رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

بريطانيا 2020...عام الصعوبات لجونسون

منال لطفى
جونسون

ليس هناك شك فى أن أهم حدث فى عام 2019 فى بريطانيا كان البريكست. فالعام بدأ بالبريكست وانتهى به، وذلك بعدما مرر البرلمان الجديد قبل أيام اتفاقية الخروج من الاتحاد الأوروبى . أما شخصية العام فهى قطعا رئيس الوزراء بوريس جونسون الذى أنهى عام 2018 على هامش السياسة البريطانية بعدما استقال من حكومة تيريزا ماى ليستغل عام 2019 للإعداد لعودته على رأس المشهد السياسى، ثم فاز بعد ذلك فى الانتخابات المبكرة فى 12 ديسمبر بغالبية 80 مقعدا بشعار واحد هو «تنفيذ البريكست».

باختصار كان عام 2019 هو عام صعود جونسون. لكن هذا الصعود لم يكن حتميا. فمسيرة جونسون السياسية كان يمكن أن تنتهى بفشل ذريع، لولا ضربات قدر وحظ هنا وهناك، من بينها مثلاً فشل تيريزا ماى فى تمرير اتفاقيتها للبريكست فى البرلمان ثلاث مرات. ولو صوت 30 نائبا فقط فى البرلمان فى المرة الثالثة لمصلحة البريكست لكانت الاتفاقية ستمرر وتبقى فى منصبها، وما وصل جونسون لرئاسة حزب المحافظين أو رئاسة الوزراء.

ضربات القدر

وإذا كان عام 2019 هو «عام السعد» لجونسون، فإن العام نفسه كان «عام الطعنات» بالنسبة لماى. فخطتها للبريكست قاب قوسين أو أدنى من التصديق عليها من البرلمان. وعندما أخفقت فى تمريرها، تآمر ضدها الجناح المتشدد فى الحزب حتى أجبرها على الاستقالة فى يوليو الماضى.

ثم حل جونسون محلها حيث جاء فى الوقت الصحيح والمكان الصحيح ليتفاوض على تعديلات بسيطة على خطتها للبريكست، والتى توصلت إليها ماى بعد مفاوضات استغرقت قرابة العامين. وحصد جونسون كل النجاح بعد كل الجهد الذى وضعته ماى حيث كانت نقطة ضعفها الأساسية أنها تفتقد للكاريزما السياسية.

وتكرر السيناريو نفسه خلال انتخابات 12 ديسمبر، فالمقاعد التى أخذها حزب المحافظين من حزب العمال فى شمال انجلترا كانت ماى قد وضعت فيها لحزب المحافظين قدما قوية فى انتخابات 2017 حيث ركزت استراتيجيتها على هدم «الجدار الأحمر» لحزب العمال فى الشمال، وما فعله جونسون هو أنه واصل البناء على نفس الاستراتيجية التى طورتها ماى وحصد جونسون نتائجها بشكل مذهل.

أيضا النتيجة التى حققها جونسون فى انتخابات 12 ديسمبر الماضى لم تكن لتحدث أيضا لو غير حزب العمال المعارض زعيمه جيرمى كوربن. فشعبية كوربن هى الأسوأ على الإطلاق لزعيم لحزب العمال. ولا يمكن تفسير النتيجة الكاسحة التى حققها جونسون فقط بكفاءة فريق حملته الانتخابية، وقدرته على التواصل مع الناخبين وجاذبية شعار «تنفيذ البريكست»، فجانب كبير يعود لفشل كوربن فى تغيير غالبية الرأى العام السلبى فى قيادته وشخصيته. كما أن موقفه الملتبس من البريكست لعب ضده،وكذلك مانفيستو الحزب فى الانتخابات الذى شبه بأنه مثل «سلة بابا نويل»، ملىء بالوعود الانتخابية المستحيلة التى يدرك غالبية الناخبين البريطانيين استحالة تحقيقها إلا باقتراض مئات المليارات من الجنيهات وهذا ما لا يريده الناخب الذى لا يرفض اقتصادا مثقلا بالديون. لكن تظل نقطة الضعف الأساسية لحزب العمال هى كوربن. ووفقا لكل استطلاعات الرأى، فإن جونسون كان من المرجح أن يخسر الانتخابات لو كان لحزب العمال زعيم آخر.

تحديات 2020

لكن النجاحات الانتخابية التى حققها حزب المحافظين وجونسون 2019 لا تعنى أن 2020 سيكون عاما سلسا بالضرورة.

فهناك تحديات كبيرة أمام بريطانيا. فعام 2020 سيبدأ بخروجها رسميا من عضوية الاتحاد الأوروبى فى 31 يناير 2020، بعد ذلك ستبدأ لندن وبروكسل مفاوضات تستمر 11 شهرا تنتهى فى ديسمبر 2020 حول شكل العلاقات المستقبلية بين الطرفين.

وسيكون عام 2020 مفصليا فى تحقيق وعود جونسون بسد الفجوة الاقتصادية بين الشمال والجنوب فى بريطانيا ومكافأة مدن الشمال العمالية التى صوتت له وإنهاء التقشف.

كما سيكون العام الجديد كاشفاً لتأثير عيوب خطة البريكست التى مررها البرلمان، خاصة إنشاء مراكز جمركية بين بريطانيا وإيرلندا الشمالية. فهذه الخطوة من شأنها أن تعزز حجج القوميين فى ايرلندا مثل حزب «شين فين» والذين يريدون توحيد ايرلندا الشمالية مع جمهورية ايرلندا الجنوبية.

أيضا ستكشف الأشهر المقبلة التكلفة السياسية لتغليب الجناح المتشدد فى حزب المحافظين على الجناح المعتدل. فقد خلق جونسون حزب المحافظين الجديد على صورته. فالجناح المعتدل اختفى تماماً ولم ينتخب أيا من النواب المعتدلين فى البرلمان الجديد. أما نواب الحزب الجدد، فهم من الموالين لجونسون شخصياً، ومن المؤمنين بالبريكست الخشن، ومن الداعمين لإنهاء مفاوضات العلاقات المستقبلية فى ديسمبر 2020 سواء توصلت بريطانيا لاتفاق جديد أو لم تتوصل ما يعنى أن تكون أسس العلاقات المستقبلية بين لندن وبروكسل هى قواعد منظمة التجارة العالمية.

هذا الجناح الأكثر يمينية فى الحزب قد يكون خطراً على وحدة المملكة المتحدة. فتحديد العلاقات المستقبلية مع بروكسل بناء على قواعد منظمة التجارة العالمية سيدعم بشكل كبير مطالب اسكتلندا باجراء استفتاء شعبى ثان على الاستقلال عن بريطانيا.

أى أن جونسون وسياساته وسيطرة الجناح المتشدد فى حزب المحافظين قد يدفعان تدريجياً نحو انفصال إيرلندا الشمالية واسكتلندا عن المملكة المتحدة.

الغيوم التى تلوح فى سماء بريطانيا 2020 لا تتعلق فقط بالحزب الحاكم، بل بأحزاب المعارضة أيضا وكلها فى حالة ضعف تاريخى باستثناء الحزب القومى الأسكتلندى الذى زاد عدد مقاعده إلى 48 من أصل 59 مقعداً مخصصة لأسكتلندا فى برلمان ويستمنستر.

ففى الأشهر الثلاثة الأولى من 2020 من المفترض أن ينتخب حزب العمال زعيماً جديداً للحزب خلفاً لكوربن الذى لن يغادر قبل انتخاب خليفته على رأس الحزب. لكن بقاءه على رأس الحزب خلال انتخاب زعيم جديد يثير مخاوف كثيرين من أن كوربن يريد أن يضمن انتخاب خليفة له من جناح أقصى اليسار الذى ينتمى اليه والمدعوم من النقابات العمالية وحركة «مومنتيوم» القومية. لكن انتخاب خليفة لكوربن من نفس التيار يعنى استمرار تهميش الجناح الوسطى المعتدل الذى يعتقد كثيرون أنه دون عودته فإن حظوظ العمال فى العودة للسلطة ستكون ضئيلة جداً. وفى حالة استغل كوربن وجوده على رأس الحزب لضمان انتخاب زعيم جديد من معسكره مثل ربيكا لونج بيلى التى تنتمى لأقصى اليسار، فإن المعتدلين فى الحزب قد ينشقون ويشكلون حزبا جديدا بعيداً عن سطوة النقابات القوية وحركة «مومنتيوم» ما يجعل 2020 عاما مفصليا بالنسبة لمصير حزب العمال.

أيضا سينتخب حزب «الأحرار الديمقراطيين» زعيماً جديداً له مطلع 2020 بينما يمر بأزمة لا تقل عن أزمة حزب العمال. فبريطانيا فى طريقها لتنفيذ البريكست وسيكون على «الأحرار الديمقراطيين» تطوير برنامجهم السياسى ليعكسوا التطورات السياسية التى حدثت فى 2019. وتكتمل الصورة بحالة الضعف التى تمر بها أحزاب «الخضر» و«القومى الويلزى» و«تغيير بريطانيا».

وفى ديمقراطية برلمانية حزبية فإن إعياء وضعف أحزاب المعارضة علامة مرض للنظام الديمقراطى ، وهذا ما لا تريده بريطانيا وهى مقبلة على مرحلة مصيرية من تاريخها.

من سيمثل الـ48%؟

وسيدخل عام 2020 والـ48% الذين صوتوا للبقاء فى الاتحاد الأوروبى فى استفتاء يونيو 2016 «يتامى سياسياً». فالـ48% لم يجدوا بعد تكتلا أو تنظيما أو حزبا سياسيا واحدا يعبر عنهم. وبالتالى تفتت أصواتهم فى انتخابات ديسمبر 2019 على عدة أحزاب على رأسها «العمال» و«القومى الأسكتلندى» و«الأحرار الديمقراطيين» ما أدى إلى تفتت نفوذهم. ولأن تنفيذ البريكست سيكون شعار 2020، سيحتاج مؤيدو الأتحاد الأوروبى إلى إعادة التفكير فى استراتيجيتهم البعيدة المدى. فمعركة البريكست كما يقول هؤلاء «معركة ممتدة تحتاج لنفس طويل...ومعسكر البقاء خسر المعركة لكنه لم يخسر الحرب». فالنكوص عن البريكست فى رأيهم ممكن فى حالة تغيير كبير فى المزاج العام البريطانى أو تكبد بريطانيا تكلفة اقتصادية وسياسية وأمنية كبيرة بعد الخروج من التكتل الأوروبى، ثانى أكبر سوق فى العالم بعد الصين. ولأن الاتحاد الأوروبى يدرك أن قصة البريكست ما زال بها فصول، فقد أكد فى نهاية 2019، أن «أبواب الاتحاد الأوروبى ستظل مفتوحة فى حالة غيرت بريطانيا رأيها» كما عبر عن آماله نائب رئيس المفوضية الأوروبية فرانس تيمرمان فى رسالة لصحيفة «الجارديان» البريطانية. لكن ستظل معضلة الـ48% فى إيجاد جسم سياسى يعبر عنهم. وربما أفضل طموحاتهم أن يتحول حزب العمال لحزب البقاء فى الاتحاد الأوروبى وأن يميل ليسار الوسط.

أسئلة عالقة 2020

لقد وصل جونسون لما وصل إليه فى 2019 بشعار «الغاية تبرر الوسيلة» (التآمر على تيريزا ماى، طرد المعتدلين من الحزب، وتعليق البرلمان) ونال ما طمح فيه وهو المكوث فى «10 دواننج ستريت» لمدة 5 سنوات جديدة. وسيكشف عام 2020 ما إذا كانت الانتصارات التى حققها فى 2019 (الفوز بزعامة حزب المحافظين، التوصل لاتفاقية بريكست جديدة مع الاتحاد الأوروبى، الفوز فى الانتخابات العامة فى ديسمبر، تمرير البرلمان اتفاقية البريكست)، انتصارات قابلة للاستمرار والبناء عليها أم أنها انتصارات مؤقتة. ففى 2020 ستكون أسكتلندا «صداعا فى رأس» جونسون بسبب إصرار ستورجين على إجراء استفتاء ثان للانفصال عن بريطانيا. كما سيكشف عام 2020 ما إذا كان «شبح كوربن» سيظل حائلاً أمام حزب العمال وما إذا كان المعتدلون سيشكلون حزبا وسطيا جديدا يخترق المشهد السياسى. فأمام حزب العمال خياران مصيريان إما «إعادة تدوير مشروع كوربن» على يد ربيكا لونج بيلى، وإما الإلقاء به فى سلة المهملات. أيضا سيكشف 2020 ما إذا كانت بريطانيا ستتوصل لاتفاقية علاقات مستقبلية مع الاتحاد الأوروبى، أم أن الغريمين التاريخيين سيدخلان مراحل جديدة من المواجهة بعد 40 عاماً من التعايش فى ظل المشروع الأوروبي؟.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق