رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الحالة الخطيرة لترامب وأمريكا

2020 هو العام الأصعب للرئيس الأمريكى ترامب والولايات المتحدة الأمريكية معا، فمحاكمة الرئيس للمطالبة بعزله تبدأ الثلاثاء المقبل، وهذا المأزق ليس الوحيد الذى يتعرض له ترامب، فالمحاكمة ترافقت مع إصدار مجلس النواب قرارا يحد من صلاحيات الرئيس فى شن حرب ضد إيران، التى أعلن رئيسها حسن روحانى عن رفع مستوى تخصيب اليورانيوم، والتخلى عن التزاماتها بالاتفاق النووي، لتزيد من التحديات التى تواجهها أمريكا من الصين وكوريا الشمالية وروسيا وحتى أمريكا الجنوبية، فى الوقت الذى تجددت فيه الحملات القوية التى تعصف بسمعة الرئيس ترامب، فى ظل انقسام داخلى غير مسبوق فى حدته.

الحديث عن الحالة الخطيرة للرئيس الذى سيخوض الانتخابات الرئاسية هذا العام لا تخص ترامب وحده، فتلك الحالة الخطيرة ظهرت أعراضها على الولايات المتحدة ونخبتها السياسية الحاكمة، والمعارك فى الخارج لا تنتهى مع خصومها وحلفائها على السواء، فاللجوء إلى التهديدات واستخدام العقوبات والتلويح باستخدام القوة العسكرية، بل استخدامها بالفعل، وتعرض قاعدة عسكرية أمريكية لهجوم مباشر بصواريخ باليستية، هى أعراض أوسع من لصقها بالرئيس ترامب وحده، ولا يعنى أن تزيد الولايات المتحدة من موازنتها العسكرية هذا العام إلى 750 مليار دولار أنها استعادت هيبتها، والحديث على أنها علمت مسبقا بالهجوم الصاروخى الإيرانى على قاعدتى عين الأسد والحرير فى العراق، وأنها أخلت أو أخفت الجنود الأمريكيين فى مكان آمن، لا يخلو من إساءة بالغة للقوة العسكرية الأمريكية الضخمة، والتى تعنى أنها كانت تخشى الصدام الواسع مع إيران، بدلا من التصدى لها، لكى تثبت أنها الأقوى بالفعل وليس بأرقام الموازنات العسكرية، خاصة أن لديها 70 ألف مقاتل فى منطقتنا، تمثل نحو 40% من حجم قواتها فى الخارج، البالغ عددهم 170 ألف مقاتل، وهو ما يعنى أهمية منطقة الشرق الأوسط للولايات المتحدة، رغم أنها لم تعد بحاجة إلى استيراد النفط والغاز، وتستخرج المشتقات البترولية من الصخور، لكن الأمر لتطويق الصين وروسيا وحرمانهما من الوجود فى تلك المنطقة الحيوية، سواء بإنتاجها من النفط والغاز أو لموقعها بين الشرق والغرب، حيث السباق المحموم على قيادة العالم بين الكتلتين الكبريين، ولا يمكن تصور أن صعود ترامب إلى مقعد الرئاسة فى البيت الأبيض كان خطأ غير متعمد فى دولة تمتلك أقوى المؤسسات ومراكز البحوث والدراسات وأجهزة المخابرات والإعلام، والتى تشكل الدولة العميقة الأمريكية، القائد الفعلى والمحرك لمسارات الأحداث فى الداخل والخارج، وهو ما يعنى أن الأزمات الأمريكية أعمق من المشكلات المتعلقة بشخصية ترامب وسلوكياته وتغريداته، فالأزمات مع الصين وروسيا وإيران وعدد من دول أمريكا الجنوبية على رأسها فنزويلا كانت نتائجها فى غير صالح الولايات المتحدة، حتى اريكن الرئيس الفنزويلى مادورو الذى يقود دولة مفككة استطاع أن يصمد، بل يتقدم إلى الأمام رغم كل الجهود الأمريكية لتنحيته عن مقعد الرئاسة، أما التوصل إلى اتفاق تجارى أولى مع الصين فلا يبدو أنه حقق أهداف ترامب، فقد جرى ربط إلغاء الرسوم الجمركية على معظم الواردات مع الصين مقابل أن تزيد الصين وارداتها من المنتجات الزراعية الصينية خاصة فول الصويا، فالضرائب الجمركية الأمريكية على الواردات الضخمة من الصين التى بلغت 450 مليار دولار تضر بالمستهلك الأمريكي، ومازال الفائض التجارى لصالح الصين بنحو 300 مليار دولار فى العام الماضي، وإيجاد بديل للواردات من الصين مكلف وصعب ولا يحل الأزمة الأمريكية المتمثلة فى العجز الكبير فى الميزان التجاري، وأقصى ما يمكن أن تفعله هو تنويع مصادر الاستيراد، ليقل العجز فى الميزان التجارى مع الصين، لكنه يزيده مع دول أخرى مثل فيتنام وتايوان والهند، لكن السوق الأمريكية لا تجد بديلا مناسبا عن الصين لسد احتياجاتها، بينما يسهل على الصين أن تشترى فول الصويا من بلدان نامية، ولهذا اضطر الرئيس ترامب إلى عقد الاتفاق حتى لا يخسر أصوات المزارعين الأمريكيين، الأكثر تضررا من الحرب التجارية، ويتباهى الرئيس الأمريكى ببند ينص على حماية الملكية الفكرية، متجاهلا أن الصين أصبحت أكثر تفوقا فى هذا المجال.

إذا كان الرئيس الأمريكى فى حالة خطيرة وفق عنوان الحملات التى تنال منه وتسعى إلى عزله أو إضعاف فرصة فوزه فى الانتخابات الرئاسية، فهى عنوان أيضا لحالة الولايات المتحدة الأمريكية، التى تتدحرج فى أزمات عميقة أكثير فأكثر، وتجرب رؤساء بمواصفات مختلفة، لكنها تفشل فى كل مرة، فلا جورج بوش نجح فى احتلال العراق وأفغانستان، ولا الرئيس السابق باراك أوباما حقق شيئا بحروبه الناعمة أو عبر الوسطاء، ولا الفوضى الخلاقة أو الهدامة أو المعارك المباشرة قد حققت سوى الدمار الأوسع والخسائر الأفدح، ولهذا فإن أمريكا كلها فى مأزق وليس ترامب وحده.


لمزيد من مقالات مصطفى السعيد

رابط دائم: