رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

التطرف.. الروايات المضادة

أشرت فى مقالى السابق الى الدور الخطير الذى يمكن ان يلعبه الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، بصفة خاصة، باعتبارها حاضنة استثنائية وأهم بيئة منتجة للتطرف خلال السنوات الأخيرة. وأشرت الى أنه رغم كل الجهود المبذولة لمواجهة المحتوى المتطرف على هذه المواقع إلا أنه لاتزال هناك حاجة أكثر للمزيد من الإجراءات من قبل الحكومات وشركات التواصل الاجتماعي، وهناك حاجة أيضا لإشراك فاعلين جدد يتولون عملية الرصد والمراقبة والتبليغ من أجل حذف أى محتوى متطرف. الى جانب هذه الإجراءات، هناك حاجة بالتوازى الى صياغة روايات مضادة للمحتوى المتطرف. بهذا الخصوص قامت المغرب ومصر والسعودية والإمارات بإطلاق مراكز مكافحة التطرف، حملت الأسماء التالية: الرابطة المحمدية للعلماء فى المغرب، مرصد الأزهر فى مصر، مركز اعتدال فى السعودية، ومركز صواب فى الإمارات. قامت المراكز المذكورة بتحدى ومجابهة المحتوى المتطرف، وجمعت معلومات ديموغرافية حول عناصر التنظيمات الإرهابية على الإنترنت، وحللت الاتجاهات، ونشرت روايات مضادة للفكر الأيديولوجى المتشدد. وفى بعض الأحيان، تعاونت هذه المراكز فى نشر هاشتاجات تروج للتسامح والاعتدال على مواقع التواصل الاجتماعي. وحتى تكون الروايات المضادة اكثر فاعلية، هناك بعض التدابير اللازمة يجب اتخاذها، ومنها: تكييف هذه الروايات مع الحاجيات النفسية للفئات المستهدفة من الشباب، ومع لغة ولهجة وأسلوب اتصالات وسائل التواصل الاجتماعي. تقول بعض الدراسات إن ما يميز الشباب المستهدف، فى مرحلة ما قبل التطرف، أن له سمة مشتركة، وهى الإحساس بأنه دائم البحث عن شيء ما، وأنه دائما فى مفترَق طرق. وهذا يعنى أن الآليات النفسية مثل انعدام الأمن والإحساس بالظلم مع البحث عن الاندماج الاجتماعي، هما ما يجعل هؤلاء الشباب فى توافق مع أشخاص آخرين، يتقدمون إليهم بوجهات نظر مماثلة. هناك، أيضا، حاجة لزيادة التعاون مع منظمات المجتمع المدنى ذات الصلة. هذه الأخيرة غالبا ما تكون لديها صلات راسخة وعميقة مع المجتمعات المحلية، وبالتالى تكون ذات ثقة ومصداقية. تعزيز وجودها على مواقع التواصل الاجتماعى ومنحها الإمكانات والمعلومات اللازمة سيسهم فى بناء استجابات فعالة ومستديمة على مستوى المجتمع المحلي. لابد أيضا من ضمان حماية حسابات الناشطين الذين يقفون ضد التطرف، ومنع قراصنة الشبكات من اختراق هذه الحسابات، والحرص على سرية بيانات الأشخاص، وتمريرها للجهات الحكومية، اذا ما دعت الضرورة، عبر القنوات الملائمة.

أثبتت بعض الحملات على فيسبوك (مثل حملة اعيدوا فتياتنا، بخصوص الفتيات المختطفات من طرف جماعة بوكو حرام) نجاحها فى محاربة التطرف. ومع البحث عن أسباب النجاح، برزت ثلاثة عوامل نجاح. العامل الأول هو الشكل، إذ إن التصوير المرئى يلعب دورا مهما للغاية فى نجاح الحملة، وشكل الإيجاز أيضا أهم عوامل النجاح. العامل الثانى مرتبط باللهجة كلما كانت خالية من الهجوم، كانت الحملة ناجحة. الرسائل الإيجابية البناءة تنجح أكثر من غيرها فى حث الأشخاص على معارضة أيديولوجيات معينة. وتعتبر الفكاهة والسخرية على وجه التحديد أدوات فعالة فى هذا السياق. العامل الثالث يقوم على اختيار المتحدث الأكثر تأثيرا بجمهور معين. ومن الأفضل ان يكون أحد المشاهير، او الرموز الشابة او شخصية عاشت ذات التجربة. شهادتها ستكون أكثر إقناعا من غيرها. وهناك حاجة الى إيجاد منصات بديلة تكرس الممارسة الديمقراطية وتؤسس لخطاب جديد يعتمد على ثقافة حقوق الإنسان، ويحت على قيم ومبادئ المواطنة، والعيش المشترك، والاعتدال والتسامح وقبول الآخر. وتعزيز التفكير النقدى والمعرفة الرقمية والقدرة على الصمود من خلال التعليم والثقافة والرياضة ومختلف الأنشطة المجتمعية، وغيرها من التدابير المصممة لمعالجة العوامل الاجتماعية والفردية التى يمكن أن تؤدى بالأفراد إلى دعم التطرف. وهناك حاجة أيضا لتطوير برامج وتطبيقات وألعاب إلكترونية وشرائط فيديو مبتكرة، تحمل رسائل غير مباشرة تحث على ثقافة السلام والتنوع الثقافي، واحترام الآخر. من شأن ذلك، ان يحقق استجابات نوعية، وان يقوم بدور الحصانة الاستباقية ضد كل التيارات المتطرفة.

ولأن المسئولية مشتركة، فيمكن ان يسهم الإعلام التقليدى أيضا فى تقليص مساحات التطرف داخل مواقع التواصل الاجتماعى من خلال حرصه على عدم تضخيم الشعور بالخوف الذى تولده الأعمال الإرهابية، وعدم توفير منبر للإرهابيين بمنحهم اهتماما مبالغا، والنظر فى اعتماد تدابير الرقابة الذاتية، لتستجيب بفاعلية للقضايا الأخلاقية التى تثيرها وسائط الاعلام عند تغطية المواضيع المتصلة بالتطرف والإرهاب. الانترنت يقوم فقط بدور الميسر، يسهل الالتقاء بين تنظيمات متطرفة، وشباب ونساء لديهم الجاهزية النفسية لتبنى الخطاب المتطرف. بالتالي، لابد من تأكيد ان القضاء على التطرف يبدأ أولا وقبل كل شيء بالقضاء على أسبابه ودوافعه. وإلا فكل الجهود المبذولة بهذا الخصوص ستكون نتائجها محدودة، يمكن ان تخمد الظاهرة لكن لن تقضى عليها.


لمزيد من مقالات وفاء صندى

رابط دائم: