رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

مائة وخمسون عامًا على افتتاح قناة السويس

فى 17 نوفمبر 1869، افتتح الخديوى اسماعيل حاكم مصر قناة السويس التى اعتبرت وقتها أهمُ مجرى بحرى فى العالم وذلك فى حفل أسطوري. وشارك فى حفل الافتتاح عددُ من الملوك والامراء والوزراء والشخصيات العامة فى أوروبا كان من بينهم الامبراطورة اوجينى زوجة نابليون الثالث، وامبراطور النمسا فرانسوا جوزيف، والأمير هنرى شقيق ملك هولندا، وملك المجر وأمير ويلز، وولى عهد بروسيا، وسفيرا انجلترا وروسيا بالآستانة. إضافة الى المهندس الفرنسى فرديناند ديليسبس الذى حصل على امتياز حفر القناة وأشرف على تنفيذه، والأمير عبد القادر الجزائرى وكبار الشخصيات السياسية والدينية من مصر والسودان، وأعداد من أهالى المديريات المصرية الذين تم استقدامهم بملابسهم التقليدية للمشاركة فى الاحتفال والوقوف على ضفتى القناة.

بدأت الاحتفالات بإزالة الحاجز التُرابى عند السويس فتدفقت مياه البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الاحمر، وكانت اول سفينة تمر فى القناة هى السفينة الفرنسية (النسر). التى حملت كبار المدعوين وتبعها عدد كبير من السفن الحربية المِصرية والأجنبية.

شملت الاحتفالات مآدب طعام وإطلاق الالعاب النارية وحفلات موسيقى وغناء ورقص كان من أبرز لقطاتها رقص الخديوى اسماعيل مع اوجيني. وعلى هامش مُناسبة افتتاح القناة، أقيمت دار الاوبرا المصرية، وتم رصف الطريق المؤدى الى الاهرام لأول مرة، وتم بناء قصر الجزيرة بالزمالك لاستضافة الملوك وكِبار المدعوين وكان هذا القصر وقتها يمتد بحدائقه إلى ضفاف النيل. كان هذا القصر تُحفة معمارية مزجت بين الطرازين الإسلامى والأوروبى صممه وأشرف على تنفيذه مُهندسون من النمسا وفرنسا وألمانيا، استغرق بناؤه خمس سنوات، وتحول هذا القصر فيما بَعد ليكون فُندق عُمر الخيام ثُم جزءا من فُندق ماريوت حاليًا.

وتتوزع مشاعر الانسان فى هذه الذكرى بين الشعور بالألم والغضب والظلم الذى لحق بمصر والمصريين فى ظروف إنشاء القناة من ناحية أولي، وبين الشعور بالاعتزاز والفرح بما أضفته القناة على مكانة مصر الاستراتيجية على مُستوى العالم من ناحية ثانية وذلك بعد ان أصبحت القناة هى الممر الرئيسى لنقل السلع والبضائع والجيوش بين أوروبا وآسيا.

فمن ناحية اولي، فإن تاريخ إنشاء القناة يحفل بقِصص الخداع التى مارسها ديليسبس، فقد استطاع هذا الرجل اقناع محمد سعيد باشا حاكم مصر بالموافقة على المشروع، ولما كانت مصر ما زالت من الناحية القانونية ولاية عثمانية فقد استطاع بدعم من الدبلوماسية الفرنسية الحصول على موافقة الباب العالي. وفى عام 1858 تم منح الشركة التى أسسها ديليسبس باسم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية بامتياز حفر القناة ثم ادارتها لمدة 99 سنة. تبدأ من عام تشغيل القناة على أن تؤول ملكيتها بعد ذلك الى الحكومة المصرية، وابتداء من 25 ابريل عام 1859 وعلى مدى عشر سنوات دفع المصريون من أرواحهم ودمائهم ثمن حفر القناة. لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد المصريين الذين شاركوا فى الحفر ولكن تشير أغلب التقديرات الى ان العدد كان فى حدود مليون مصرى مات منهم مائة وعشرون ألفا بسبب وطأة الجوع والعطش والمرض. وتبدو دلالة هذا الرقم عندما نقارنه بعدد سكان مصر فى هذا الوقت الذى كان حسب أعلى تقدير فى حدود خمسة ملايين. تم الحفر فى ظروف أقرب ما تكون إلى أعمال السٌخرة حتى نسمى الأشياء بمسمياتها.

والأحداث الموجعة كثيرة، ومنها انه عندما تعرضت الشركة فى بداية عملها لأزمة مالية تدخل سعيد باشا لإنقاذها بشراء 44% من أسهمها. وعندما حدث خلاف بين الحكومة المصرية والشركة الفرنسية التى تدير القناة تم اختيار الامبراطور الفرنسى للتحكيم فى الخلاف، وبالطبع أيد موقف الشركة. ونتيجة سياسات البذخ والاسراف، ازدادت وطأة الديون على مصر وتعرضت لضغوط متزايدة من الدائنين وأجبر ذلك فى عام 1875، إلى بيع الحكومة المصرية الأسهم التى امتلكتها فى القناة الى بريطانيا.

واستمرت الضغوط الاوروبية على مصر بدعوى ضمان استرداد الديون وطالبت الخديوى اسماعيل بإنشاء هيئة تنفيذية مستقلة لا يتدخل فى شئونها فتكونت اول وزارة سميت وقتها (نظارة) برئاسة نوبار باشا فى أغسطس 1878، وشملت وزيرين بريطانى وفرنسى تولى أحدهما السيطرة على ايرادات الدولة، والثانى على مصروفاتها. ومارست هذه الحكومة سائر وسائل الضغط المالى من زيادة للضرائب والرسوم وتقطير فى الإنفاق على الخدمات حتى توفر أكبر قدر من المال للدائنين الأوروبيين. وفى 1905 حاولت الشركة مد امتياز القناة لمدة خمسين سنة. وباءت المحاولة بالفشل. كما ترتب على افتتاح القناة بنفوذ فرنسى استفحال التنافس بين فرنسا وبريطانيا، وانتهى لمصلحة الثانية باحتلالها مصر فى 1882، وإقامة قاعدة عسكرية لها بالقرب من القناة. ولمدة عقود، مارست شركة قناة السويس او كما أطلق عليها المصريون الكبانية عملها وكأنها دولة داخل الدولة.

ومن ناحية ثانية، هناك تاريخ الفخر فقد أصبح الانسحاب العسكرى للقوات البريطانية من مصر هدفا أصيلا للحركة الوطنية المصرية، فتم توقيع معاهدة 1936 التى أعادت تنظيم القوات البريطانية وتركزها فى قاعدة السويس، ثم معاهدة الجلاء عام 1954 التى نصت على إنهاء الوجود العسكرى البريطانى فى سبع سنوات، وجاء قرار الرئيس جمال عبدالناصر فى 26 يوليو 1956 بتأميم الشركة العالمية لقناة السويس ليضع إدارة القناة وتشغيلها لأول مرة فى أيد مصرية. وكرد فعل لذلك، انسحب أغلب المرشدين الأجانب، وذلك لإرباك حركة سير السفن وإثبات فشل المصريين فى إدارة القناة. ورغم ذلك، استطاع المُرشدون المصريون واليونانيون إفشال هذا المُخطط ونجحوا فى إدارة القناة فى الأسابيع والشهور التالية لقرار التأميم.

أصبحت القناة رمزًا لمعارك التحرر الوطنى المصرية فى حروب 1956 و1967 و1973. وتوقفت الملاحةُ فيها أكثر من مَرة وكان عَبور القوات المِصرية فى 6 أكتوبر للقناة بداية انتصارها فى هذه الحرب. وعلى مدى السنين، شهدتُ القناة عددًا من مشاريع التطوير والتَوسُع التى كان أحدثُها المَشروع الضخم الذى تم إنجازه فى عام واحد، وتم افتتاحه فى 2015 واستمرت مصدرًا أساسيًا للعُملات الصعبة وتطرحُ المنطقة الاقتصادية فيها آفاقا مُتسعة للتنمية فى المُستقبل.

ويبقى تاريخ مِصر المُعاصر مُرتبطًا بشكلٍ وثيق بتاريخ القناة.


لمزيد من مقالات د. على الدين هلال

رابط دائم: