رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

حلم

حسين عبدالرحيم

كنت ولم أزل ما بين الأبيض والأسود.أتقلب فى فراش وثير، بلا أرض ولا عنوان، خارج الزمن الفعلى للحلم بلا سكن أسأل عن عنوان الكائن. وصوت موسيقى لعلى إسماعيل، تمشى بالخيال وذاكرتى لزمن ما مضى، مابين الابيض والأسود، وسط سحابات رماد ثلجية ورحبة. لأرانى وقد عدت صبياً، وضفدع يئن وسط زرعة البوص، وامرأة شقراء فى صحراء خالية، تحلم بالحب وقد سطر على جبينها العهر ككذبة ومطلب درامى لمخرج يعشق التلون الميلودى فى فيلم تراجيدى خمسينى. بحسية شائنة، خوف ورغبة وعشق لمجهول حتى آخر العمر. فى عينيها ألم ولوعة وحسرة. بلا حدود لشخص واحد، رأته فى الحلم قبل الواقع، فتركت حواسها للريح لتدفعها فى قلب خريف بعيد. يتواءم وشكل الحلم بفتاها العاشق الخائف.لم أتبين لماذ أتيت، ولم أسال نفسى مثل كل مرة، لماذا أتيت لنفس المدينة، ولماذا فصل الخريف? لم تعد تلك الاوهام الخارجة من فمى عقب نفس من سيجارتى تلهمنى إجابة ما.. ولا حتى صوت البحر. ولا مسار خطواتى.

ركضى منذ عقود قرب البحر، لم يعد الهدر يؤنسنى ولا الصخب يزعجنى ولا الغرقى يرعبوننى، كل ما فكرت فيه هذه اللحظات، لماذا اغلق المسجد عندما قصدته وحدى بعد مرورى على قضبان الترام فى طريقى لأبى العباس المرسى، ولماذا دائما ما آتى بعد الغروب ولماذا هذه المرة، تولد البنايات قبل سيسل بهذه الاريحية والنكران ويتطاير الغبار وأنا منهك، اترنح بلا وجهة، ثلاثون عاما، اربعون، خمسة وأربعون، وتيارات الهواء تجرفنى لهناك، كروليون ومتروبول وسيسل.ونفثة مصدور لا يعى أين المسير، ولكنه نداء الليل. كل يوم، كل ليلة. تبتعد المسافات ويبقى صوت القضبان. الوشيش والهدر وماكينات تصهر الخريف إلا من بقايا ونس قرب عربة الدرجة الثالثة. سيجارة فى الظلام، نقطة نار أعلى فم المسكين الذى لا اعرفه، الشحاذ، مبتور الساق، المختبيء خلف ركاب ال فى آى بى، تذاكر. فى الظلام، لم يأت ليلى بعد.

رغم مرور العقود، رغم سفر محمود، وهروب حسين الصومالى، وهجرته، تركه لبلاد الساحل وترديده الدائم فى وسط الليل فى اول العرب بعد أن ينسطل ويخرج من قهوة الضاحى يهذى: _ «مش عارف أبويا يقولى أمك صومالية الأصل. لكن انت ولدت هنا.. اعتبر نفسك لاجئ؟!. قرب البحر،» مش عارف يعنى أنا مصرى ولا صومالى ولا سكندرى، يهذى، وأنا أتأمل ملامحه فى الحلم، فى الذاكرة، وقد وضع يده على صدره ليشخط للمارة فيفرون من أمامه، كانت خطاى تحاول الخروج من الغفوة،فارانى وقد سلكت نفس الطريق أبحث عن غريق، حدثنى بعد منتصف ليلة غاربة، كنت وقتها أدعو لامى بالسلامة والشفاء والرحمة فى الحياة او الموت،يكمل الهذيان وتدق الساعة الرابعة. عبر شاشة فضية أخرستها من أجل الزوجة الجديدة التى كلما تمددت فى سريرى حسبتها ماتت للابد، خرجت من سريرى، فى الظلمة على صوت مبحوح، ذاب الطالب وبقت الشاشة مضاءة ومدون عليها اسم المتصل، من محمود متولى؟، أو محمود أحمد متولى، مقهى على كيفك، أدعك عينى، محاولاً التركيز، أتبين موقعى مابين الواقع والحلم وما كنت اجتره عن رفقاء رحلتى الطويلة فى بلاد البحر، محمود يمشى وحده، شبه سكران مابين طولون ونبيل منصور، وأنا أبرز النقود الورقية، وأمى تجلس فى البدفورد على كسرى، فى يدها ساعة ذهبية وكيس محلاوى محشو بالنقود موضوع مابين الإبط والثدى الأيمن، وأبى ينزوى فى مقهى الشكربالى مع التعلب و حسن سليم والريس عنتر الديب ومحمود الهارب من الثأر فى اسيوط يرفع بالة الترفيرا على كتفه الايسر وصلاح عماشة الساعى بوكالة الشرعان يناوله بالة الجرسيه ويسندها على الكتف الأيمن، ثم يداعبنى وأنا أقطع تذاكر الذهاب من محطة الباب الحديد..أسمع الصفير وقت الخروج من الشارع المزدحم، من دنيا الماضى العتيد. بلا حنين.

لا رغبة لى فيه، أحاول استبيان الزمن، احداثه، دلالة ما أو موقف، حدث ما قد جرى فى زمن معلوم. بلا إشارة واحدة تعيننى على التذكر، بلا ذاكرة. بلا طائل، بلا دلالة، كان سريرى معلق مابين السماء وارض تتهاوى من تحتى.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق