كم، والحلة، وبينها وبين النجف 70كم، وكما عمل فى مصر عملا يدويًا، عمل هناك مع مقاول المبانى، وفى فندق، كما عمل رفاقه من الفارين من الفقر والحاجة إلى شقاء البحث عن الرزق.

على أن المكان القابع تحت كابوس حرب «قادسية صدام حسين» على طول الحدود الشرقية للعراق، هو المُسيطر، حيث يتم تجنيد العراقيين والدفع بهم إلى أتون المعركة.

أما الزمان، أو بمعنى أصح جانب من الزمان، فقد اتصف الزمان هنا «بالحلاوة»، بينما سبقه وتلاه جوانب أخرى من الزمان تستعصى على صفة «الحلاوة» المُقترنة بذكْر الحسناوات، وقد تتصفُ «بالمرارة»؛ حيث معاناة بطل السرد الطالب الجامعى فى إحدى كليات الآداب، اليتيم متوسط الحال، الذى يضطرُ للعمل فى العطلات الصيفية لجامعته فى عمل شاق متواضع؛ نظرًا لحالته الاجتماعية، وتكون هذه النقطة الفاصلة من الزمان فى» وطن كاره أهله يرميهم للعراق أيام الحرب المشتعلة»، و»فى ظروف صعبة تمر بها مصر»، بادئًا بزمن من الأيام فى بداية المسيرة حيث طابور البشر المتجه إلى السفينة، ليخرج من حدود مصر، كأنه «يوم الحشر العظيم»، فى «يوم أو نهار حار لافح طويل، وكأنه يوم الحشر»، مُوقنًا «أن أيام سفره الحالى لن تكون أحسن حالا من أيامه الماضية، وأن سفره لن يكون مفروشًا بالورود»، مُتناقضًا بإحساسه هذا مع شيئين محسوسين: الحلاوة، وصدى أغنية ذلك الزمان (1982): «سلامات سلامات سلامات».

حتى تتسع بؤرة الزمان لتصب فى العنوان الدالّ بالجمع والإضافة (أيّـام بغداد) الجامعة بين الزمان المعاصر؛ زمن «صدّام حسين»، من ناحية، وزمان العراق التليد، ذلك الزمان البابلى، حيث كانت المرأة العراقية وريثة «عشتار» الجميلة، إلهة الجنس والحب والجمال والتضحية فى الحرب عند البابليين، وهى فى هيئة امرأة عارية تركبُ وحوشًا، وقد خاطبها «جلجامش» فى ملحمته الشهيرة، تقابلها أفروديت عند اليونان، وفينوس عند الرومان، ومع ذلك الزمان البعيد الزمان الدينى حيث السُنَّة والشيعة، ويوم عاشوراء، ومكانته فى تاريخ الشيعة، خاصة فى مدينة النجف، كل ذلك فى الزمان السائد المسيطر آنذاك، زمان حكم «صدّام حسين».

شخصيات الرواية والفـــرار

من الفقـــر إلــى القهـــر


فى ذلك المكان المُتعدد المُتلون، وفى ذلك الزمان المُتعدد المُتلون، ووسط ذلك التنوع المكانى والزمانى نرى تفاعل الإنسان مع الزمان والمكان، ونقف أمام أنماط من الشخصيات المطحونة المقهورة، التى تشعر بالهزيمة، بل تسكنها الهزيمة، والمنطلقة والفارة من شظف العيش وقحطه وجدْبه إلى مرارة الاغتراب والشقاء والمعاناة والقهر والهزيمة النفسية، فى مغامرة البحث عن الرزق فى بلد تكتوى بنار الحرب الهوجاء، حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وتُعَانى فقدان أبنائها فى فوهات المدافع، وأتون المعارك، فتحاول الاستعاضة عن أبنائها بأبناء غيرها، ومن ناحية أخرى بلد تعانى الضعف الاقتصادى، فتضحى بأبنائها، وفلذات أكبادها، وتلقى بهم «بدائل» عمّن التهمتهم الحرب فى العراق، لقمة سائغة فى براثن الموت، وهذه المقايضة غير العادلة، وغير الأمينة تزداد مأساويتها حين نرى آثارها السوداء تحصد فئة معينة من البشر، وهم أنماط من فئة عمْرية مُتقاربة، هى فئة الشباب الفّار من الفقر إلى القهر، حيث تنهار دلالات «الشباب» وإيحاءاته المُتوقعة والمُوحية بالغد والفتوة والقوة والأمل، لنجد صراع الأحاسيس والمشاعر، وتضارب الرؤى وسواد الطريق، بل نرى هزيمة الإنسان المُعاصر فى صراعه ومقاومته واستسلامه، وتأرجحه بين قبوله ورفضه، رضاه وسخطه، هزيمته واستسلامه، وكأنه، وهو فى الزمن المعاصر، يُسافرُ ويتراسلُ مع الحضارة القديمة فى الزمن السحيق، البعيد عن زمن السرد، مع بابل وآشور، مع العراق القديم، وكأن لسان السرد يَصيحُ بملء الفم: «ما أشبه الليلة بالبارحة» فى مسيرة الإنسان الكادح دومًا، الإنسانُ المُنهزمُ المُنكسرُ المُتقوقعُ فى ركنٍ من حُطامِ الحياة يتلقى طعنات الدهر وويلاته وهجماته المُتوالية، فى حيرة بين الوطن الأم الطارد والمجافى والمانع من ناحية، والمكان الغريب المسقبل الحاضن، من ناحية، وبينهما البحر، وكأنه أنموذج «طارق بن زياد» بين البحر والعدوّ، وحاله أنه «سجين بين الفقر والفقر»، فى مرحلة شبابه المتفتح أمام بوابات الأمل الموصدة بقيود اليأس والفشل والإحباط، وفوّهات العذاب التى تفتحُ أفواهها دون رحمة مُلتهمةً مُلتهبةً.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق