رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إيهاب حسن منظر ما بعد الحداثة الراحل فى حوار لم ينشر: أنا لسـت يمينيا أو يسـاريا.. مفكر مسـتقل

حوار - جيرزى ديوراك ترجمة - السيد إمام

أسهل أنواع الهجوم وأكثرها بلادة النبذ والإقصاء

ليس عبر المحاجة والإقناع وإنما عبر التسمية

التقدم ليس حكراً على اليسار ومبادئ العدل والإنصاف ليست حكراً على اليمين


الفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع الأمريكى شجعت تسييس المعرفة وتسطيحها

 

من يعتقد أن حياته قصة ناجحة رجل أحمق

خلافاً لإدوارد سعيد- أُفَضِّل «الصمت» كلغة على الخطاب الإقناعى الذى يهدف إلى تفنيد حجج الآخرين ومع ذلك فأنا أحترم سعيد وأقدره- هذا هو وهذا أنا





يكشف عراب ما بعد الحداثة الراحل المنظر الأدبى الأمريكى من أصل مصرى ايهاب حسن فى حواره مع استاذ الأدب الإنجليزى الباحث البولندى البورفيسور جرزى ديوراك الى حد كبير تصور حسن لنفسه والعالم كما يكشف ايضا تلك العزلة الاختيارية التى فرضها حسن على نفسه ضد الإعلام والشهرة مستمتعا بالتدريس الأكاديمى فى جامعة ميلووكى بولاية ويسكنسون الأمريكية..

حسن يرفض اليمين واليسار ويرى أن تسييس العلوم الاجتماعية فى الولايات المتحدة افسدها وأسهم فى تسطيح، المفاهيم وشوهها ولذلك انصرف فى سنواته الأخيرة لما يسميه النقاد الكتابات الروحيه. وقد حاول بعد كثير من الكتب النقدية مثل: «تقطيع اوصال اورفيوس- بحثا عن براءة جذرية»، و«منعطف ما بعد الحداثة» وغيرها من الكتب التى اثارت جدلا كبيرا حوله وحول تيار ما بعد الحداثة حاول حسن الانصات لصوت نفسه فكتب سيرته الذاتية الخروج من مصر كما حاول كتابة رواية إبداعية

فى هذا الحوار الذى ترجمه المترجم المصرى المعروف السيد إمام ضمن مشروعه واجتهاده الشخصى فى تقريب افكار ايهاب حسن لقراء العربية يقدم جرزى ديوراك صورة انسانية وفكرية مقربة للمفكر الأمريكى تستحق التوقف أمامها لنقرأ وننتقد عن علم بدلا من الهجوم على اشخاص لم نقرأ لهم حرفا هذه دعوة لقراءة مالم تلتقطه الميديا العربية غالبا والى نص الحوار.



..هل تنوى نشر الجزء الثانى من سيرتك الذاتية؟

سؤال جيد. إن « الخروج من مصر» كان يحمل عنواناً فرعياً «مشاهد ومجادلات لسيرة ذاتية»، وكان من الأفضل تسميته «شظايا مذكرات». إننى أفرق بين السيرة الذاتية والمذكرات: الأولى تحاول سرد حياة كاملة دون أن تنجح فى ذلك، والأخيرة تنجح، إذا حالفك الحظ، فى وصف شذرة من الحياة.

إننى أرتاح أكثر لصيغة المذكرات. إن بعض أعمالى اللاحقة مثل «بين العقاب والشمس: آثار اليابان» «1996» تركز على تجربة خاصة، سلسلة مميزة من الأحداث. وينطبق هذا أيضاً على المقالات الشخصية مثل «زيارة إلى أوز» «شتاء 1992»، بل وينطبق على المقالات الأكاديمية مثل» اعترافات ناقد مخالف» و«النقد فى مناخنا»، و «مبعوث: ماوراء المنفى» التى جُمعت فى «إشاعات التغيير». إنها تتحدث، من منظور شبيه بالسيرة الذاتية، عن مهنتنا ومنغصاتها.

ومع ذلك تظل ملاحظتك قائمة: إننى أقاوم كتابة سيرة ذاتية كاملة لسببين. أولاً، أعتقد أن أهم العناصر فى حياة المرء يتعين التعبير عنها فى أشكال غير مباشرة، كالفن مثلاً، أو التدريس. ثانياً، أعتقد أن العمل الأكاديمى يبدى اهتماماً محدوداً بالجمهور العام، بل وبالأكاديميين أنفسهم. كم عدد السير الذاتية الأكاديمية التى تعرفها؟

ومن ثم أشك فى قرب صدور جزء ثان من السيرة الذاتية، فقط مذكرات روحية تحمل عنواناً مؤقتاً هو «أنشوطة النار». ولكن لا تحبس أنفاسك بانتظارها؟

هل تعتبر حياتك قصة ناجحة؟ ما الذى تعتبره نجاحك الأكبر كناقد، وكاتب، وأستاذ جامعى؟

إن كل من يعتقد أن حياته «قصة ناجحة» أحمق بكل تأكيد. هذا هو السبب فى وجود الدين والنزعة القومية والعلم والفن، لأن النجاح الحقيقى قلما يدركه البشر، حتى فى الملاحم والأساطير الغابرة، وعلى البشر البحث عن طريق لتجاوز أنفسهم. ومن ثم، يبدع البشر الفن، أو يخصون أنفسهم بالحديث عن خلودهم، جراء افتقارهم الأصلى للخلود.

ولكنى أدرك أن هوفمان وأنت تتحدثان عن «قصة ناجحة» بمعنى أكثر دنيوية، وأكثر محدودية. سَمِّياه الحلم الأمريكى، أو بمعنى أصح، التباس الحلم الأمريكى، أوعلى نحو أكثر دقة، تحول الحلم الأمريكى. ويرجع هذا جزئياً لنسق الانتماء العرقى. إن على المهاجرين الآن التشبث بأصولهم. لقد هاجروا بسبب الضرورة السياسية أوالاقتصادية كما فعل أسلافهم ولكن بدون البريق الذى اجتذب أولئك الأسلاف. أعنى فكرة ما أو مثالا، حلما أو بريقا، رغبة ما لإعادة بناء الذات أو إحيائها. أما بالنسبة لى شخصياً، فإن الأصول لا تعنى بالنسبة لى أى شيء. وكما كتبت من قبل، إننى أعتبر مولدى فى مصر مسألة صدفة، وليس مصيراً؛ صدفة، تحفل مع ذلك بالذكريات.

وهناك عامل آخر. إن تحول الحلم الأمريكى يرجع أيضاً إلى الدور الجيو- سياسى لأمريكا فى الوقت الراهن. لقد كانت أمريكا ترمز بالنسبة للكثيرين من أبناء جيلى إلى شيء آخر عدا الرأسمالية وماكدونالدز أوالقنبلة. أفضل أن أقتبس فقرة معدلة من «الخروج من مصر» «1986»: «..أتى الغرباء اليانكى. وشأن الكثير من الطلاب المصريين الثوار، المثاليين غير المتعمقين، نَظرتُ إلى روميل عام 1942 بوصفه محرراً. لقد كنا بكل تأكيد نعتقد أن عدو عدوك صديقك. ولذا عندما الحق الحلفاء الهزيمة بثعلب الصحراء فى العلمين، تحول ولاء نفس الطلاب للأمريكيين، ووجدوا فيهم ليس محررين فقط، وإنما نماذج جديدة لتطلعاتهم. كنا نشرب الكوكاكولا، ونلتهم الريدرز دايجست ونرتدى النظارات الريبان الخاصة بالطيارين، نحدق ببله فى الجنود الأمريكيين طوال القامة ذوى الأجسام النحيفة الذين بدأوا يتوافدون على مدينة القاهرة فى ذلك الحين، يلوكون العلك، ويتشدقون بلكنة تختلف مخارجها عن مخارج أى لكنة سمعناها من قبل. لقد بدت هوليوود فى المتناول. ولكن بعض اليانكى جلبوا معهم الكتب أيضاً، شذرات من الحلم الأمريكى. لاحت لهم أمريكا، بعبارة سكوت فيتزجيرالد، «إرادة القلب».

وبعد ذلك بنصف قرن، أتساءل هل أصبحت أمريكا ديكتاتورية الضغائن، إمبريالية الانحطاط.

ثم جاء اليوم الذى أوفدتنى فيه الحكومة المصرية فى بعثة للحصول على درجة الدكتوراه فى هندسة الكهرباء من أمريكا للمساعدة فى بناء سد أسوان. وبدلاً من ذلك حصلت على الدكتوراه فى اللغة الإنجليزية وبقيت فى أمريكا.وهناك لم أشعر أبداً بأننى منفى.

ما أقصده إذن هو أن علاقتى بأمريكا لم تكن ملتبسة أبداً أو متناقضة شأن علاقة بعض المهاجرين اللاحقين. لقد كنت أشعر بالرضا عن حياتى فى أمريكا على الرغم من انتقادى المتزايد للمجتمع الأمريكى نفسه لا سيما وسائل إعلامه وعبادته للمال- وللحياة الأكاديمية فى أمريكا. هل هذه «قصة نجاح»؟

أما بالنسبة إلى نجاحى الأكبر كناقد وكاتب وأستاذ جامعى، أريد أن أقول ما يلى: لقد استمتعت بالتدريس بصفة خاصة، ولم أكن أحب أن أُعَرَّف فقط ككاتب فى ما بعد الحداثة.

التسييس المفرط

هل تعتقد أن عملية التسييس فى أمريكا سوف تستمر؟ أو، هل تعتقد أن الأوروبيين سوف يحذون حذو أمريكا؟

أنا أشارك الأساتذة الأوروبيين قلقهم من عملية التسييس المفرطة للعلوم الإنسانية فى أمريكا، ولقد عبرت عن قلقى هذا فى الكثير من مقالاتى كما تعرف. ولكن هناك الكثير من الأساتذة الجامعيين الأمريكيين ممن يشاركونك ويشاركونى القلق، والكثير من هؤلاء ليسوا «محافظين» بالمعنى الدارج- إنهم يصنفون كذلك فقط عبر سلطة التسمية بوصفها عملاً من أعمال الإقصاء البات أوالتنحية. ومن ثم، يقدم «اتحاد علماء ونقاد الأدب» الذى يرأسه حالياً روجر شاتوك- على سبيل المثال، بديلاً أقل تسييساً لـ «اتحاد اللغة الحديثة الأمريكى». «وأنا أنتمى للأخير وليس للأول».

وفيما يخص رد الفعل الأوروبى إزاء هذه النزعة، فإننى مرة ثانية أتفق معك: لقد عانى الأساتذة الجامعيون الأوربيون، لا سيما فى وسط وشرق أوروبا فى واقع الأمر من نفس المشكلة، مع فرق وحيد: لقد كانت السياسة فى أوروبا تُفرض من أعلى، من قِبَل الحزب، أو قوى الأمن، أوالدبابات....

ومع ذلك، هناك المزيد مما يتعين قوله حول هذا الموضوع بالنسبة لأمريكا.لقد وفرت الثقافة الشابة المضادة فى الستينيات المناخ المناسب لتطور» الراديكاليين الدائمين» فى الحياة الأكاديمية الأمريكية فى الوقت الراهن. إن الفجوة المتسعة بين الأغنياء والفقراء فى المجتمع الأمريكى شجعت، مثلما فعلت الطبيعة متعددة الثقافات متعددة الأعراق،عملية تسييس المعرفة والعدالة لذلك المجتمع. لقد قيل كل هذا من قبل. وربما كانت الأمور الأقل وضوحاً هى الاتجاهات السيكولوجية والتاريخية للأمريكيين: ضجرهم، إحساسهم الذاتى بالأهلية والجدارة، توقعاتهم الطموحة تقليدياً «إرث الحلم الأمريكى»، إشكالية النزعة الفردية والتكيف التى أشار إليها توكفيل منذ قرن ونصف. ولا يوجد سوى عدد قليل من المجتمعات أكثر تمسكاً من الناحية الشكلية بالموضات من المجتمع الأمريكى «ربما المجتمع اليابانى فقط»؛ القليلون ينشدون السعادة- المثل الأعلى حتماً- إلى هذا الحد من الإفراط الشكلى. إن الاستقامة السياسية التى أدت إلى عزل أحد المسئولين «يناير» 1999 - نشكر الله- من منصب العمدة فى واشنطون دى سى لاستخدامه لفظ niggardly « شحيح، ذى الأصول الاسكندنافية»، ربما تُعد أحدث، وليست آخر، مثال لشكلانيتنا، ونزعتنا المثالية العبثية- الشكل أكثرأهمية من المحتوي- تأثراً بـ «غبار الأحلام المُوحِل».

إننا نحتاج، بالإضافة إلى ماتقدم، وحتى نكون منصفين،استجلاء للموقف الأوروبى. إننى نادراً ما وجدته خالياً تماماً من الحسد و النقمة اللا شعورية، الإعجاب والكره الباطنى تجاه القوة العظمى الوحيدة- فرنسا تستخف فقط بالتعبير الأكثر توقعاً وغطرسة لذلك الموقف. وعلاوة على ذلك، لاحظتُ صعوداً للقومية الأوروبية منذ معاهدة ماستريخت. إن هذه النزعة لتجاوز سلطة حكومة قومية واحدة تنطبق بشكل أقل على العلاقات الأوروبية الداخلية أكثر من انطباقها على العلاقات الخارجية مع قوى خارجية مثل اليابان أو الصين.

من ثائر إلى محافظ

ما هو ردك على التهمة التى يوجهها لك البعض دائماً بأن إيهاب حسن الذى كان المؤيد الرئيسى فى يوم من الأيام للحركة الطليعية، والأفكار المبدعة والمجددة، أصبح محافظاً، أو حتى رجعياً. إن كنت ترفض هذا الاتهام، فما الدافع وراءه فى رأيك؟

لن أرد على هذه «التهمة» مطلقاً، طالما اننى لا أعرف أن النزعة المحافظة جريمة قانونية، أو أخلاقية، أو فكرية. ولكنى مع ذلك أريد التعليق على بعض الادعاءات الكامنة خلف هذا الكلام.

لقد برزت من تقليد اليسار الليبرالى الذى وصفته فى مقالاتى الأخيرة بأنه أكثر تفهماً لعمل الكُتّاب والمعلمين والمثقفين. ولكن فى السنوات العشرين الأخيرة تقريباً، أثبت ما يسمى باليسار وما يسمى باليمين عجزهما عن التعامل مع احتياجات عالم سريع التغيير. إن التقدم ليس حكراً على اليسار، و مبادئ العدل والإنصاف ليست حكراً على اليمين، وهذا هو سبب ميل الأغلبيات الكبرى من جمهور الناخبين فى أمريكا كما فى أوروبا الغربية ناحية اليمين أو اليسار دون الابتعاد عن المركز بحثاً عن حلول براجماتية للمشكلات التى لم تستطع الأيديولوجيات الكلاسيكية مواجهتها أو حتى التعرف عليها.

وهذا أيضاً هو السبب الذى يجعلنى أصف نفسى بشكل قاطع بأننى مستقل «لم أنشر فى حياتى قط فى دورية محافظة أو تماهيت مع قضايا يمينية، إلا إذا كان ارتباطى بالأدب العظيم، ونفورى من ترهات وعَتَه اليقين السياسى رجعياً من تلقاء نفسه- وفى هذه الحالة، يالها من صحبة رائعة».

والآن، إن موقفاً مستقلاً لن يرضى أى متحزب، أياً من مثقفى القطيع. إن المنشقين، والمنعزلين، واللا منتمين، و«النقاد الأوغاد» ينبغى أن يحصلوا على فرصتهم داخل و خارج شتى المدارس الأكاديمية. وأولئك الذين يُدرِّسون « الطائر المرسوم» Painted Bird لجيرزى كوزينسكى لا يفترقون عن أسراب الطيور فى تلك الرواية. إن التفكير الجماعى، وليس الفردى، إكراه سوسيو- بيولوجى بدائى ليس من السهل التغلب عليه.

هل سألت نفسك لماذا يوجد ليبراليون ومحافظون فى كل مجال.

من واقع خبرتى، كلما انجرف الناس أبعد عن المركز الافتراضى، بعيداً باتجاه اليسار أو اليمين، كانوا أكثر تعبيراً عن احتياجاتهم الخاصة، وليس احتياجات العالم. إن كونراد يعبر عن هذه المسألة فى رواية «العميل السرى» The Secret Agent.آه، نسيت: إن كونراد نفسه «رجعى» آخر. كما ترى، إن حياة المذهبيين عبارة عن إطنابٍ موسَّع.

حيثما تطابقت الحاجة والتكيف، ظهرت الاستقطابات: إن اليمين واليسار لا يمكنهما الوجود دون بعضهما البعض أبداً، ولكنهما يمكن أن يشتركا فى الهجوم علي- لا، ليس على المركز فقط- بل، زيادة على ذلك، على المستقلين، والمنشقين، والمنعزلين والزجزاجيين. وأسهل أنواع الهجوم وأكثرها بلادة النبذ والإقصاء، ليس عبر المحاجة والإقناع وإنما عبر التسمية: رَجْعى، عُنصرى، جنسى، إنسانوى، استشراقى.. أنت تعرف ابتهال البغض، ترانيم أصحاب التعاويذ والرقَى. هذا تنمر أيديولوجى واضح، يمارس مفعوله فى أولئك الذين يخافون المتنمرين.

ولكنى لم أذكر بعد السبب المتأصل لهذه التعاسات الفكرية: اختزال كل شىء- المبادئ الأخلاقية، والفن، والدين، والثقافة، والميتافيزيقا، وكل شعور شخصى وحالة روحية- إلى سياسة! ويرجع هذا بطبيعة الحال إلى ماركس؛ هذه هى الديكتاتورية الحقيقية للماركسية، وليس فقط احتكارها للقوة أو السلطة.

وبالمناسبة، من هم الرجعيون؟ أولئك الذين يحولون مُفكِّر ميت وقمعى من القرن التاسع عشر إلى طوطم، أم أولئك الذين يوجهون سياساتهم لتلبية الاحتياجات الفعلية للواقع الراهن؟ أتباع لينين، وتروتسكى، وستالين أم معجبو تشرشل و روزفلت وكينيدى و بلير؟

إننى باختصار أعتبر نفسى هاوياً، عاشقاً للتغيير الذى ربما يُعدُّ المبدأ الكوزمولوجى الأول كما يعرفه بوذا، وهرقليطس، وأوفيد وشكسبير، وليس مابعد الحداثات عندما تذبل أو الدراسات الثقافية عندما يصيبها العفن. نحن غير مجبرين على الاعتقاد أن الأحدث هو الأفضل، وما هو كائن لا بد وأن يكون هو الصواب.إن البشر يعانون ولكنهم يمتلكون أيضاً القدرة على التغيير.

تهميش ذاتى

تبدو عازفاً عن الخوض فى «حروب الثقافة» الدائرة. فى بعض مقالاتك الأخيرة صدرت منك بعض التصريحات المباشرة التى تتعلق بهذه القضية، ولكنك فى كتبك تتجاهل السجالات السياسية الجارية، وتختار بدلاً من ذلك موضوعات مثل أدب الرحلات أو اليابان. لقد أزاحك هذا الموقف إلى حد ما عن مركز السجالات الثقافية، أبعدك على الأقل فى أمريكا- عن بؤرة الضوء. أى وضع تطمئن إليه أكثر- تواجدك المستمر فى وسائل الإعلام وفى قاعة المحاضرة، ومن ثم تجد الفرصة للاستجابة مباشرة لمناقشات خصومك الفكريين أو القبوع فى حجرة مكتبك مقاطعاً المؤتمرات الكبرى للاتحادات المهنية الأمريكية، وبدلاً من الكتابة حول القواعد العامة أو النسوية، تسلط الضوء على الروحانيات، مثلاً؟

أنا لا «أقبع فى حجرة مكتبى». أنا أرتاد كل بارات ميلووكى وأذهب لمشاهدة مباريات فريق جرين باى باكرز لكرة القدم «أنا أمزح بالطبع».

أعتقد أن إجاباتى على السؤال السابق تنسحب على هذا السؤال أيضاً، ولكن كلا من السؤالين يناقض أحدهما الآخر: أنا لا يمكن تصنيفى «محافظاً ولا حتى رجعياً»، وغير مكترث بالحروب الثقافية التى كثيراً ما ألفت النظر إليها فى «إشاعات التغيير، وفى الأعمال الشبيهة بالسيرة الذاتية مثل «مزج الألحان: النزعة القومية، الكولونيالية، نزعة تعدد الثقافات» Third Text 41 «شتاء 1996-98».

ومع ذلك أنت على حق: لقد همَّشْتُ نفسى متعمداً، جغرافياً وثقافياً، وابتعدت عن أساليب المحاجات متجهاً بدلاً من ذلك إلى شىء أكثر تجريباً ولكنه أكثرتعبيراً وعمقاً.

يقال ان الشخصية هى المصير. ربما كان الأمر كذلك خصوصاً إذا أضفنا للشخصية إمكانات خلق الذات، تجديد الذات. إننى أشعر بالاطمئنان للهوامش، ربما لأنى لا أعترف بالمراكز. كما اننى أفتقر إلى ما كان يمكن لوايتهيد أن يسميه إيروس السياسة. إننى، خلافاً لناقد آخر، ولد فى فلسطين، ونشأ فى مصر- أقصد إدوارد سعيد- أُفَضِّل «الصمت» كلغة على الخطاب الإقناعى الذى يهدف إلى تفنيد حجج الآخرين ودحض آرائهم. إننى أكثر ميلاً إلى المسائل الروحية وليس القضايا السياسية. ومع ذلك فأنا أحترم سعيد وأقدره- هذا هو، وهذا أنا. السياسة يمكن أن تكون ضرورية. إنها شأنها شأن أشياء أخري- الجنس، الموت، الألفاظ، الطعام، المكانة...هناك الكثير من العوالم «الناعمة» كما تعرف- شىء لا مفر منه. ولكن السياسة أيضاً شكلٌ من أشكال الاهتمام الذاتى بأمور ظاهرية، نوع من تسطيح الذات. أعرف أنها أكثر أفعال الاهتمام بالمصالح الذاتية إلحاحاً: نصيبى، حقى، قبيلتى. ولكن للنزق أيضاً نصيب فى وجودنا، إننا بشر سوف نتعرض للموت.

إن «كشافات تسليط الضوء»، كما تعرف، يمكن أن تكون أداة للكشف الذى يبهر الأبصار، ولكنها تكشف فقط عن الأقنعة، ويمكن فى نهاية المطاف أن تعمى أعيننا عن رؤية أنفسنا.

إذا ما التفت إلى الوراء لتأمل نظرياتك، وملاحظاتك ونبوءاتك، هل تشعر بأن هناك نصوصاً لم يكن يتعين عليك كتابتها، وأقوال ماكان ينبغى أن تصدر عنك؟ هل كنت فى بعض الأحيان مفرط الحماس بالنسبة لصدق بعض النظريات أوالمفاهيم التى ساهمت فى ترويجها، أم إنك ساهمت فى حُمَيَّا حماسك فى تشجيع كُتَّاب، وكتب، ونظريات أثبتت فى نهاية الأمر أنها مخيبة للآمال ولم تكن تستحق إعجابك السابق؟ أو، هل تندم على شىء؟

بلا شك، لقد كنت «مفرط الحماس» فى الماضى، فى تأثرى مثلاً بمبادئ بليك المعقدة حول «نمور الغضب» و «جياد التعليم»، و«جنون الإفراط» وصولاً إلى «قصر الحكمة». لقد لاحظ أحد الأصدقاء أخيرا أن «مسحة من الجموح»، جموح أمريكى إن شئت، تتخلل أعمالى المبكرة، ولم يفدنى هذا فى مهنة تفضل العقل على الطاقة.

ولكنى أحب أن أؤكد أن للمخاطرة أيضاً فوائدها. لقد قال لى جورج ستاينر ذات مرة عن ما بعد الحداثة: « لقد رأيتها قادمة، ولم نكن نرى ذلك». ربما كان فى حالة مزاجية لطيفة و زاخرة. وبرغم ذلك لا زلت أؤمن بالمخاطرة، وليس فقط فى عطاياها القانعة. إن المخاطرة تستلزم الخطأ، تستلزم العزلة، تستلزم ما هو أسوأ من هذا كله، خداع الذات- حتى نفتح أعيننا على تيهنا، وربما نغرق...الشجاعة والتسامى على الأحقاد، فى الحياة كما فى الفن- أُعْجب بهذا كله، لأنه يجعل الحكمة ممكنة، قابلة للسكنى.

والندم، برغم ذلك، مجرد تيه آخر، اهتمام بالمصلحة الذاتية.. المهم هو أن تتحرك إلى الأمام ولا تنس شيئاً. يقول إمرسون فى دورياته «أنا هنا لكى يمارس عليَّ الآخرون فعلهم».

على الرغم من أنك فى كتبك تتجاوز الموضوعات الأدبية تحديداً وتكتب غالباً عن الفلسفة والثقافة أو الدين، إلا أنك متخصص فى الأدب بالأساس. لقد ساعدت بوصفك ناقداً أدبياً فى الستينيات، والسبعينيات، والثمانينيات على الترويج للكثير من الكُتاب المهمين وتدعيمهم. من هم الكُتاب الذين تحب إجازتهم فى التسعينيات؟ أم إنك تتفق مع أولئك الذين يرون أنه لم يعد هناك بعد كتب «أساسية» وكُتَّاب «أساسيين»؟

الإجازة و الانحياز لم يعد لهما مكان فى تفكيرى. تأتى على الإنسان فى حياته لحظة يشعر فيها بوجوب التوقف عن التعليم والبدء فى التعلم، نوع من التعلم تتكفل به وحدك.

و مع ذلك، فإن الانحياز، الانحياز الأدبى، أريحية لصيقة الصلة بالنقد الجيد. فى أمريكا تجذبنى أعمال دون ديليلو، و تونى موريسون، و بول أوستر بكل تنويعاتها؛ وفى الشعرأعمال إيه. آر. آمنز، وجون أشبرى، و إليزابيث بيشوب، و أَمى كلامبت، و جالاواى كينيل، و جيمس ميريل، و دبليو إس. ميروين، و ريتشارد ويابور، و تشارلز رايت..وما قولك فى مارتين أميس، الذى وُصف بأنه «أفضل كاتب أمريكى أنتجته انجلترا»؟ يوجد تنوع عظيم هنا، إن لم يكن خيال كاسح، ليس ثمة إنجاز بحجم جوته أو منجز ضخم.

ولكنى أنجذب أيضاً لكٌتاب من مختلف البيئات مثل ديريك والكوت، و كنزابورو أُو الذى حصل على جائزة نوبل، ويوجد آخرون مثل ديفيد ماليف الأسترالى و زبيجنيوهربرت البولندى. وأحياناً تُصادف فجأة جوهرة مكنونة مثل رواية «شجرة الكينا» Eucalyptus التى كتبها الأسترالى مورى بيل.

كل هذا يصب فى صميم سؤالك: «هل لا يزال يوجد كتب «أساسية» وكُتاب» أساسيون؟»، و ربما كان علينا أن نسأل بدلاً من ذلك: هل لا يزال هناك قراء « أساسيون»؟ أعنى قراء تكون بعض الأعمال الأدبية بالنسبة لهم مصيرية بشكل بات. أعتقد أن مثل هؤلاء القراء يعيشون بيننا- وأنا واحد منهم- منهمكين فى قراءة الأعمال التى تضمها «قائمة الثقة» Western Canon لهارولد بلوم، والتى تحاول الثقافة المعاصرة بطبيعة الحال إحباط «أسسها» دون جدوى. إن التحيزات كامنة فى القيم، والتمييزات ملازمةٌ للفكر. ويسعدنى أن أقول إن الكثير من الشباب يدركون هذا.



> > >

> العنوان الأصلى للمقابلة: «Ihab Hassan In Focus: an interview with Ihab Hassan. Jerzy Durezak, Lublin «Poland»




إيهاب حسن H

> إيهاب حسن مفكر أمريكى من أصل مصرى ولد فى عام 1925 ودرس الهندسة فى القاهرة قبل أن يرحل إلى الغرب لمواصلة دراساته العليا فى الهندسة، إلا أنه هجر الهندسة وهجر مصر واستقر به المقام فى الولايات المتحدة فى العام 1946، حيث بدأ دراسة الأدب إلى أن صار أستاذا له فى جامعة ويسكونسون، وقد صار حسن من أهم منظرى تيار ما بعد الحداثة فى الأدب والفكر.

> لحسن عدد من الكتب المهمة، منها «البراءة الجذرية: دراسات فى الرواية الأمريكية المعاصره» صدر فى عام 1961 و«تقطيع أوصال أورفيوس نحو أدب ما بعد حداثى» صدر فى العام 1971 و«منعطف ما بعد الحداثة» الذى صدر عام 1987.

توفى حسن عام 2015 عن عمر ناهز التسعين



السيد إمام H



> من أهم المترجمين المصريين المهتمين بالدراسات النقدية والفكرية ولد عام 1945 ودرس اللغة الإنجليزية وآدابها.

> له 5 ترجمات مهمة منها: «الشعرية البنيوية» لجوناثان كلر و«قاموس السرديات» لجيرالد برنس و«الخروج من مصر» و«البراءة الجذرية: تقطيع أوصال أورفيوس» و«الخطاب النقدى لما بعد الحداثة» لإيهاب حسن، وله أيضا موسوعة «ألف ليلة وليلة».

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق