رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

لماذا فشلت الليبرالية؟

يعيش العالم فى هذه المرحلة حالة من التيه الأيديولوجى، والمراجعة العميقة للعديد من النظريات التى بنيت عليها نظم سياسية وهياكل دولية، بعض هذه النظريات مثل الليبرالية، والتى أعلن فرانسيس فوكوياما منذ سنوات أنها انتصرت على ما عداها من أيديولوجيات، وأن ذلك يمثل نهاية للتاريخ. اليوم نجد أنها أصبحت محل انتقادات ومراجعات ضخمة، وفى مقابل كتاب نهاية التاريخ لفوكوياما الذى بشر بانتصار الليبرالية، ظهر فى الولايات المتحدة منذ شهور قليلة كتاب مهم لاحد أساتذة الفلسفة السياسية بجامعة نوتردام الأمريكية، وهو باتريك دينين، ويحمل عنوان لماذا فشلت الليبرالية، الكتاب مازال محل جدل كبير فى الأوساط الأكاديمية والإعلامية بالولايات المتحدة، ورغم أن الساحة الأمريكية تشهد حاليا حالة من الانقسام والاستقطاب السياسى العميق، فإن الكتاب حظى باستحسان وإشادة أكاديميين وسياسيين من اليسار واليمين.

الفكرة الأساسية للكتاب هى أن الليبرالية تعانى اليوم أزمة عميقة، وأن هذه الأزمة ليست ناتجة عن قصور الليبرالية فى تحقيق الأهداف التى قامت عليها، بل هى نتيجة لالتزامها بتحقيق هذه الأهداف ونجاحها بشكل كبير فى ذلك. بمعنى أن الليبرالية قامت على فكرة أساسية وهى الفردية، وأن الفرد هو الوحدة الاجتماعية الأساسية، وان الحريات الفردية هى الهدف المبتغى، وأن الأفراد يتمتعون بالاستقلالية، وينبغى إطلاق قدراتهم لتحقيق تفضيلاتهم وأهدافهم وأحلامهم.

وقد استطاعت الليبرالية تحقيق الكثير من ذلك، ووصلت المجتمعات الغربية الى حالة غير مسبوقة من الفردية، وارتبط ذلك بالتحرر الشخصى من السلطة والمؤسسات والتقاليد الثقافية والدينية.

ولأن جوهر الليبرالية يكمن فى تحرير الأفراد من القيود، فقد أسهم ذلك فى تقويض العلاقات الاجتماعية ، وارتفاع معدلات عدم المساواة، وفقدان الثقة فى الحكومة، بالإضافة الى زيادة الانقسامات السياسية، والانشقاقات فى النسيج المجتمعى. ويشير المؤلف الى أن الديمقراطيات الليبرالية فقدت شرعيتها ، ومن ثم ولد فى إطارها توجهات غير ليبرالية تعد بحماية الناس من تقلبات الليبرالية نفسها، كما نشهد فى تصاعد التيارات اليمينية المتطرفة فى العديد من الدول الغربية.

على سبيل المثال روجت الليبرالية لفكرة السوق الحرة فى الاقتصاد مما وسع من الخيارات أمام الفرد، كما سعت لضمان الحقوق المدنية للأفراد، وأسهم كل ذلك فى زيادة الحرية الفردية، ولكن دون اهتمام لرغبات واحتياجات الآخرين، أو المجتمع ككل. وكما ذكر أحد المعلقين على هذا الكتاب فى جريدة الواشنطن بوست فإن الليبرالية تقدمت من خلال تحرير الفرد من الارتباط بأماكن أو علاقات محددة، او عضوية تجمعات معينة، بل وحتى التحرر من الهوية، ونتيجة لذلك تفككت الثقافة، وتقلصت روابط الأسرة، وقطعت العلاقات مع الماضى، وغاب الفهم للصالح العام. وفى النهاية، تركت الليبرالية الأفراد فى حالة وحدة رهيبة، وأصبح جوهر الليبرالية هو الوحدة.

ويضع المؤلف مجموعة من الأفكار للخروج من هذه الحالة، يبدؤها بالحديث عن عدم تحبيذه العودة إلى عصر ما قبل الليبرالية، والى ضرورة الاعتراف بإنجازات الليبرالية. لكن خريطة الطريق التى يقدمها للسير نحو المستقبل تقوم على تجاوز عصر الأيديولوجية والنظريات الشاملة المرتبطة به، وأن مجتمع ما بعد الليبرالية يستلزم العودة إلى المجتمعات الأصغر والتى تركز على الأسرة، وترتبط بالحكومات المحلية، والجمعيات الدينية والثقافية. ويشير الى أن هذه المجتمعات المحلية سوف تسهم فى المحافظة على الروابط المجتمعية والثقافية، والحكم الذاتى، ومقاومة العزلة والوحدة.

وبالرغم من الثناء على الأفكار التى عرضها باتريك دينين فى كتابه والتى أوضحت حجم الأزمة التى تمر بها المجتمعات الليبرالية، فإن بعض المقترحات التى قدمها للخروج من هذه الأزمة تعرضت للانتقاد من عدد من الكتاب، فأشار أحدهم الى أنه لا يمكن العودة إلى الحياة المحلية المنفصلة عن السياسة العالمية، وأن المشكلات العالمية تتطلب حلولاً عالمية، على سبيل المثال كيف ستتعامل المجتمعات المحلية مع قضايا الهجرة الجماعية، والوتيرة المتسارعة للتقدم التكنولوجى، والأوبئة الدولية، وتغير المناخ، والإرهاب وغيرها من المشكلات العالمية والعابرة للحدود.

وجهة نظر أخرى طرحها أحد الكتاب فى مجلة الايكونومست وأشار فيها الى قدرة الليبرالية على إصلاح نفسها ومعالجة مشكلاتها الداخلية. على سبيل المثال شهدت أواخر القرن التاسع عشر معاناة الولايات المتحدة العديد من المشكلات التى عادت إلى الظهور اليوم، بما فى ذلك توغل الشركات الكبيرة، وفساد السياسة، والشعور بأن المجتمع ينقسم إلى فائزين وخاسرين. لكن مجموعة من الإصلاحيين، الذين يعملون فى إطار التقاليد الليبرالية، عالجوا هذه المشكلات فى عهد الرئيس ثيودور روزفلت، وبدلاً من الموت، أصلحت الليبرالية نفسها.

وأشار كاتب ثالث الى أن كتاب لماذا فشلت الليبرالية لا يمثل خطبة وداع جنائزية لهذه الأيديولوجية، ولكنه دعوة لإصلاحها، وأعتقد أن هذا هو الطريق الذى سوف تسير فيه الليبرالية كى تجدد نفسها.


لمزيد من مقالات د. محمد كمال

رابط دائم: