رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

هذا البلد

سمير المنزلاوى

عزيزى نبيل

ها أنا ذا فى الإسكندرية، الورق أمامى و صدى حديثك عن المغامرة والتجريب و التدفق يتردد فى الغرفة،استغرقت محاولة الكتابة ليلة طويلة مليئة بالقلق، و بأطياف شحاتة التى حدثتك عنها و قد جاءت المقدمة هكذا: «قالت البنت رحمه - الحمراء كالتفاحة لأبيها عبداللطيف الملوانى وهى تكب دمعا- إن محمود زعلوك قطع طريقها كعادته بل ومد يده ليمسك صدرها أمام أصحابه! تقلبت حصوات المرارة كالسكاكين فى أحشائه فتلوى و دخل الحمام عدة مرات. لما جاء محمد - ابنه البكرى - خلا به فى معطن الجمل وكاشفه بأن الوضع استفحل ورسم له الخطة! امتلأ وجهه بالشر، و فى نفس الليلة سهر مع غريمه فى المقهى أمام فيلم على القمر الأوربى، كان محمود زعلوك فرحا يشم فى محمد رائحة أخته التفاحة! قال فى داخله: لم تخبره لأنها تلذذت وأعجبها الحال! انتابته رغبة قاتلة فى أن يظل معه:

- لن أنام الليلة، ابحث لنا عن مكان نكمل فيه الليل.

-: تعالى إلى دارنا، الكل نائم ولدى فى حجرة الجلوس شيشة و تعميرة و شاى.

كان الأب جالسا فوق سريره يحدث صورة زوجته الميتة ويسند موضع الألم الممض و يفرك سيجارة بين أصابعه ثم يبعثر التبغ فوق الملاءة.

سمع صوت الباب يفتح و يغلق فقفز كالذئب الجائع بالبلطة. رأى محمود الغدر لابدا فى الأربع عيون!: أنا...

أسكته بصفعة و غاص بالنصل فى الرقبة الطويلة الملفوفة مثل كوز الذرة.

سقط على الأرض يتشحط فى دمه وسقط محمد بجواره يرتجف.

فصل الرقبة ورماها فى ملاقى الحمام، خرط الجثة كما يخرط قشر البطيخ للبط الأخضر وألقاها فى النيل!

اندفع - متجاهلا سنواته الستين - يغسل الأرض بالدلو و يزيل الآثار قبل أن يوقظ رحمة وشحاتة.

تمنى لو قام شحاتة بالمهمة كلها، لكنه فى الحادية عشرة ولا يريد أن يلقيه فى الأتون! البكرى لا يسيطر على أعصابه وكل مافيه يصطك. عيان، ناشف يخطف اليومية بالعافية.

شخط فيه: فز اصلب طولك واسحب الجمل على برمبال!»

سبقتك يا بلبل قبل أن تهز شفتيك ثم تمطهما وتقول: تقليدية!

قلتها لنفسى، ليس هذا فقط، إنها تفتتح القصة مبكرا للغاية و ستأتى خلفها أحداث متراكمة بسرد ووصف طويلين و مملين!

ستكون أكثر تماسكا إذا جرت الوقائع بعد استقرار الأسرة، ويمكن أن يتداعى جزء قرية سمديس على هيئة ذكريات! أوإشارة سريعة عفوية ويصح أن ندخره كمفاجأة ترفع الحرارة!

نبيل : لم تجب بعد: - أيكتب الإنسان مدفوعا بتلقائية و بساطة أم يتكلف و يخشى العواقب؟

يهمنى رأيك، أنت الوحيد الذى لا يسأل- عقب قراءة إحدى قصصى - ماذا أقصد؟

عموما إليك البداية الثانية التى نكتشف فيها شحاتة ونفرش الحصير: «كان العيال يلعبون أمام الجامع حين دخل فى الحلقة غلام يبدو أطول منهم جميعا، شارك فى اللعبة و حفظ الأسماء فى ثوان، لفت انتباههم إليه أيضا ذلك الجمال الذى يشع من وجهه، ويتركز فى عينيه العسليتين. وقد انعقدت –على الفور- صداقة قوية بينه وبينهم رغم عنفه واهتياج أعصابه، و لن ينسوا ذلك اليوم الذى وقفت إحدى النساء تحدق فى وجهه ثم سألتهم: - ابن من هذا الولد؟

أدار وجهه، لكنها ظلت واقفة، وقال لهم فى اليوم التالى إنها أخذته إلى دارها لتحتضنه وتلتهم شفتيه ثم أعطته نقودا وطعاما، ثم ذكر أن اسمه شحاتة عبداللطيف الملوانى من سمديس. استفسر الولد سعد عيسى عما جاء به إلى البلد فسكت كأن لم يسمع!»

كثيرون من أصدقائى الكتاب لا يحبون عرض أعمالهم قبل نضجها!عفوا أنت لست عاديا، لديك حس فنى وخبرة بالأعمال الشامخة، وأعترف أننى استفدت منك فى ليال طويلة قضيناها فى نقاش، وأنقذتنى من حفر نقدية عميقة كنت سأقع فيها.

البداية الثانية أقرب إلى ذوقك! لازال الوقت مبكرا لأقرر.

أشرع الآن فى الدخول إلى وسط القصة التابع للبداية الثانية، انتبه كيف ألمحت إلى الحادثة فى براعة ودون ترهل، و هى الكلمة التى يرددها النقاد إذا عجزوا عن تسفيه العمل:

«انجذب شباب برمبال إلى رحمة الحمراء، وقالوا إنها دم مخلوط بالقشدة، ولم تمض أسابيع حتى تزوجت فى أغنى العائلات، وعرف الناس قصتها مع الشاب القتيل فقالوا: - بنت ناس و مؤدبه.

وقروا عم عبداللطيف إلى درجة الوقوف حين يمر مع الجمل، ولدت حكايات عن بطولته و قلبه الجامد الذى لا يخاف من العفريت، قال نفر من الأعيان: لو تجرأ واحد من سمديس ونزل من أجل الثأر فلن نتنازل عن هدم بلدهم وجعلها كوما.

لم تطمع واحدة فى محمد الملوانى وقلن لبعضهن: عيان ومايل، لو كان الولد شحاتة هو الكبير؟!

لكنه لن يكبر على غير أوان، سيبرطع كالعفريت، وسيضج منه الخلق حين يضرب العيال ويسرق الحمير المربوطة و يلعب حواجبه للنساء. حاول أبوه أن يخنقه يوم دخل خزانة فرن - منجذبا إلى طاجن سمك – ولحسه ثم أرسله يجرى على سيفه كعجلة إلى صاحبته!بكت الولية على غداء الرجل و العيال الجائعين فى الغيط، لكنها إزاء جديته فى قتل ابنه ضحكت وأخذته من يده.

انتابته موجة بكاء شديدة واستمر جسده يهتز.

احتوى القرد بين ذراعيه وقال: - ربنا أكرمنا هنا يا ابنى، لابد نحترم نفسنا!»

أنا معجب بفقرة الوسط، فيها تكثيف و إثارة وتصاعد، لكنك تحدثت عن التدفق الابداعى، ولكى أثبت لك قدرتى عليه دعنى أقدم وسطا آخر يرتبط بالمقدمة الأولى لمجرد الاستعراض أولمجرد التسلية، فالقرية ليس فيها ما يحرك الركود و يزيح الملل، أعرف معاناة الوقت الثقيل و إيقاع الحياة البطئ، تعال إلى الإسكندرية يا صديقى، هه اسمع:

« لم يعثر على جثة محمود زعلوك بتاتا، و من ثم حفظت القضية، لكن أبناء عمومته اهتدوا إلى الحقيقة بفضل شذرات من كلام أصدقائه، وصدر القرار بقتل شحاتة لأن أخاه فى حكم الميت ولن تكون حرقته كحرقة المعجبانى معبود النساء!

بدأوا يتسللون من الخلف، ويخبون فى المساقى والمقابر، تنبه لهم الخفراء وضربوهم كالكلاب وربطوهم بالسلبة ثم رموهم فى حجرة السلاح!

جاء عمدة و أعيان سمديس وعاتبوا عمدتنا فامتلأ بيته بالثائرين منا و تداخلت الأصوات، وقال مشيرا بالصمت فى صوت غاضب:- نحن لسنا هفية يدوس حدودها كل من هب ودب.

سوف أسلم العيال الصيف إلى مركز الشرطة. بعد صلاة الجمعة و قف عبداللطيف الملوانى صائحا: أنا ممنون لكم يا اخوانى ولكل ما قمتم به من أجلى، لكننى لا أحب أن أورطكم فى نزاع فاسمحوا لى بالرحيل.

التف المصلون حوله و صمموا على بقائه و إجارته وزفوه إلى داره بل ورتبوا شبابا يلازمون شحاتة كظله! »

أتصورك تتسلم خطابى من مكتب البريد على الجسر و تفتحه فى الطريق لتأكل سطوره بسرعة، ثم تعود إلى شرفة بيتكم فتجلس مع كتبك و جهاز الراديو وتعاود القراءة كلمة كلمة، تبتسم، و تعبس، و تضحك بصوت عال. هاأنذا كافحت بطالتك لمدة نصف ساعة!

الفجر دنا، و لم أعد قادرا على فتح عينى.

ثمة نهايات تريد أن تولد، لن أكتبها الآن، بل سأخبرك- فقط - بالخطوط العريضة لاثنتين منها تخلقتا توا: يمكن أن تنتهى الحكاية بجلسة عرفية، ويفتى المحكمون أن القتيل لوث شرف الملوانى واستحق القصاص وليس للزعالكه حق عند الملوانيه! وهكذا يتاح لبطلنا أن يعيش آمنا وسط معجباته.

النهاية الثانية قاتمة، تفترض أن شحاتة النمرود ضاق بالحرس والحبس، فغادر خلسة إلى قرية تعيش فيها أرملة لعوب!

ليس صعبا إذن أن يرصده أصحاب الدم ويجعلوا جسده الجميل كالغربال لأنه ابتعد عن هذا البلد الذى يحميه!

عزيزى نبيل: سأنام، ولتستعد لحوار طويل معى لدى وصولى، و كن على ثقة أننى لا أتمسك بأى واحدة منهما، فربما تولد الثالثة والرابعة عندما أستيقظ طازجا! كما لا أستبعد –كنوع من التجريب – أن أجعلها بلا نهاية من أصله.

أما البداية و الوسط فان مسلكى لن يتغير: قد تصير البداية وسطا و العكس بالعكس، و قد يتراءى لى أن أضيف أوأحذف أوأدمج أوحتى ألغى القصة تماما!

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق