رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ممالك النار وفتح الأبواب المغلقة

يصعد طومان باى سلالم المشنقة المعدة من العثمانيين، متسلحا بمحبة المصريين، ومسائلا نفسه قبلها فى حوار درامى دال بينه وبين شيخه عما حدث، وهل أصاب أم أخطأ؟ هل قاوم حتى النهاية أم أن الهزيمة تعنى مغادرة كل شيء، لكن المسلسل الذى تنفتح نهايته على أفق مقاوم سنرى الإرث الذى حافظ عليه طومان ومنحه لصديقه جمال الدين.

يبدو مشهد النهاية مؤثرا فى مسلسل ممالك النار، حاملا نزوعا إنسانيا بالأساس، يبدو فيه الحوار العاصف بين سليم الأول، وطومان باي، ليس محض حوار بين شخصيتين، ولكنه حوار بين رؤيتين مختلفتين للعالم، فسليم الأول السلطان العثمانى الغازى، المولع بالقتل والدماء، والنهم للاستحواذ، يقف على قمة عالم مسحور بالمؤامرة والخديعة، يرى فيه أباه يشارك فى مؤامرة لقتل جده محمد بن مراد الذى قاتل إخوته الثلاثة وصولا إلى العرش، وحينما استتب له الأمر قتل أخا رضيعا لا يتجاوز الستة أشهر، وهى التقديمة الدرامية التى يستهل بها المسلسل بدايته عبر صوت الراوى الذى يقوم بالسرد الإخبارى الذى يضع المتلقى فى قلب الحدث الدرامي، أما الأهم وهذا جوهر ما فعله مسلسل ممالك النار، أنه يعرى المسكوت عنه فى طبيعة الحكم العثمانى وماهيته، والتصور المبنى عليه من محاولة التهام الأمم الأخري، والتكريس للصوت الواحد، والنزوع الإمبراطورى التوسعى القائم على الدسائس والحروب الماكرة، وتوظيف الدين لخدمة السياسة، والاتكاء على المقدس فى تمرير المظالم وتبرير الغدر بالناس والأمم، وجعل الفقيه فى خدمة السلطان دائما، يجلب له البيعة، ويأمر الناس بطاعته، فى إطار التحالف السرمدى بين السلطتين الدينية والسياسية لمنح الاستبداد مظلة شرعية، وهكذا فعل العثمانيون، وسلطانهم الغازى سليم الأول الذى يرصد المسلسل حياته منذ كان طفلا شاهد الدسائس والمؤامرات وقتل ابن عمه الصغير ومعه محرره من السجن، وبدا مسكونا بهوس القتل الذى ظل شرها تجاهه إلى أن كبر وصار سلطانا يقتل أباه بالسم، ويقتل إخوته وأبناء إخوته الصغار ويعيد مشهد جده محمد بن مراد فى قتل رضيع لم يعرف بعد للحياة طريقا سوى صدر أمه.

هنا يبدو الغوص فى سيكولوجية سليم الأول واللعب على إبراز النزعات النفسية المضطربة داخله، وحالة الهوس بالدماء والتلذذ بمنظرها، وضرب الناس ببعضهم البعض، من الملامح الأساسية فى الدراما، والتى أجاد مؤلف المسلسل تقديمها بمهارة حقيقية، وقد منحتها حيوية حركة الكاميرا، والكادرات البصرية المتنقلة تارة، والتقطيع المتوازى للمشاهد تارة أخري، فبدا الحفيد والجد وجهين لعملة واحدة، وبدا طومان باى على طرف نقيض من سليم الأول، فطومان غايته المحبة والعدل، وقد وصل الفنان المصرى خالد النبوى إلى ذروة فنية رائقة من التماهى مع الشخصية ومنحها أبعادا إنسانية بامتياز، وتمثلا للروح المصرية التى سكنتها بحق.

تلعب الدراما على تلك الثنائيات المتعارضة، فسليم الأول نقيضه طومان باي، والأميران الملوكيان الخائنان خاير بك والغزالى بك، نقيضان لآخرين وقفوا مع طومان حتى النهاية، والناس فى حلب يتطلعون دوما لأهلهم فى القاهرة، والقصة الرومانسية الرقيقة التى تنمو على ضفاف الحكاية التاريخية تنتهى بمصرع طومان باى وشنقه وتعليق جثته على باب زويلة، أما مشهد صعوده للمشنقة والذى يحيلك لحكايات سابقة تاريخية أو دينية رأينا حضورا لها فى أعمال فنية عالمية، فإنه يكتسب فى ممالك النار بعدا مصريا خالصا، يبدو فيه الناس يتطلعون إلى المقاومة وإلى الغد وإلى اللحظة التى سيخرج فيها المحتل العثمانى الذى مكث طويلا بتحالفات السلطتين السياسية والدينية، وتواطؤ المماليك، وغيرها.

يبدو المدلول السياسى الذى يحمله المسلسل واصلا بين الماضى والحاضر، فالأطماع التركية الراهنة فى عالمنا العربي، وتأزيم المنطقة والإقليم بالصراعات المختلفة، وتأجيج الفتن بتوظيف التيارات المتطرفة وجعلها مخلب قط للخليفة العثمانلى الجديد، وعقد الصفقات والتحالفات المشبوهة مع أشباه وأنصاف سعيا إلى محاصرة الدور الإقليمى المصري، وشغله عن محيطه العربى والإقليمي، واعتماد تركيا على الدراما وتوظيفها فى اختراق الوجدان العربى وتشكيل قوة ناعمة من مسلسلات القصور الفخمة التى تحكى أمجاد التاريخ دون أن تشير ولو على استحياء إلى خطايا هذا التاريخ وعنفه اللانهائي، والأخطر مشاركته فى تكريس التخلف فى عالمنا العربي. من هنا يبدو مسلسل ممالك النار على قدر حقيقى من الأهمية حين يضع قدما فى التاريخ وأخرى فى الواقع، وحين يدرك صناعه وكل من شارك فيه بأن ثمة مسئولية حقيقية على الفن أن ينهض بها حين يقرر أن يفتح الأبواب المغلقة، فيكشف ويفكك ويسائل المستقر والسائد.


لمزيد من مقالات د. يسرى عبدالله

رابط دائم: