رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

الإصلاح المصلح والإصلاح المفسد

من الضرورى أن نؤكد بداية أن تجارب الإصلاح والتطوير التى تتم دون دراسة معمقة للواقع، واستشراف نافذ للمستقبل، واستعراض للتجارب السابقة، ومعرفة مواطن فشلها، هذه التجارب المستعجلة قد تؤدى على المدى القصير إلى مظاهر نجاح، وثمار تطور، وعوائد سريعة، ولكنها على المدى البعيد تؤدى إلى كوارث، وانهيارات اجتماعية، وهنا لابد من دراسة التنمية والتحديث فى العالم العربى والإسلامى، وكيف أدى الكثير منها إلى نتائج سريعة غاية فى التقدم والرقى، ولكنها أسست لكوارث اجتماعية جاءت بعد ذلك.

فالتعليم الذى يقوم على سياسة الفصل بين التعليم الحديث، وبين التعليم الدينى أو التقليدي, أى إنشاء مدارس حديثة, تتبنى مناهج تعليم غالبا ما تكون مستوردة من دول أخرى، وفى الوقت نفسه يتوازى مع هذه المدارس الحديثة نمط تعليمى تقليدى مغرق فى التاريخ، والتراث، وغائب بصورة كبيرة عن العصر. بالتأكيد سوف يؤدى ذلك إلى انشطار المجتمع، وحدوث حالة من ازدواجية الثقافة, بل ازدواجية المجتمع فيصبح المجتمع مجتمعين، والثقافة ثقافتين، ويتحول المجتمع إلى حالة من المواجهة الداخلية العميقة، التى أفرزت بعد ذلك جماعات العنف السياسى، وحركات العمل المسلح والإرهاب، وعلى الجانب الآخر أدى ذلك إلى ظهور حركات علمانية، وماركسية، ولا دينية عنيفة واستئصالية أيضا. وكل ذلك يرجع فى معظمه إلى عمليات التحديث المتسارعة التى تفتقد الى التوازن والشمول.

فقد أنتجت عمليات فرض نماذج التحديث المتسارعة على المجتمعات العربية والإسلامية إحداث انشطار فى البنية الاجتماعية، حيث انقسم المجتمع إلى تيارين أحدهما يتبنى تلك النماذج الجديدة ويدعو لها، والآخر يرفض، ويقاوم، ويتمسك بالتقاليد المتوارثة، ولذلك كان الانقسام الاجتماعى انقساماً حاداً يفتقد إلى العقلانية أو الرشد، وينحدر إلى مستوى الحرب الأهلية الثقافية التى يسعى كل طرف فيها إلى نفى الآخر والقضاء عليه.

وقد أدت هذه الحالة إلى عمليات متراكبة من التشويه والتدهور فى كلا النسقين سواء المُتبنى أو الموروث، حيث تم التركيز فى كليهما على المظاهر والقشور وأطراف المواقف، وضاع العدل والتوازن فى الرؤية فى ذلك الصراع الاجتماعى الذى لا نهاية له فى ظل المعادلة القائمة على الثنائية والحدية.

وقد أدى ذلك إلى إحداث حالة من الارتباك فى المجتمع والدولة على السواء يفقدان بسببها الوجهة والاتجاه، ويسلكان نتيجة لها مسالك تعكس حالة دفاعية تحركها ردود الأفعال، والاستجابات التلقائية للأحداث, أكثر من أن تحركها رؤية حضارية تربط الحاضر بالمستقبل, مسترشدة بتجربة الماضي.

وهذه الحالة من الارتباك والتشويش تؤدى إلى عدم استقرار سياسى أو اقتصادى أو اجتماعى حيث ينتقل المجتمع من النقيض إلى النقيض، وحيث لا تؤتى الظواهر الاجتماعية ثمارها، ولا يسمح لها بأن تفرز نتائجها لفقدانها الاستقرار الزمنى، والنضج الطبيعى من خلال مفاعلات اجتماعية ثقافية زمنية تلقائية، ودون تسريع أو تسرع.

والناظر فى تجارب الدول الإسلامية مثل إيران وتركيا، وتونس وباكستان ومصر منذ محمد على الآن يلحظ أنها تمثل نماذج متنوعة لهذه الفرضية, إذ معظمها شهد، أو لم يزل يشهد الانتقال من نموذج تحديثى إلى آخر دون أن يحقق أهدافه فى أى منها، مما جعل هذه الدول أشبه بحقول التجارب لغير غاية، وبلا هدف من التجربة، إذ لم تخرج أى حالة منها بنتيجة تمثل دحضاً للنظرية التى تم تبنيها وتطبيقها.

تأسيساً على السابق تكون النتيجة المنطقية هى إهدار طاقات المجتمع الفردية والمؤسسية، وتفريغها فى صراعات داخلية متوهمة، أو فى محاولات مردودها ضئيل أو سلبى فى كثير من الأحيان، وبذلك تفقد هذه المجتمعات فرصة النمو مرتين، مرة عندما أهدرت طاقاتها، واستنفدت جهود أبنائها، وتساقطت العقود من تاريخها دون أن تنجز شيئاً، أو تحقق نقلة نوعية فى اجتماعها أو اقتصادها.

ومرة ثانية عندما تشوهت هياكلها وبنيتها، وأصبح من الصعب أن تستجمع شتات نظمها المجتمعية لتعاود استئناف دورتها الحضارية، وصار من العسير عليها البدء بصورة متوازنة مستقرة من النقطة التاريخية المعاصرة صوب المستقبل، إذ أنها ستحتاج إلى سنوات قد تطول لتتجاوز الآثار السلبية لكونها حقلاً للتجارب ومعملاً لاختبار خطط وبرامج متناقضة.

وعلى العكس من هذا فإن التجارب الناجحة للتحديث مثل تجربة اليابان، وكوريا الجنوبية تم فيهما المزاوجة بين الوافد وبين الأصيل، وبين التراث وبين العصر، بين ثقافة الغرب وثقافة الذات، ومن ثم تحولت الهوية اليابانية، أو الهوية الكورية إلى دائرة مركزها هو التراث والأصالة والذات والتقاليد، ومحيطها متمدد يستوعب كل ما أنتجه العصر دون توتر ودون شعور بالاضطراب أو القلق. ولعل دراسة هذه التجارب والاستفادة منها يمثل مقدمة ضرورية لإنجاح تجربة تطوير التعليم فى الدول العربية أو الإسلامية.

فعلى سبيل المثال فإن إصلاح التعليم سيستلزم دراسة معمقة لقيم المجتمع، والعمل بصورة جدية وشاملة واستراتيجية لتقوية مواطن القوة فى ثقافة المجتمع، والتخلص من مواطن الضعف, فقيم مثل التفاخر والتعصب، والتعالى على العمل اليدوى، والاتكالية على الغير، والرغبة فى الكسب السريع واليسير، كلها قيم تحتاج إلى معالجة ثقافية فى النظام التعليمي. كذلك قيم مثل الانتماء الأسرى والعائلى، والكرم والصراحة واحترام الكبير، وعدم المواجهة كلها قيم إيجابية تحتاج إلى تقوية وتشذيب، ومن هنا فإن تطوير التعليم يستلزم دراسات اجتماعية معمقة لمختلف قضايا المجتمع وتكويناته.


لمزيد من مقالات د. نصر محمد عارف

رابط دائم: