رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الديمقراطية بالسلاح

بعدما اجتاح التدخل الأنجلو أمريكى العراق عام 2003 ذكر متحدث بالبيت الابيض ان العراق بوضعه الجديد اى بنجاح الغزو الانجلو امريكى سيكون قاطرة التحول الديمقراطى فى البلدان العربية. حينذاك لم يعبأ الحكام الجدد بكل الخراب الذى اصاب العراق الشقيق سواء بهدم المؤسسات العامة ما عدا المبنى المسئول عن المؤسسات البترولية وتعمد تحطيم المتاحف وسرقتها وقتل عشرات الآلاف من المواطنين وتخريب الزراعة والوحدات الصناعية، فهذه أمور يمكن للمقاولات الامريكية إعادة بنائها بسرعة لما يملكه العراق من ثروات ولكن الاهم عند الغزاة هو بناء الديمقراطية التى ستكون النموذج العربى الجديد الذى يمكن نقله الى كل بلدان المنطقة.

ولا نستطيع ان نبرئ أنفسنا ولا حكامنا من تحمل مسئولية ما حدث، ذلك لأن العراق حتى ذلك التاريخ كان يمر بمرحلة بناء الدولة الدستورية التى وضع حجر الاساس لها عام 1923 يوم أن خرجت الالوية الثلاثة لواء البصرة وبغداد والموصل من عباءة الدولة العثمانية المنحلة بعد الحرب العالمية الاولي. ولم يكن الخروج من العباءة العثمانية بعد نضال أو مطالب ثورية وانما بسبب هزيمة رجل اوروبا المريض الدولة العثمانية فى الحرب ونجاح كمال أتاتورك وتنظيمه «تركيا الفتاة فى الاقتراب بتركيا من اوروبا والابتعاد بها عن العرب المتخلفين. كانت دولة ملكية دستورية تضم نحو 17 اثنية واصحاب ديانات ولكن يستمر الشيعة والسنة والكرد يشكلون المحور الأساسى فى هذه التركيبة الاجتماعية بدرجة من الحساسية فى التعايش. ولكنها كانت حساسية تذوب بعض الشيء جماهيريا ولكن مع تزايدها على المستوى السياسى خاصة بعد وصول حزب البعث إلى سدة الحكم.

ولا شك أن الشعب العراقى تحرك فى تجمعاته السياسية بعد سقوط صدام حسين فى حركة كان محروما منها غير واع أو ملاحظ ان التنظيمات السياسية التقليدية من يسارية وليبرالية كانت اضعف من تلك التنظيمات العرقية او الدينية الكردية والشيعية التى وقعت تحت القهر الشديد من النظام والفكر البعثيين. ولا يمكن القول إن الحكام الجدد الغزاة كانوا فى غفلة من ذلك الواقع السياسى العراقي. ويمكن التأكيد أنهم كانوا على علم كما كانوا على درجة كبيرة او متوسطة من التعاون مع بعضهم. فقط التقط الغزاة الاعداء الذين صفهم صدام حسين فى مواجهته وكانوا بالتحديد الكرد فى الشمال والشيعة فى الجنوب. ولكن كان للشيعة ميزة نسبية وهى انهم على حدود مشتركة مع ايران وذكرياتها فى الحرب العراقية الإيرانية واطماعها القديمة الجديدة. اما الكرد فكانت حدودهم فى حالة عداء كامل مع حدودهم الشمالية التركية ذات العداء المستمر مع الكرد كإثنية تريد ان تحقق حلمها الوطنى مهددة جزءا مهما من الشرق التركي.

وإذا كنا نرى الديمقراطية ذات اسس وقواعد ثابتة فى كل البلدان ولكنا نراعى ان هذه المسيرة النضالية الديمقراطية لا تنمو أو تزدهر فى كل البلدان فى المسار نفسه وبنفس الطرق، والسبب الرئيسى هو تباين درجات التطور الاقتصادى والاجتماعى فى كل البلدان. فلسنا جميعا فى المرحلة الحديثة ذات المكونات الصناعية القوية ولا كلنا فى مراحل الحداثة أو ما بعدها. فالديمقراطية التى نسعى إليها نحن أبناء الوطن العارفين بتاريخه وبحاضره هى تلك التى تراعى الاصول السياسية للديمقراطية فى مجتمعات تضم عدة مراحل نمو فيها ما هو قبلى وزراعى وعلى مداخل الحداثة. كما نعلم نحن اصحاب هذه البلدان أننا نملك صفوة سياسية تستطيع ان تقود قاطرة الديمقراطية ولكن المصاحبة للتنمية الاقتصادية الاجتماعية والثقافية. هكذا تكون ديمقراطيتنا التى تحترم القواعد الاساسية للتمثيل النيابى والمجتمع المدنى والنشاط النقابى والقوانين الدولية ولكن كل ذلك لابد ان يكون مصاحبا للتطور الاقتصادي. هذه هى ديمقراطيتنا التى قد تحتاج منا الى زمان طويل ولكنها تبنى على القواعد السليمة التى تشكلت فى اوروبا لمدة 500 عام حتى استطاعت الشعوب الاوروبية بناء المجتمع الديمقراطى الذى تزهو به هذه الشعوب الآن.

ولكن ماذا حدث للعراق العزيز بعد رفع ذلك الشعار الكاذب والمضلل قاطرة الديمقراطية فى البلدان العربية. إلى الآن لا نستطيع القول إن السياسيين العراقيين الذين تولوا الحكم منذ عام 2003 نجحوا فى مجرد استكمال بناء الدولة العراقية التى يمكن ان تتطور فى المستقبل. بات الآن التقسيم الطائفى اكثر وضوحا وتأثيرا فى امور البلاد حتى تحولت المحاصصة القديمة إلى نظام طائفى واضح. كما تفتتت البنية الانتاجية القديمة وبات العراق يستورد كل احتياجاته من الخارج وتحديدا من إيران. لقد تم إغلاق وتصفية 20 ألف وحدة صناعية بين كبيرة ومتوسطة وصغيرة لم تستطع كلها مواجهة المنافسة فى سوق مفتوحة. كما بات العراق بلدا يعتمد فى تصديره على البترول بنسبة 95%.ولم تعد الزراعة تسهم فى الناتج الاجمالى كما كانت قديما. وبذلك ضعف الجانب الاقتصادى الذى يسهم فى دعم البناء البشرى الصانع للدعامة الانسانية للتطور العام. أما بالنسبة للاستقرار السياسى قفد اصبح الداخل الوطنى يعانى نشاط 68 منظمة مسلحة فى اغلبها منظمات شيعية الانتماء تعمل خارج سيطرة الحكومة المركزية وبقيادة غير عراقية. ضعفت الاحزاب اليسارية والديمقراطية فى مواجهة التيارات الطائفية والدينية. وفى خضم الفوضى الداخلية العامة استطاعت تركيا اقامة مشروعات زراعية امتصت ثلثى المياه المخصصة قديما للعراق. أما الاتحادات المهنية والعمالية والفلاحية والنسائية التى كانت فى الماضى البعثى موجودة على الرغم من كونها كانت مجرد هياكل تتحرك فى إطار حركة حزب البعث بغض النظر عن إرادة عضويتها، فلم تعد موجودة حتى كهياكل يمكن إنماؤها وتقويتها. إذًا يمكن القول إن العراق فى حاجة لإعادة البناء السياسى والاقتصادى الذى يسمح لها بأن تبدأ بناء كل ما له علاقة بتقدم الدولة بمرحلة البناء الديمقراطى الصعب ولكن تعتمد هذه المرحلة على أكتاف ابنائها وليس على فوهات البنادق.


لمزيد من مقالات أمينة شفيق

رابط دائم: