رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الطريق الى البشيرة

محمد عارف

العالم لا يغادر قبضة أمى، حفيف ثوبها، صوت خطواتها وهى تضرب الأرض الترابية، مسرعة مع جارتنا، لا أعرف وجهتنا، ولا إلى أين تمضى خطواتهما السريعة، وحديثهما ولهفتهما على «ستنا الشيخة» وحكايات كثيرة عن أشياء غريبة وأسماء أغرب، تشغلنى عملتى الفضية فى جيب بيجامتى، والقضمة التى أحاول قضمها، من لفة الخبز بالجبن والطماطم، التى أعشقها، وكلما همت أسنانى بقضمها، جذبتنى أمى بقوة وهى تصرخ: هم بلاش لكاعة.

أستسلم للمشى السريع، جاعلا قضمتى التالية وجهتى، حلمى الذى لن أتنازل عن تحقيقه، منتظرا فى سبيل ذاك الكثير من النظرات، والصعود والنزول عبر منحنيات وهضاب الطريق الترابية الطويلة، وعيناى لا تغادران الهدف، تهدأ الخطوات ونحن نمر بنساء يغسلن ثيابهن، واوانى الطبيخ، فى مياه الترعة الصغيرة، أو كما يطلقون عليها - تعظيما - البحر الصغير، نساء انحنين، وظهورهن ناحية الماء، ووجوههن ناحية الطريق، يشاركن المارة أحاديثهن، تلتف نهايات جلابيبهن الملونة على الوسط، مرتفعة عن سطح الماء، ومعكوسة على صفحتها ملابسهن الداخلية، لتسمح لبعض الرجال بالتلصص، وسرقة لحظات من التخيل، لما يتحرك مع الموجات الصغيرة حول أرجلهن، وعلى الفتات تتجمع الأسماك اللامعة الصغيرة، طلبا لطعامها من بقايا فقر دفعهن لغسل أشيائهن فى المياه الراكدة.

تقف أمى ورفيقتها لالتقاط الأنفاس، ومتابعة المشهد، ونقد طريقتهن فى غسيل الثياب، وتبرجهن غير المبرر، وضعف لمعان الأوانى تحت شمس الشتاء، دليل على عدم النظافة، وغياب الإتقان، وأنا أستغل لحظات التأمل، وألتهم كل ما بقى من رغيفى، خوفا من موجات الشد، التى تتبع فترة الراحة الاختيارية.

كبيوت قريتنا تبدو البيوت متشابهة والمدارس وملاعب الكرة، ولاعبوها والمقاهى الفقيرة وروادها حتى المصاطب والنساء، القرى نسخ متشابهة لقالب واحد، لا يفرقها سوى بعض الأسماء المتكررة للمنية، والمحلات، والمئات، والكفور، والوسايا والعزب، وبعض العصبيات، التى يظن أهلها أنهم أفضل من جيرانهم فيها، لعب الكرة أو إطفاء الحرائق أو العراك، وهزيمة جيران يفوقونهم فقرا ومرضا ورضا، من شارع يجاور مدافن كثيرة، يدخل جلبابان وبيجامة مقلمة إلى بيت، تملأه أعلام خضراء، وبراويز لصور الأبيض والأسود، لشيوخ طالت لحاهم، وابيضت وجوههم، بفعل رسام، يجيد إضفاء اللمحات الصوفية على الوجوه السمراء، وأسفل البراويز تجلس نساء يرتدين جلابيب سوداء، بدون عويل ولا بكاء، فى صمت يوحى بقدوم العاصفة.

بيت فقير تختفى جدرانه المتهالكة خلف الرايات الخضراء المسرجة بالخطوط الذهبية، وتختفى مصاطبه الطينية، تحت الحاشية المبطنة بالسجاد اليدوى، الذى يصنعه الفقراء من بقايا ملابسهم القديمة، فيفتلونه على نول بدائى، يحول تلك الخرق البالية إلى خطوط من الألوان والأقمشة المختلفة، يربطها خيوط رفيعة، تنتهى بشراشيب من نهايات الخيوط، لتصنع شكلا جماليا يليق بمعارض السجاد.

نجلس على الحواشى فى انتظار مجهول لم نتبينه، يدور الكلام بين جلابيب كثيرة، يجمعها اللون الأسود وقصات الثوب وسمار الوجوه، حتى وإن كانت، بيضاء كجارتنا، لكنى أراها تشبه الجميع، حتى صوتها المميز اختفى وسط أصوات النساء، فأصبحن صوتا واحدا، يردد مفردات متشابهة: كرامة، مبروكة، وأصيلة، منسبة، حجاب، عمل، سحر، يعلو صوت من داخل غرفة داخلية، ينادى أمى فتقف مذهولة، وهى تلبى النداء، تمسك بيد رفيقتها، وتجذبها بشدة، وأنا أمسك بذيل جلبابها، وأدخل إلى غرفة مظلمة تماما، وصوت ضحك أنثوى عجوز، يملأ الغرفة المظلمة رعبا وغرابة.

بحيرة تبحث عيناى عن مصدر الضحك، وصوت ينادينى باسمى، أفرك عينى جيدا، لأرى مصدرا للضوء الضعيف، ورأسا لطرطور أخضر«قلنسوة مخروطية كما يقول المعجم» متصل برداء طويل أخضر تحته جلباب أبيض، بعد تعود عينى على الضوء الضعيف للغرفة، استطعت تبين الملامح، كانت أمى تقبل يد «ستنا الشيخة» وتسألها الدعاء لأخى وأختى، وسؤالها عن نتائجهما الدراسية، وكانت جارتنا مشغولة بشكواها، وشكوكها فيمن حولها، وأسباب عدم سعادتها، وكنت أتابع ضحكات الشيخة، وأسنانها المهتمة، ولسانها الذى يتحرك كثيرا داخل فمها، ومنديلها الذى لا يفارق فمها، وكثرة تفافها وشتائمها لجارتنا وضحكاتها المجلجلة، وإصرارها على معرفة من سرق قرطها الذهبى من داخل غرفتها، والآلام التى تطحن عظامها، ونفاد نقودها، مع حرصها عليها.

ألقى نظرة إلى نفسى وإلى خطوط بيجامتى المقلمة، تذهب بى إلى جيبى، وكنزى الذى أحتفظ به، متحينا فرصة، لاستبداله بمتعة، أحكى عنها لأقرانى، وضعت يدى فى جيبى، فلم أجد كنزى، وقلبت ثنايا الأكمام وتكة البنطلون، حيث تعودت أن أخبئ كنوزى، أتسلل تاركا ذيل جلباب أمى، وحيرة عينى رفيقتها، وهيام «ستنا الشيخة» فى عالمها الصوفى، وتفافها المتواصل، وأتسلل خارجا، بحثا عن كنزى.

أنطلق إلى الشارع مجنونا، أبحث عن حلم آخر، ضاع من بين أسنانى وتسلل من جيب بيجامتى، تأخذنى المدافن بشوارعها المتشابهة، وحاراتها الضيقة، وشواهد قبورها وفتحاتها المخيفة، وخوفى من دخول الليل، فأجرى مذعورا، خائفا، تطاردنى حكايات أمى عن مارد المدافن، الذى يطال السحاب، وجنيات البحر، التى تمشط شعرها، على درجات سلم المسجد، والحمير مقطوعة الرقبة، التى تملأ ظلام القرى، وتخيف أطفالها فينامون مبكرين خائفين من كائناتها الليلية المخيفة.

يصدمنى جلباب أسود، أجرى مذعورا، أسقط مغشيا على، افيق ورأسى على كتف أمى، النسوة مازلن يغسلن الملابس فى البحر الصغير، وأمى تكيل السباب لهن، ولستنا الشيخة، التى أضاعتنى، ولم تستطع معرفة مكانى، وأنا فى رحابها، كانت يدها تضرب ظهرى بحنان وقوة واشتياق وخوف، وأسمع ضربات قلبها وسبابها لجارتنا، على مشاويرها الغبراء، وصوت تهكمها على «ستنا الشيخة»: قال ستنا الشيخة قال «جت الطبيب أنين فى فلسه بدل ما يداوى الناس يداوى نفسه» غيظ وغضب يملأ روحها، تنتظم الخطوات، تهدأ الأنفاس، تعلو ضحكاتها، ويتورد جبينها، وتحتضننى بخوف وشغف، وتعزم ألا تدخل بلدة «البشيرة» مرة أخرى، وأنها ستلبى حتما نداء الشيخ حسن التهامى ومولانا الإمام الشافعى الذى زارها فى المنام وأوصاها بزيارته.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق