رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

أقدم سؤال فى الفلسفة السياسية.. من دون إجابة

فى عام 1992 نشر المفكر الأمريكى فرانسيس فوكوياما كتابه الشهير نهاية التاريخ، وهو الكتاب الذى قال إن اللعبة انتهت، وأن الرأسمالية قد فازت على الاشتراكية فوزًا ساحقًا ونهائيًا. لقد انتهى كأس العالم للسياسة إذن. لم يعد هناك المزيد من المباريات. سيطرت النظرية الديمقراطية وانتهى كل شيء. انهزم الجميع وانتصر الغرب.

وفى عام 1993 نشر المفكر الفرنسى جان مارى جيهينو كتابه الشهير نهاية الديمقراطية، وهو الكتاب الذى قال إن النظم الديمقراطية الكلاسيكية إلى زوال، وأنَّ القرارات الأساسية للدولة لم تعد تتخذها الشعوب التى تنتخب فى العلن، وإنمّا جماعات المصالح التى تعمل فى الظل. ثم جاء الفيلسوف الفرنسى جاك دريدا بكتابه الشهير أشباح ماركس ليقول إن كأس العالم الفلسفى لم ينته بعد، وأن الماركسية لم تصل إلى الكلمة الأخيرة، كما أن المباراة داخل النظرية الرأسمالية نفسها لم تصل إلى نهايتها، فالتناقضات الداخلية عميقة وخطيرة.

هكذا دارت وتدور أطروحات الفلسفة السياسية فى العقود الأخيرة، وهى كلها جزء من ذلك السؤال القديم للغاية. إنَّهُ أقدم سؤال فى الفلسفة السياسية: ما هو أفضل نظام سياسي؟ كان السؤال مطروحًا فى الأدبيات السياسية للحضارة الفرعونية، ثم تردد السؤال فى حضارات أخري، غير أنّه كان أكثر إثارة فى الفلسفة اليونانية. توصلت أثينا إلى مفهوم الديمقراطية المباشرة، وهى نموذج سياسى بدائى يقوم على اجتماع المواطنين فى ساحة المدينة، والادلاء بآرائهم فى القضايا المطروحة. لم يكن من حق الجميع أن يدلى برأيه، حيث كان البعض ممنوعاً من التصويت، ومع ذلك جرى انتقاد تلك الطريقة التى قامت بتحجيم دور النخبة، وعزّزت دور العامة والغوغاء.

مضت أثينا فى تجربتها التى هاجمها فلاسفة كبار بوزن أفلاطون، الذى انحاز للنخبة المثقفة ضد حكم الغوغاء، وحصدت بذلك النموذج, برغم انتقاداته, مكانة معنوية رفيعة لبعض الوقت، ثم كان دور النفوذ المتصاعد للغوغاء فى تخريب المشروع الديمقراطي، لتنتهى التجربة بهزيمة أثينا على يد إسبرطة. اختفى النموذج الأثينى قرونًا طويلة، ثم عاد فى ثوبٍ جديد مع إطلالة العصر الحديث. جرى تطوير النموذج الديمقراطى حتى وصل إلى منح النساء حق التصويت، ومساواة جميع أفراد الشعب فى الوزن والتمثيل طبقًا للقاعدة الشهيرة: صوت واحد لكل مواطن. أصبح صوت الحائزين على جائزة نوبل فى العلوم أو الاقتصاد مثل أصوات الجهلاء والمجرمين والفاشلين، ذلك أن القاعدة قد تأسست على فلسفة المساواة كبشر، وليس على أساس التميّز كأفراد. يبذل البعض جهدًا فائقًا لأجل الوصول إلى المستوى اللائق فى التعليم والمعرفة، وكذلك النجاح المستمر فى ترقية المستوى المعيشى وأسلوب الحياة، ولكنّه بعد ذلك كله يقف فى طابور الانتخابات مساويًا تمامًا لمن لم يبذل جهدًا أو يحقق إنجازًا، أو حتى يدرك ما ذهب لأجل التصويت له. لا يقف الأمر عند حدود التصويت، بل إنّه يذهب إلى عملية الترشيح ذاتها. وأصبح بإمكان الأشخاص الفاشلين أن يتجاوزوا مستوى الإدلاء بالصوت إلى مستوى الترشيح نفسه. وبدورهم لا يحكم الناخبون على المرشحين بالضرورة على أساس المستوى المعرفى أو الفكرى أو الأخلاقي، ذلك أنّ المعيار الأهم أصبح هو الانتشار والشهرة.

هى الشهرة إذن.. أنْ تستطيع إدارة حملة انتخابية تجعلك نجمًا على الحوائط والشاشات. أنْ تُرفع صورك فى الشوارع والقاعات، ذلك هو الإطار الأساسى للفوز. أصبح حتميًّا أن يعرفك الناس، ولم يعد ممكنًا المرور شخصيًا على مئات الآلاف أو مئات الملايين من الناخبين، بل أصبح من المهم أن تجد وسائل الإعلام وأدوات الإعلام الجديد حتى تصل إلى كلّ هؤلاء. لم يعد الأمر سهلًا على المثقفين، بل صار فى قبضة المشاهير. وحين يتأمل المرء التكوين الثقافى لأعضاء البرلمان فى العالم، وكذلك العديد من المجالس السياسية والنقابية المنتخبة.. سوف يُذهل من مستوى التراجع الشديد. لا وجود لفلاسفة أو مفكرين، لا وجود لعلماء أو باحثين، لا وجود لخبراء أو مديرين. إنهم موجودون بالدرجة التى تكاد ألّا تراهم وسط زحام الأقل ثقافة والأدنى خبرة.

إن معركة الانتخابات طبقًا للنظرية الديمقراطية المعاصرة باتت أسيرة المال لا المبادئ، والإعلام لا الأفكار، والصورة لا المشروع، والحملة الانتخابية لا المعركة الفكرية. يتأمل الناس المناظرات فى انبهار. إنه انبهار قائم على سحر التليفزيون، الألوان والشكل والتسويق، لكن إذا قام أحد الأشخاص بكتابة نص المناظرة، وقام بقراءته بعيدًا عن ضوضاء الشاشة، سوف يجد كمًّا هائلًا من الكلام العادى والأفكار الركيكة.

لطالما كان هناك أعداء للنظرية الديمقراطية، لكن اليوم يجد أنصارها معضلةً حقيقية فى استعادة فلسفتها ومبادئها، ذلك أنه جرى احتلالها بشكلٍ كامل من المال والإعلام، بحيث أصبحت الشهرة التى يجرى صناعتها أو تمويلها هى أساس الفوز والسطْوة. تتكلف الحملة الانتخابية للنائب ملايين الدولارات، وتتكلف الحملة الرئاسية أرقامًا يصعب التدقيق فيها. وهنا بالضبط تكمن أزمة النظرية الديمقراطية. لم تعد الفلسفة السياسية للنظرية والقائمة على البقاء للأعلم قادرة على الصمود أمام تلك القاعدة الجديدة: البقاء للأغني.. البقاء للأشهر.

إنها تكاد تكون نوعًا جديدًا يمكن تسميته ديمقراطية المشاهير، وهو النوع الذى نقل مركز السلطة من أهل الحكمة إلى المخادعين الجدد. كان رئيس الوزراء البريطانى ونستون تشرشل يقول: إن الديمقراطية هى أقل الأنظمة سوءًا، واليوم مع صعود الأصوات الفاشية والنازية إلى مقاعد البرلمان ومقاعد أعلي.. بطريق الديمقراطية. باتَ البعض يراجع مقولة تشرشل، وباتَ يشكك فيما إذا كانت حقًّا هى الأقل سوءًا؟. لا يجب أن تكون انتقادات المفكرين للنظرية الديمقراطية داعمةً لأيّ فكر ديكتاتورى أو سلطوى بحجّة ترهل النظرية، ذلك أن الغاية الإنسانية ليست هى العودة إلى الوراء، بل اتخاذ خطوات تصحيحية تدفع الحياة السياسية للأفراد والشعوب إلى الأمام. إن التحدى الكبير أمام ذلك السؤال الذى يمتد إلى آلاف السنين عن أيّ النظم أفضل.. إنمّا يتمثل فى كيفية حماية الديمقراطية من الديمقراطيين، وحماية الرأسمالية من الرأسماليين. وفى قولةٍ واحدة: إنقاذ المنتصرين من عواقب الانتصار!.


لمزيد من مقالات أحمد المسلمانى

رابط دائم: