رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أسئلة إلى العبد الصالح !(2)

فى هذا الفجر لم يكن التصور مكتملا، لكن المخيلة أصرت أن تسير فى طريقها تستهدف مجمع العقل والروح مستهدية بخرائط غير خرائط الجغرافيا، فى ظلمة فجر ينيره نجم ثاقب على إيقاع المتون المقدسة التى تتوارد إلى سمعه المغسول بماء الفجر، فى ممر بدأت تصدح فيه رويدا طيور تعزف على إيقاعات كون أبدي. وسمع قلبه صوتا يخترق أصوات الطيور الطاهرة، يقول: سر واقترب، فمن بدأ السير سوف يجد العون، ومن جاهد فى البحث سوف يهتدي، اقرعوا يُفتح لكم.

سار يس على مسار الصوت فوجده مبتسما قائلا : لنستمع هذه المرة إلى أسئلة وليست إجابات! لكنى أحذرك أن تسألنى على خلفية حكايات مروية حول المتون المقدسة تذكرها التفاسير، بل اسأل على خلفية المتون نفسها خالصة من الحكايات التى شوهت المقاصد والدلالات مع أنها أمتعت العوام وقادت الأحبار إلى بحور من الأساطير فى عالم آخر لا يتلامس مع الكتاب الكونى المقدس الذى يتوسطه مجمع البحرين!

هنا فكر يس أن يسأله: هل الله تعالى رب المسلمين فقط أم رب العالمين كلهم؟ لكنه قال لنفسه قبل أن ينطق ويتلفظ بهذا السؤال: هل نسيت أن الله الذى يدعو له النبى الكريم ليس رب المسلمين فقط، بل رب العالمين؟ هل نسيت أن أول آية فى القرآن تختص من بين أسماء الله (الرحمن الرحيم)؟ هل نسيت أن ثانى آية فى القرآن تختص من أسمائه (رب العالمين)؟ هل نسيت أن معنى هذا أنه رب المسلم وغير المسلم، رب الصالح والفاسد، رب الأسود والأبيض، رب الذكر والأنثي، رب الإنسان والحيوان، رب الأنبياء والكذبة، رب النظيف والنتن.. رب جميع العالمين مثلما هو رب جميع الألوان على صفحة الغابات التى ترتوى بماء السماء المنهمر. واستمر فى حديثه الداخلى مع نفسه: ألست أنت والمصريون والعرب المسلمون تقرؤون الفاتحة كل يوم فى صلواتكم؟ ألا تفهمون؟ هل حدث عندكم انفصام بين ما تتعبدون به وبين ما تعيشونه؟ ما هذا الإسراف فى رفض الآخر؟ ما هذه الحرائق التى تشعلونها حول المختلفين معكم؟

فقال العبد الصالح مبتسما: أنت سألت وأنت أجبت على الرغم من أنك لم تنطق!

فقال يس : فى هذه المرة سوف أنطق لكنى متردد، هل يجوز أن نسأل السؤال الآتي: هل صوت الكافر يصل أيضا إلى الله!!

فرد العبد الصالح قائلا: افتح مسند الإمام أحمد بن حنبل فسوف تجده يروى حديثا صحيح المتن عن المبعوث رحمة للعالمين: دعوة المظلوم -وإن كان كافرًا - ليس دونها حجاب.

قال يس موجها سؤاله إلى السماء: يا ربي.. أَفهم أنك مع المظلوم.. لكن هل أنت سبحانك مع المظلوم الكافر أيضا؟ يجيب العبد الصالح: نعم إنه سبحانه مع المظلوم الكافر أيضا.. انظر فى الحديث نفسه فسوف تجد دعوة المظلوم - وإن كان كافرًا - ليس دونها حجاب؛ نعم، يا يس، إن الله مع المظلوم الكافر أيضا. ألا تؤمن أن الله هو العدل المطلق، بلا تمييز، وأن القرآن الكريم يقول: ( يَا أَيُّهَآ الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ). ألا تعلم أن رحمة الله تتسع للجميع بقدر اتساع الألوهية واتساع أسمائها اللامتناهي. وأضاف العبد الصالح: لابد أن تعيد التفكير فى دلالة أن أول آية فى القرآن تختص من بين أسماء الله (الرحمن الرحيم)؛ فاسم الرحمن يشير لاتساع الرحمة واسم الرحيم يشير لاستمرار فعل وممارسة الرحمة تجاه المخلوقات. لكن يبدو أنكم ترددون (بسم الله الرحمن الرحيم) كثيرا جدا قبل أعمالكم وفى صلواتكم لمجرد التبرك وليس للفهم والعمل! ألا تفكرون لماذا جاء أولا الاسم الأعظم (الله) الذى يشمل أسماءه الحسنى وأعماله اللانهائية سبحانه، ثم اختص منها (الرحمن)، وهو فى اللغة على وزن فعلان مما يدل على الاتساع والكثرة والامتلاء والشمول، ويأتى هذا الاسم غالبا فى الاقتران والترتيب بعد الاسم الأعظم (الله)، مثل قوله تعالى :(قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن...).

وأعود فأقول لك: إنكم ترددون لفظيا (بسم الله الرحمن الرحيم) كثيرا جدا قبل أعمالكم وفى صلواتكم لمجرد التبرك وليس للفهم والعمل!

- عاد يس فسأل العبد الصالح: هل لأننا مختلفون يجب أن نكون أعداءً؟

أجابه بقول الله تعالي:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا). وهنا أدرك يس من إجابته ضرورة الإيمان بالتنوع حسب المتن المقدس. لكنه عاد ليسأله: هل المتن المقدس يتحدث عن أمر مثالى غير ممكن تحققه فى التاريخ؟

فأجابه : إنكم مثلما تعيشون المتن المقدس لفظا لا معني، وتبركا لا عملا، تعيشون التاريخ على هامشه وفى أغلب الأحيان خارجه! أنتم لا تقفون إلا عند الظاهر المباشر الحسي، ولا تنظرون فى منطق الأشياء، ولا أسباب الأحداث ولا مقاصدها، ولا تتعلمون من قوانين التاريخ، إنكم كما قال عنكم أعداؤكم تقرأون التاريخ من أجل التغنى بالمجد فى سالف الدهر، ولا تستقرئون التاريخ من أجل فهم سننه التى دعاكم المتن المقدس تكرارا إلى فهمها، وتحولون السنن إلى معجزات خارقة بتدخل إلهى لكنكم لم تفهموا أبدا أنها قوانين يجب استنباطها والعمل بها، وأن من يعمل بها سوف ينتصر حتى لو كان كافرا! إننى أقول لكم جميعا وأقول لك - كما قلت لموسى من قبلكم- (إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا).

وهنا قال يس للعبد الصالح : أرجوك اصبر أنت قليلا معى ومع قومى لعلنا نفهم، حتى وإن أرهقناك فلا ترهقنا من أمرنا عسرا!

قال العبد الصالح: إذن نلتقى مع فجر جديد فى مجمع العقل والروح عندما يتقاطع اللفظ مع الدلالة وتتقاطع الحروف مع المقاصد!


لمزيد من مقالات د. محمد عثمان الخشت

رابط دائم: