رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

تلك الأيام
التركى الأسود

عندما انتصر كمال أتاتورك فى حرب الاستقلال عام 1923 وأسس فى العام نفسه بلده الجديد تركيا، واجهته مشكلة خطيرة، وهى أنه بحاجة إلى شعب جنسيته تركية. كانت الخلافة العثمانية فقدت 75% من الأراضى العثمانية، و85% من سكانها بعد هزيمتها فى الحرب العالمية الأولى، كما يذكر الكاتب الألمانى راينر هيرمان فى كتابه «تركيا بين الدولة الدينية والدولة المدنية» ترجمة الدكتورة علا عادل. وجدت الدولة التركية نفسها منذ البداية فى مأزق البحث عن هوية جديدة، بعد أن أصبحت الهوية العثمانية من الماضى، والهوية التركية لم تنشأ بعد.كما أن كلمة تركى كانت كلمة ازدراء حتى القرن التاسع عشر، وكانت تشير إلى الطبقات الدنيا فى المجتمع العثمانى.

وقد حاول أتاتورك أن يرفع من قيمة التركى عندما أطلق مقولته: «ما أسعده أن يقول أنا تركى!»، وظلت هذه الكلمة جزءا من عقيدة القومية التركية، تنقش على المنشآت العامة والميادين التركية.

الشاهد أن الجنس التركى الخالص لم يعد له وجود بعد أن اختلط بالبيزنطيين والأرمن والبوسنيين والألبان والأكراد والعرب الشركس، كما لم تكن مهمة انفصال تركيا عن الخلافة العثمانية بالمسألة السهلة، ولم يملك أتاتورك الشجاعة ليعلن انتماء كل من يعيش على أرض الجمهورية الجديدة للأمة التركية. ولذلك اقترح مؤسسو الدولة أن يعرفوا الدولة استنادا إلى الإسلام، كما اتفقت تركيا واليونان على تبادل السكان طبقا لاتفاقية لوزان، وبناء عليه تبادل طرفا الاتفاق الأقليات، فتم ترحيل 1،2 مليون مسيحى إلى خارج تركيا، وخرج 400 ألف مسلم من اليونان وأجزاء أخرى من البلقان إلى تركيا.

كانت تلك أولى حركات التطهير العرقى فى القرن العشرين، وسبقتها أول إبادة جماعية لشعب، عندما أمرت لجنة الاتحاد والترقى لحزب تركيا الفتاة التى استولت على الحكم عام 1913 بطرد الأرمن إلى الصحراء السورية عام 1915. ووفقا لتقديرات المؤرخين الأتراك فقد توفى هناك مليون ونصف المليون من الأرمن بعد أن تمت تصفيتهم فى عملية من أسوأ عمليات الإبادة لشعب، ومازالت لعنتها تطارد الأتراك فى المحافل الدولية. وبعد سنوات من تأسيس الجمهورية العلمانية التركية، ظل المواطنون غير المسلمين يعيشون معاناة مستمرة، فتم الهجوم على اليهود بمنطقة تراقيا وأدرنة عام 1934، كما فرض الأتراك ضريبة الثروة لتجريد التجار غير المسلمين من أموالهم، وتعتبر تركيا الأقليات غير المسلمة «أجانب محليين» حتى لو كانوا مواطنين أتراكا.. وفى عام 1995 تقدمت وزارة العدل التركية بمشروع قانون عن المخاطر الأجنبية على الجمهورية وذكر الأجانب المحليين تحديدا.

فتركيا دولة هجين ليس لها هوية محددة، وهى خليط من أجناس شتى، تشبه فى تركيبتها الشخصية الأمريكية التى هى لمجموعة من المغامرين والهاربين، ولذلك لا تحكمها قيم أخلاقية ولا مبادئ حضارية، وانما المصلحة دون أن تكون فى حاجة إلى فلسفة برمجايتة مثل أمريكا، فهى منذ نشأتها تقوم على القرصنة ونهب ثروات الدول الأخرى، هل هناك برجماتية أكثر من ذلك؟!

السياسة التركية التى تعيش دائما على المتناقضات والأشياء المتضاربة جعلت عالم الإجتماع التركى شريف ماردين يصفها بأنها أهم المقابر الاجتماعية.

بينما قالت عالمة الاجتماع التركية يلوفرجوله إن المجتمع التركى ينقسم إلى أتراك بيض، وهم الطبقة التراقية العلمانية، المدنية التى تحتفظ بالسلطة السياسية منذ قرون، والأتراك السود وهم غير متعلمين، وريفيون فقراء وملتزمون دينيا.

وعندما كان أردوغان رئيسا لبلدية أسطنبول، قال فى خطاب إلى مؤيديه عام 1998: يوجد فى هذا البلد فصل بين الأتراك البيض والأتراك السود وأنا من الأتراك السود. وعندما أصبح رئيسا للوزراء وصف نفسه بالتركى الأسود خلال حواره مع جريدة نيويورك تايمز عام 2003.

وفى فترة رئاسة نجدت سيزر «2000 ـــ 2007» تعمقت الفجوة بين «الأتراك البيض» و«الأتراك السود» بعد أن تولى حزب العدالة والتنمية رئاسة الحكومة، كان معظم زوجات القادة السياسيين يرتدين الحجاب وكان الرئيس سيزر يرفض أن يرى سيدة محجبة تدخل إلى قصر «شنقايا» الرئاسى الذى كان يعيش فيه أتاتورك يوما ما. ولذلك كان يرسل نوعين من الدعوات لحضور الحفلات، دعوة موجهة للساسة الذين لا ترتدى زوجاتهم الحجاب، وتكون الدعوة لهم مع زوجاتهم، والثانية توجه إلى أمثال أردوغان وتكون الدعوة خاصة بالرجال فقط. وفى ظل هذه الحالة من الارتباك والصراع، جاء تفسير فتح الله جولن الجديد للإسلام قريبا من العقل، قال جولن: إنه ينبغى على المؤمنين أن يعيشوا الإسلام كأفراد، وألا يسعوا إلى نظام حكم إسلامى، لان الله يحاسب الناس حسب أعمالهم، وليس حسب نظام الحكم الذى يعيشون فيه.

لكن عقل جولن المستنير جعله يبتعد تدريجيا عن عقلية أردوغان البرجماتى الشعبوى، ما جعل الأخير يتهم جولن بأنه وراء محاولة الانقلاب الفاشلة التى حدثت ضده مؤخرا. أردوغان ذو الأصول التعليمية المتواضعة يكره عقول النخبة المبدعة المستنيرة بداية من جولن الداعية وانتهاء بأورهان باموك الذى فاز بجائزة نوبل للآداب عام 2006. وقد جاء رد فعل تركيا على فوز باموك بجائزة نوبل خاليا من الشعور بالفخر تجاه كاتبها الكبير، وربط الأتراك الجائزة بتصريحات باموك عن مذابح الأرمن، فانكار الإبادة الجماعية للأرمن جزء لا يتجزأ من القومية التركية، لكن مثل هذا الإنكار لا يتفق بالتأكيد مع مبدع كبير مثل باموك الذى صرح لجريدة سويسرية: لقد تم قتل ثلاثين ألف كردى هنا، ومليون مواطن أرمنى، ولم يجرؤ أحد على ذكر ذلك، لكننى سأفعل ولذلك يكرهوننى. تعرض باموك لهجوم شديد من الصحف التركية بسبب هذه التصريحات واتهموه بأنه حصل على الجائزة لأنه مدح الأرمن.

حاول باموك فى أغلب إبداعه البحث عن روح تركيا الممزقة بين الشرق والغرب، التقدم والتخلف، العلمانية والدين، العسكر والديمقراطية، البيض والسود، العثمانية والتركية، الحجاب والتحرر.

ولكن لم يقبل به أردوغان ذلك التركى الأسود، حتى لو حصل صاحب الكلمات على نوبل فى الآداب.

فالشيء الذى يعول عليه التركى الأسود هو البحث عن قرصنة جديدة، سواء كانت شرق المتوسط أو فى أى مكان آخر.

أما الآداب والفنون فهى أشياء لا يفهمها، وهذا ليس بغريب عليه وقد منع مرة حفل باليه واعتبره عريا، إنه حقا كما قال عن نفسه تركى أسود القلب والعقل أيضا.


لمزيد من مقالات محسن عبدالعزيز

رابط دائم: