رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ما بعد الغضب

بصراحة ثمة خطر حقيقى يتهدد الدول العربية مالم تجد طريقة لترويض الغضب. وبصراحة مطلقة لم يعد يجدى تجاهل خزانات الغضب، ولا ممكننا التعامل بغطرسة الرئيس عون، وبات واضحا أن المعالجات الامنية وحدها عاجزة، وأن النخب السياسية محشورة ما بين شارع غاضب وواقع عاجز، وأن رومانسية أجيال الربيع العربى قد باتت من الذكريات الغابرة، وأن الواقع الجديد مثقل بأجيال جديدة لا تعرف الحلول الوسط، ولم تتعلم بعد لعبة الانتظار والرهان على الزمن الذى يداوى كل شيء، وبعيدا عن الأسباب فالواقع يقول إن ثمة مستويات بطالة مرتفعة، وديونا قياسية، وعجزا عن توفير الاحتياجات الأساسية من مياه نظيفة وكهرباء، وخدمات صحية وتعليم، وهجرة متصاعدة من البلدان العربية، واتهامات متزايدة بالفساد لم تعد العامة وحدها من يرددها بل باتت الرموز السياسية من يؤججها مثل النخب العراقية واللبنانية.

وثمة تطور يحدث حاليا يتعلق بسقوط الشعارات التى راجت طويلا، وبارت الأن مثل الإسلام هو الحل، ولا صوت يعلو فوق صوت المقاومة، والمرجعية الدينية والطائفية خط أحمر. ونشهد الآن سقوط الهالات عن كثير من الرموز السياسية والدينية، وبات الجميع موضعا للمساءلة والتشكيك فى أقواله وأفعاله بل وفى صدق نواياه. ولعل السؤال الأخطر هنا ترى هل تبقى مؤسسات تحظى بالثقة وقادرة على تهدئة الشارع، وماذا عن واقع ما بعد الغضب. وربما من المفيد أن نتوقف قليلا أمام ما أوصلنا هنا قبل محاولة تصور مرحلة ما بعد الغضب.

ولعل من الدقة الإقرار بأن واقع المجتمعات العربية لم يتشكل بهذا الوضع الصعب بين ليلة وضحاها، بل تراكم على مدى عقود، ولم يكن تراكمه جراء الفساد وحده، بل فى الكثير من الأحيان بسبب حسن النوايا، والمبالغة فى تحقيق الإنجازات فى أسرع وقت وبأسرع طريقة. وهذا جيد، ولكن غاب عن الكثيرين سؤال مهم يتعلق باليوم التالى لأى شيء. لقد توسعت الدول العربية جميعها فى التعليم، وساعدت الثورة التكنولوجية، والسفر والهجرة فى تنوير الشعوب، وايمانها بأهمية التعليم فى حياتها، بل وإدراكها أن بالتعليم وحده يمكن الانتقال من طبقة اجتماعية إلى أخري. وشهدت المجتمعات العربية حراكا هائلا ومكتسبات كبيرة، ولكن لم ينشغل أحد بما إذا كان ذلك كله يمكن توفيره طوال الوقت، وبأى ثمن، ولم يكترث أحد بصورة جادة باحتياجات سوق العمل، ولا بسؤال حيوى ترى ما هو الأهم الجودة أم الوفرة؟. وغاب عن هؤلاء أن العقد الاجتماعى القديم لم يعد قادرا على الوفاء بما كان قادرا على تقديمه من قبل، وذلك لأن الواقع تحرك وفرض منطقه على الجميع، فالواقع ليس مشكلته تخريج دفعات ليست مؤهلة، ولا يقبل فكرة أن من حق المواطن وظيفة ومكانا فى مدرسة وجامعة وسريرا فى مستشفي، الواقع لا يتعامل بعملة الحقوق بل النقود. والأصعب أن الطبقة الوسطى التى هيأت نفسها لمزيد من المزايا والحقوق فوجئت بأن نصيبها من كعكة الثروة يتقلص بشدة، وعودة مجتمع النصف فى المائة بسرعة مذهلة، ومن هنا تفجرت خزانات الغضب، التى تتحول بسرعة هائلة لبراكين تسمح بالعبث لكل من يريد سواء أطراف خارجية، أو تيارات شعبوية، أو منظمات إرهابية. ولا أحد يمكنه أن يجادل بشأن منسوبات الفساد التى تجاوزت المعقول بل توحشت فى بلدان مثل العراق ولبنان، كما أن النخب فقدت صلتها بالواقع، وباتت تعيش فى فقاعات معزولة سرعان ما سوف تكتشف أن التجمعات المعزولة بالأسوار لن تحميهم من غضب الشارع لو تحول الى طوفان عدمى يزيح فى طريقه كل شيء، وهنا علينا أن نتأمل شعار الشارع اللبنانى الكل يعنى الكل. وفى الجزائر يطالبون برحيل كل العصابة.

ترى هل نحن وحدنا الذين نواجه غضب الطبقة الوسطى المتنامي، ورفضها لواقعها، وخوفها مما هو قادم بفعل العولمة، وسياسات التقشف، وثورة التكنولوجيا التى تعصف بقواعد سوق العمل، والإنتاج، وتوزيع الثروة، والأهم تثوير الشعوب، وزيادة تبرمها بوضعها نظرا لأنها باتت تعرف أكثر، وتطلب أكثر، وتقارن أوضاعها بأحوال الطبقة المترفة.

لقد تصاعدت معدلات الاحتجاج عالميا فى الآونة الأخيرة من جراء عدة عوامل: تباطؤ النمو العالمي، وتراجع أسعار المواد الأولية، وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وظهور أجيال جديدة من الشباب أحوالها متقلبة ولكنها مشبعة بخيبة الأمل، وباتت فى مواجهة حكومات لا تتجاوب مع طموحاتهم ومخاوفهم، وبالتالى تفجر غضب المواطنين ونزلوا للشوارع اعتقادا أن ذلك الطريق الوحيد لإحداث التغيير. ولكن مع تصاعد حركات الاحتجاج فإن معدلات نجاحها تتراجع. ووفقا لدراسة أخيرة أجرتها الباحثة ايريكا شينوفيث أستاذة العلوم السياسية بجامعة هارفارد، فمنذ 20 عاما فقط تمكنت 70% من الاحتجاجات من تحقيق مطالبها، ولقد تصاعدت أرقام حركات الاحتجاج منذ الخمسينيات. ولكن وفقا للدراسة فإن هذه الموجة تشهد حركة عكسية، فقد تراجعت نسبة النجاح لتصل لـ30% فقط. وبالرغم من أن المحتجين باتوا يتدفقون على الشارع مرات عدة، وباتوا أكثر إصرارا، فيبدو أن الانتفاضات بدأت تفقد فعاليتها، وتتحول ببساطة لجزء من واقعنا والمنظر العام.

ويبقى السؤال المهم وماذا بعد الغضب، تقول الدراسة إن الغضب والاحتجاج سيبقي، ولا تقول شيئا عن التكلفة، فإذا كانت فرنسا تئن من تكلفة السترات الصفراء، وشيلى الغنية تشتكى من الاحتجاجات فما بالنا بدولنا العربية التى تعانى من تكاليف الحروب القديمة والحرب على الإرهاب. واذا كان لابد من التحذير من تكلفة ما بعد الغضب، فإن التحذير الأكبر هو للنخب الحاكمة والمثقفة والإعلامية والدينية من جراء الفشل فى احتواء الغضب، وتركه يتحول للفوضي، أو معادلة صفرية لا تسمح بالتعايش، ولكن تسعى لاستئصال الآخر. لقد شاهدنا جميعا، ولا نزال كيف تنزلق البلدان للفوضى والحروب الأهلية نتيجة العناد والحسابات الخاطئة، والخطوات الصغيرة المتأخرة، وعدم فتح قنوات الحوار والتواصل المكثف، وتقوية المؤسسات، التى يجب أن يدور الحوار داخلها حتى ولو اتسم بالغضب الشديد، لأنه هو الذى يضمن للمجتمعات أمنها، وللنظم شرعيتها وقوتها، بدلا من أن يذهب الفرقاء للشارع ويأخذهم الغضب لمسافات بعيدة من الخراب والفوضى والتدخلات الخارجية.


لمزيد من مقالات محمد صابرين

رابط دائم: