رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

جرجس شكرى.. تجديد «بالقصائد» يتمرد على الثوابت

يذهب بعض النقاد إلى القول إن الشعر بآفاقه الواسعة وسيادته العليا على جميع الفنون الأخرى يعادل الحقيقة الكاشفة والتى تبصر وتنير لنا حقيقة الوجود، كما أن له قدرة على حجبها فى ذات الوقت. وهو ما يرفع من قدر القصيدة الشعرية باعتبارها شعلة ضوء مبهر كاشف يتيح لنا ظهور الموجود أو إخفاءه.

هذه المفاهيم الفنية العميقة قد يخرج بها قارئ القصيدة فى شعر جرجس شكرى، على أن هذا لايعنى أن القصيدة الشعرية عنده تطابق الواقع لأن الكلمة داخل الجملة الشعرية عنده لا تأتى دائماً بالكيفية ذاتها، ومجمل سمات العمل الشعرى عنده يفتتح وجود الموجود على طريقته أى يفتتح عالماً لم يوجد.هذا.. وللجملة الشعرية عند جرجس خاصية وسمة أخرى أنها جملة تلتزم بجدية التمرد على جميع الثوابت بكل أشكالها الحضارية والثقافية والتراثية والدينية والمجتمعية والأخلاقية.هذا .. إضافة إلى أن شعر جرجس شكرى يصنف فى إطار شعر ما بعد الحداثة، وذلك لأنه لايبدو فى شكل مستقر عبر بنيات شعرية ثابتة لأن جرجس دائما ما يبحث فى الأشياء ويقوم بتجاوزها وإعادة النظر فيها، فهو ليس شكلاً يبلغه الشعر، ولكنه يصنف كمشروع تصور جديد ومغاير للكون، ينهض فيه جرجس بمشروعه ما بعد الحداثي، مستنداً فى الوقت نفسه إلى رؤية معرفية عميقة ومتكاملة للإبداع وذلك يمثل نقطة تحول فى كتابة النص الشعرى ما بعد الحداثي.ولهذا نجح جرجس فى أن يكون واحداً من الشعراء المفردين فى العالم العربى مفردا فى المجمع الشعرى العربى المعاصر الذى يتبوأ قمته الشاعر المبدع أحمد عبدالمعطى حجازى، وتم له ذلك بعد أن نجح شعره فى أن يخترق الحواجز التى تتراكم على صدر الحركة الكتابية منذ نحو خمسة عشر قرناً، سياسياً واجتماعياً ومؤسسياً. ذلك لأن شعر جرجس يُصّنف كنص درامى يُعنى بالتجديد الفنى، ولهذا تبدو القصيدة الشعرية عنده كمحكى شعرى رئيسى يتكون من عدة مقاطع وصور وأخيلة شعرية يتناول كل منها طوراً من أطوار العلاقة بين الذات الشعرية والنص الإبداعى.ويبدو ذلك التحليل واضحاً فى هذه الأبيات من قصيدة : « أشياء ليس لها كلمات» والتى يقول فيها:

حين يصل الصباح على عربة يجرها الموتى / يصل باكياً، وتسقط عيوننا على الأرض / حين يسرق الآخرون حياتنا / ويلبسون وجوهنا فى وضح النهار/ حين نموت برصاصة طائشة/ ضلت طريقها بمحض إرادتها/ حين نأكل طعاماً رخيصاً/وننام فى شوارع خائفة/ حين نتبادل القبل كعزاء واجب/ وندفن موتانا فى ملابسنا

خوفاً ومحبة / حين تغلق الكنيسة أبوابها / فينام الملائكة والقديسون فى قاعة الرقص

/ حين يغرس الموظف حليق الرأس / سكينا فى بطن صاحب الشركة/ احتجاجاً على وسامته المفرطة / حين نغلق رغباتنا لأجل غير مُسمى / ونفاجئ الآخرين / يصطادون سراويلهم فى غسالة الملابس / فهل نخفى عنك شيئاً يا سيدى

فالسؤال الأخير فى القصيدة الذى يختم به جرجس المقطع ما هو إلا سخرية من حالة الموت وعبثية الوجود الذى نحياه وما نجده شائعاً فى الغالبية الغالبة من ديوانه.وقد نخرج من هذه الأبيات بمعان أخرى، منها أن البشر يتصارعون وهم يدركون جيداً أن العدم فى انتظارهم وأن هذا الصراع فوق طاقتهم البشرية، لذلك قد يتحول صراعهم إلى عبث لا معنى له، وقد يخرج قراء آخرون بمعنى آخر قد يكون مطابقا لقول نيتشة فى كتابه « إرادة القوة» : « كل معتقد ، كل شىء يعتبر حقيقة، هو زائف بالضرورة لأنه ببساطة ليس هناك عالم حقيقى»، كما قد يعطى شعره مضموناً آخر قوامه أن إنسان العصر الحاضر صار مجرد كائن مأزوم يتشكك فى كل شىء من حوله، فهو مُحمل بالهواجس والتساؤلات المستمرة، وأن عالمنا الحالى هو عالم تتساقط فيه كل يوم النظريات الكبرى التى سادت - دهراً طويلاً - الفكر والعلم الاجتماعى .. وأنه على الإنسان بما لديه من إمكانات محدودة - خُلِقَ بها - عليه لكى يثبت وجوده، أن يتصرف فى حدود هذه الإمكانات... ونختم هذه الدراسة الموجزة بأبيات من قصيدة: «مشاهد من حياة رجلٍ بارٍ»:

فيما مضى / كنت ملكاً وقديساً / عازف مزمار/ وصاحب فلسفة وأبقار كثيرة / وذات مساء/ هربت الحقيقة من بيتى / فلم أعد كما كنت أبداً.

... ومن يقرأ ديوان « أشياء ليس لها كلمات» لجرجس شكرى، الصادر حديثا عن دار آفاق بالقاهرة، سيكتشف أن الوعى الذى أنتج هذه القصائد، هو « وعى ضدى» بامتياز. ولعل أبرز سمات هذا الوعى أنه ينقسم على نفسه باستمرار، وهو ما يعنى أنه يظل وعيا متوترا، يضع نفسه والعالم موضع التساؤل الدائم. هذا الوعى الضدى الذى امتلكه الشاعر جرجس شكرى هو بالضرورة قرين نوع من المفارقة، إذ إن العالم عنده يُعد مجموعة من المتناقضات المتصارعة.

 د. رمضان متولى

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق