رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ميلاد المسيح.. ســلام عـلى العالميــن

تحقيق ــ خالد أحمد المطعنى
وحدة المصريين نموذج فريد للتعايش السلمى

  • العلماء: الاحتفال بالأنبياء قربى إلى الله تعالى
  • تهنئة شركاء الوطن إحسان وبر ودعوة إلى الدين بمكارم الأخلاق

 

 

تأتى ذكرى ميلاد المسيح عليه السلام لتذكرنا بالهدف الأسمي والغاية العظمى من بعثة رسل الله جميعا، وهي هداية الخلق بدعوتهم إلى عبادة الحق جل شأنه، وإرساء مبادئ العدل بين الناس، والقيم الإنسانية التي تكفل لهم حياة طيبة كريمة، بما يقوى أواصر الأخوة والمحبة على أساس الإيمان الراسخ، فضلا عن سبل السعادة لهم فى الدنيا والآخرة. ويعد ميلاد المسيح عيسى ابن مريم ـ كما أخبر القرآن الكريم ـ يوم سلام على العالمين.

وكما يؤكد علماء الدين دائما في هذه المناسبة، فإن تهنئة المسيحيين بأعيادهم وخصوصا شركاء الوطن هو من باب الإحسان ومكارم الأخلاق، وقد أمرنا الله عز وجل أن نقول الحسنى لكل الناس دون تفريق، وأن هذا الشأن أحد أشكال الدعوة إلى دين الله بحسن الأخلاق، وبمكارم الخصال، كما أن الاحتفال والفرح بمولد الأنبياء عليهم السلام نوع من القربات إلى الله تعالى والشكر على نعمه.

أخوة الأنبياء

يقول الدكتور عطية مصطفى أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية وكيل كلية أصول الدين والدعوة بالمنوفية، إن معالم الأخوة ظاهرة بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والناظر إلى ما جاء في السنة يجد نبأ هذه الأخوة بيقين، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى يهود: (من محمد رسول الله أخي موسى وصاحبه، بعثه الله بما بعثَه به..) رواه البيهقي، وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى) رواه الحاكم بهذا اللفظ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم - قال: (عجبت لصبر أخي يوسف وكرمه) رواه الطبراني، وفي قصّة المعراج حين رأى النبي عليه الصلاة والسلام موسى وهارون، وعيسى ويحيى، وإدريس ويوسف عليهم السلام، تطابقت كلماتهم ترحيباً بخاتم الأنبياء: (مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح) متفق عليه، وقول النبي ــ صلى الله عليه وسلم-: (الأنبياء إخوة لعلاّت)، ومعنى: (لعلات) أي: لضرات، يعني: كالإخوة من نساء متعددات والأب واحد، فالتعدد هنا تعدد الشرائع، والأصل الموروث عن جميع الأنبياء هو العقيدة الواحدة.

وأشار إلى أن أخوة الأنبياء تقتضي تساوي الحقوق الواجبة علينا تجاههم، وأول ذلك بلا شك، الإيمان بهم جميعا دون تفريق، قال تعالى «آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ } كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ } وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ»، ومن تساوي الحقوق أيضا وضعهم جميعا في مقام واحد من حيث الاحترام والتقدير، وعدم الدخول في معارك كلامية في المفاضلة بينهم على وجه يستنقص الآخرين منهم، كما قال النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ : (لا تخيّروني على موسى) متفق عليه، وفي حديث آخر أعمّ وأشمل: (لا تفضلوني على الأنبياء) متفق عليه.

وأوضح أن الغاية القصوى من البعثة التي بعث الله الأنبياء جميعا لأجلها، هى دعوة الخلق إلى معرفة الحق، وإرشادهم إلى ما به ينتظم معاشهم ويحسن معادهم، فهم متفقون في هذا الأصل، وإن اختلفوا في تفاريع الشرع، وهذا التنوع قائم على أساس إدراك أن الله جل وعلا يشرع لكل نبي ما يناسب قومه ويناسب مصالحهم، ثم ينسخ الله لأمة أخرى بحسب مصالحها، حتى استقر الأمر في الشريعة الخالدة إلى يوم القيامة، ما جاء به سيد الأنبياء وخاتمهم: (إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين) رواه مسلم.

أصول واحدة

وفى سياق متصل، يؤكد الدكتور عبد الرحمن عباس سلمان أستاذ العقيدة والفلسفة المساعد بكلية أصول الدين والدعوة بأسيوط، أن أغلب المحرمات والمباحات أصولها واحدة عند جميع الأنبياء، وإنما تفاصيلها هي التي تختلف، وقد يكون الله عز وجل يحرم على بعض الأمم بعض الحلال القطعي من باب العقوبة لهم، كما فعل مع بني إسرائيل، لا من باب أنها في أصلها حرام، فقد يحرم عليهم بعض الطيبات؛ لأنهم ارتكبوا ما أوجب العقوبة عليهم، ولذلك لما أرسل الله عيسى عليه السلام بعثه ليخفف عن بني إسرائيل بعض ما حرم عليهم من الأمور الحلال، فتبقى تفاصيل الشرائع لتنظيم أحوال البشر في وسائل حياتهم، وهذا راجع إلى ما تحتاجه كل أمة بحسب الزمان والمكان، واختلاف الشرائع لا يعني اختلاف الدين، فالشرائع في عقيدتها واحدة، وفي أصولها أيضاً واحدة، وهذا معنى كون الأنبياء إخوة.

وأوضح أن جميع الكتب السماوية التى جاء بها الأنبياء والمرسلون، تقرر القواعد العامة التي لا بد أن تعيها البشرية في مختلف العصور، مما يهدف إلى بناء الإنسان والأكوان، كقاعدة الثواب والعقاب، وهي أن الإنسان يحاسب بعمله، فيعاقب بذنوبه وأوزاره، ولا يؤاخذ بجريرة غيره، ويثاب بسعيه، وليس له سعى غيره، قال تعالى «أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى } وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى } ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى»، ومما اتفقت فيه الرسالات أنها بينت المنكر والباطل ودعت إلى محاربته وإزالته، سواء أكان عبادة أوثان، أو استعلاء في الأرض، أو انحرافا عن الفطرة، أو عدوانا على البشر وأحوالهم بقطع الطريق والتطفيف بالميزان، وهذا من القواعد العامة والأسس التي قامت عليها الأديان جميعا.

بر وإحسان

وحول الاحتفال بميلاد المسيح وإخوانه من الرسل والأنبياء، يقول الدكتور خالد عمران، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن المسلمين يؤمنون بأنبياء الله تعالى ورسله كلهم، ولا يفرقون بين أحد منهم، ويفرحون بأيام ولادتهم، وهم حين يحتفلون بها يفعلون ذلك شكرا لله تعالى على نعمة إرسالهم هداية للبشرية ونورا ورحمة، فإنها من أكبر نعم الله تعالى على البشر، والأيام التي ولد فيها الأنبياء والرسل أيام سلام على العالمين، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك؛ فقال عن سيدنا يحيى «وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا»، وقال عن سيدنا عيسى «وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا»، وقال تعالى «سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ»، وقال تعالى: «سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» ثم قال تعالى: «سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ»، إلى أن قال تعالى: «وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ»، موضحا أنه إذا كان الأمر كذلك، فإظهار الفرح بهم، وشكر الله تعالى على إرسالهم، والاحتفال والاحتفاء بهم؛ كل ذلك مشروع، بل هو من أنواع القرب التي يظهر فيها معنى الفرح والشكر لله على نعمه، وقد احتفل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيوم نجاة سيدنا موسى من فرعون بالصيام؛ فروى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون يومًا ــ يعني: عاشوراء ــ فقالوا: هذا يوم عظيم، وهو يوم نجا الله فيه موسى، وأغرق آل فرعون، فصام موسى شكرًا لله، فقال: «أَنَا أَوْلَى بِمُوسَى مِنْهُمْ» فصامه وأمر بصيامه، فلم يعدَّ هذا الاشتراك في الاحتفال بنجاة سيدنا موسى اشتراكًا في عقائد اليهود المخالفة لعقيدة الإسلام، وبناء عليه فاحتفال المسلمين بميلاد السيد المسيح من حيث هو: أمرٌ مشروعٌ لا حرمة فيه؛ لأنه تعبيرٌ عن الفرح به، كما أن فيه تأسِّيًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم القائل في حقه: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِى الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ» رواه البخاري.

وأشار إلى أن تهنئة غير المسلمين من المواطنين الذين يعايشهم المسلم بما يحتفلون به؛ سواء في هذه المناسبة أو في غيرها؛ فلا مانع منها شرعًا، خاصة إذا كان بينهم وبين المسلمين صلة رحم أو قرابة أو جوار أو زمالة أو غير ذلك من العلاقات الإنسانية، وخاصة إذا كانوا يبادلونهم التهنئة في أعيادهم الإسلامية؛ حيث يقول الله تعالى: اوَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا«، وليس في ذلك إقرار لهم على شيء من عقائدهم التي يخالفون فيها عقيدة الإسلام، بل هي من البرِّ والإقساط الذي يحبه الله؛ قال تعالى: الا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ«، فالآية تقرر مبدأ التعايش، وتبين أن صلة غير المسلمين، وبِرَّهم، وصلتهم، وإهداءهم، وقبول الهدية منهم، والإحسان إليهم بوجه عام؛ كل هذا مستحبٌّ شرعًا.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق