رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

اللغة العربية فى مواجهة التحدى الحضارى

كانت اللغة العربية قبل الإسلام تتواءم فى مضمونها وقدرتها التعبيرية مع بساطة الحياة الجاهلية، فلم تعالج الفكر الفلسفى العميق، ولم تتعامل مع موضوعات علمية معقدة، مما قد يجعل البعض يظن أنها غير مؤهلة لذلك.

وقد كان ظهور الإسلام نقطة تحول كبرى فى حياة اللغة العربية، وظهر تأثير القرآن الكريم والحديث النبوى على اللغة العربية ومعانيها منذ الصدر المبكر للإسلام؛ حيث عالجا ـ بأقوى بيان ـ قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية وفقهية وأخلاقية لم يعرفها الجاهليون، ودخلت إلى اللغة العربية من خلالها ألفاظاً ومصطلحات لم يألفها عرب الجاهلية بمعانيها الجديدة كالخلافة والإمامة والصلاة والزكاة والإيمان والإسلام والإحسان والأول والآخر والظاهر والباطن والغيب والشهادة وما إلى ذلك من المصطلحات.

وعندما قامت الدولة الإسلامية فى المدينة المنورة فى حياة الرسول كانت حاجاتها الإدارية شديدة البساطة. فلما اتسعت الدولة فى عصر الخلافة الراشدة وتعقدت حاجاتها الإدارية لم تعجز اللغة العربية عن تلبية هذه الحاجات. وقد كان عمر أول من دون الدواوين، فأنشأ ديوان الخراج وديوان العطاء أو الجند. والملاحظ أن كلمة «ديوان» فارسية معربة؛ ومعناها الدفتر الذى تكتب فيه أسماء الجند وأهل العطاء. ولم يجد المسلمون حرجا فى استعارة مصطلحات أجنبية وتعريبها وإخضاعها لنظام الاشتقاق العربى.

وفى فترة الخلافة الراشدة اتسعت المواجهات العسكرية بين المسلمين وأعدائهم، وخاصة من الفرس والروم. وقد أثبتت اللغة العربية حيوية بالغة فى التعبير عن كل ما يتصل بهذه المواجهات من معاهدات ووصايا وتوجيهات.

وقد شهد العصر الأموى تطورا مهما فى حياة اللغة العربية؛ حيث استحدث الأمويون دواوين جديدة، وعربت الدواوين عندما أتيحت الكوادر التى تستطيع ممارسة هذا العمل الإدارى الدقيق باللغة العربية.

وبعد نهاية العصر الأموى بزغ عصر جديد فى تاريخ اللغة العربية هو العصر العباسى فى المشرق والعصر الأموى وما تلاه من عصور فى الأندلس.

وشهدت هذه المرحلة تطورين فى غاية الأهمية فى تاريخ اللغة العربية، الأول: حركة تدوين العلوم، حيث ازدهرت فى مطالع العصر العباسى، وشملت كل فروع المعرفة العربية والإسلامية.

وكانت المهمة التى تصدت لها اللغة العربية بنجاح منقطع النظير هى تقديم المصطلحات الدقيقة التى تستعمل فى كل علم من هذه العلوم، فمن المصطلحات الفقهية مثلا: الرأى والقياس والإجماع والاستحسان والاستصحاب والمصالح المرسلة والتسعير والضمان وبيع السلم والمزارعة والمضاربة وفروض الكفاية وفروض الأعيان إلى غير ذلك.

ومن مصطلحات علوم الحديث: الصحيح والحسن والمتواتر والضعيف والمعلول والمرسل والمنقطع والشاذ والغريب والجرح والتعديل والسند والمتن والمؤتلف والمختلف إلى غير ذلك.

ومن مصطلحات التصوف: التصوف، ثم الشيخ والمريد والمقامات والأحوال والأذواق والمواجد والخلوة والكشف والطريقة والحقيقة والاتحاد والفناء والتخلى والتجلى والتحلى والقبض والبسط والسماع وغير ذلك.

ومن مصطلحات علم الكلام: الجوهر والعرض والجبر والاختيار والقدم والحدوث والتحسين والتقبيح والصلاح والأصلح واللطف والقدر والاستطاعة والتجسيم والتحيز والجهة والطفرة والتولد والحركة والسكون والإرجاء والبداء وغير ذلك. وهكذا فى بقية العلوم العربية والإسلامية.

هذه العلوم التى نجح المسلمون فى تأصيلها ووضع مصطلحاتها وقواعدها منذ نحو النصف الثانى من القرن الثانى الهجرى وما بعده أثبتت حيوية اللغة العربية وقدرتها على التعامل مع المعطيات الحضارية الجديدة.

أما التطور الثانى الذى شهدته اللغة العربية فى العصر العباسى فيتمثل فى حركة الترجمة من التراث العالمى إلى اللغة العربية. لقد بدأت هذه الحركة بجدية منذ مطالع العصر العباسى، وبالتحديد فى خلافة أبى جعفر المنصور. وفى نهاية القرن الرابع الهجرى تقريبا كانت هذه الحركة قد أنجزت مهمتها على أكمل وجه، فاستطاعت أن تنقل إلى اللغة العربية أهم كنوز الحضارة الإنسانية، يونانية كانت أم فارسية أم هندية أم سريانية، فى مجالات العلوم التجريبية والرياضية والفلسفية، من طب وكيمياء وفلك وفيزياء وهندسة وفلسفة ومنطق، وأصبحت كتب بطليموس وجالينوس وأبقراط وأرسطو وأفلاطون متاحة أمام القارئ العربى، وترجم كتاب «السند هند» فى الفلك من الهندية وكتاب «كليلة ودمنة» فى الأدب الرمزى من الهندية عبر الفارسية.

ولم تعجز العربية عن تقديم المصطلحات فى مختلف المجالات؛ فأصبحنا نقرأ عن التبخير والتقطير والترشيح والتكليس والإذابة والتبلور والتصعيد من مصطلحات الكيمياء، والتشريح والشرايين وعرق النسا وشبكية العين والقرنية والحجاب الحاجز والمسام والفالج والتشنج والاستسقاء وغير ذلك من مصطلحات الطب. ومن مصطلحات الرياضيات الجبر والمقابلة والزاوية القائمة والحادة والمنفرجة والدائرة والأضلاع والمثلثات والمكعبات إلى آخره. ومن مصطلحات الآلات الموسيقية الطنبور والناى والإيقاع والنغم.. إلى غير ذلك من مصطلحات العلوم التى أفاض فى شرحها محمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمى المتوفى سنة 387هـ صاحب كتاب «مفاتيح العلوم».

وقد يحدث أن تستعير اللغة العربية المصطلح الأجنبى وتخضعه لنظامها فى الاشتقاق كمصطلح الفلسفة الذى يعنى حب الحكمة، وقد خضع للاشتقاق المألوف فى العربية، فيقال: تفلسف يتفلسف تفلسفا، وقد يستعار المصطلح بشكل يكاد يكون كاملا كالجغرافيا والموسيقا والكيمياء. ولم تجد العربية حرجا فى ذلك. وقد استوعب المسلمون هذه العلوم وأصبحت جزءا من ثقافتهم.

كما اعتمد الأوربيون على مؤلفات المسلمين فى العلوم التجريبية وترجموها إلى اللاتينية ثم إلى اللغات الأوروبية الحديثة، فكانت أساسا من الأسس التى قامت عليها حركة النهضة الأوروبية.

ولا شك أن هذه اللغة، التى أثبتت حيويتها، قادرة على أن تواكب كل التطورات العلمية والثقافية التى نراها فى عصرنا، وجديرة بأن تلقى منا كل اهتمام ورعاية.

> د.عبدالرحمن سالم

> عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق