رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

نظرية المؤامرة والواقع التعس!

فى جلسة دردشة بين أصدقاء قدامى التقوا بعد فترة غياب على عشاء، كنا من مهن مختلفة، صحفيين وأطباء ودبلوماسيين وفنانين ومهندسين ورسميين ورجال أعمال وموظفين كبار، وجرى الحديث رقراقا بين نكات وحكايات ساخرة وذكريات مشتركة ومواقف ساخنة، قبل أن نجد أنفسنا فى خضم تساؤلات صعبة عن أحوالنا فى المنطقة العربية، وكان الرئيس التركى أردوغان وما يصنعه فى سوريا هو البوابة التى دخلنا منها إلى واقع تعس، خاصة قراره بأن يُعيد الدواعش إلى بلادهم الأصلية، كما لو أن بلادهم فى حاجة إلى مزيد من الاضطرابات السياسية والأمنية.

وفجأة قال طبيب نفسي: لكن من غير ما نستخدم نظرية المؤامرة فى تفسير الواقع التعس.

فسألته: وكيف نستبعدها مبدئيا مادمنا نبحث ونحلل الأسباب.

قال: جنون الشك والارتياب مرض معروف، لتفسير أى فشل أو تعثر فى حياة المريض به، والمؤامرة مفتاح سهل نتصور أنه يفتح لنا كل الأبواب، وفى الحقيقة هو مفتاح وهمى يربك الذهن ويشوش على التفكير العلمى المنظم، فلا نصل إلى معرفة الأسباب الصحيحة.

وقال مهندس معمارى معروف: نحن شعوب مدمنة لنظرية المؤامرة، ونتعلق بقشها كلما غرقنا فى أزمة كبرى أو مشكلة هائلة أو حادث عظيم، ولم تنقذنا أبدا، ومازلنا نغوص أكثر وأكثر فى قاع أزماتنا.

ضحكت قائلا: لكن المؤامرة نظرية غربية فى الأساس، فقط ثمة فارق بين المؤامرة فى الفكر الغربى والعقل الشرقي.

سأل متعجبا: لماذا استخدمت فكرا للغرب وعقلا للشرق والفكر والعقل مكون واحد؟

قلت: لا ..الغرب ينتج فكرا متكاملا قائما على منهج علمي، بينما الشرق عقله معطوب يفرز أفكارا مشوهة أو ناقصة كالكائنات المبتسرة.

نعم نظرية المؤامرة اختراع غربى 100%، وظهرت أول مرة فى عام 1909 فى الولايات المتحدة، واستخدمت على نطاق أخذ يتسع تدريجيا فى محاولات فهم أحداث كبرى مؤثرة تبدو غامضة فى أسبابها ودوافعها، ثم صارت نظرية شائعة بعد مقتل الرئيس الأمريكى جون كنيدى في 22 نوفمبر عام 1963، فالرئيس الخامس والثلاثون للولايات المتحدة لقى مصرعه على الهواء أمام  عشرات الملايين من المشاهدين ووسط حراسة كثيفة فى مدينة دالاس بولاية تكساس، ولم يُعرف حتى هذه اللحظة ماذا حدث، وما أسباب قتله؟ وكان طبيعيًا أن يوغلوا فى نظرية  المؤامرة وقتها، لأن الأمريكان لهم تاريخ طويل فى اغتيال الرؤساء، وكانت حمايتهم عملا متخصصا، فكيف يُقتل الرئيس بهذه البساطة؟، وهل لى هارفى أوزوالد الذى اعتقلته الشرطة هو القاتل الحقيقى أم  مجرد كبش فداء؟، خاصة أن أوزوالد نفسه لم يصل إلى قاعة المحكمة ليستخرج منه المحققون حقائق الجريمة وعلاقته بها، وقُتل بسهولة مفرطة وهو فى الطريق إليها.

حتى  السينما الأمريكية فى أفلام كثيرة اتبعت نظرية المؤامرة فى محاولاتها للإجابة عن تلك الأسئلة.

المهم أن  مصطلح نظرية المؤامرة شق طريقه إلى قاموس أكسفورد الشهير، وبدأت تتأصل ويتشكل لها جسم وأذرع وأقدام، سواء بالتشكيك فيها أو بتأكيدها حسب نوع العلم الذى يتناولها، فعلم السياسة تحدث وتوسع فى التفسير المريب لها وجنوحها إلى الخيال، فالمؤامرة عمل سرى فيه اتفاق بين أطراف على عمل مخالف للقانون قد يأخذ شكلا قانونيا، وتتابع خيوطها بشكل جماعى متسق مع بعضه، وحدد لها العالم مايكل باركون ثلاثة مبادئ: أن الكون محكوم بتصميم ما، لا شيء يحدث بالمصادفة، ولا شيء يكون كما يبدو عليه، وكل شيء مرتبط ببعضه.

بينما علم الاجتماع مال إلى تأكيد واقعيتها، مبرهنا عليها بوقائع ونتائج لها وجود مادى وغير قابلة للتفسير المنطقي.

والمدهش أن الأوروبيين يصفون الولايات المتحدة بأنها موطن نظرية المؤامرة وسر انتشارها، مع أن تاريخ أوروبا قديما وحديثا ممتلئ الصفحات بأكبر قدر من المؤامرات، أبسطها مؤامرة الملك الإنجليزى هنرى الثامن على زوجته آن بولين ليعدمها ويتزوج بغيرها تنجب له ابنا إلى إشعال حربين عالميتين راح فيهما ما يقرب من 80 مليون قتيل وتدمير عشرات المدن عاليها واطيها، وإلقاء قنبلتين ذريتين لأول مرة فى التاريخ.

لكن الأوروبيين شعبيا لا يتوقفون لا كثيرا ولا قليلا عند نظرية المؤامرة.

وإذا فتحنا ملف الشرق فى السنوات المائة الأخيرة فقط  سنجده لأسباب كثيرة هو ساحة المؤامرات الكبرى من أول سيكس بيكو إلى حرب الإرهاب فى سيناء. وإذا ركبنا بساط الريح عكس اتجاه الزمن، لن يختلف التاريخ  التآمرى الشرقى فى الإمبراطوريات والإمارات والمماليك عن تاريخ أوروبا القديم والوسيط، سواء قبل ميلاد المسيح أو بعده، وفى الجاهلية أو بعد ظهور الإسلام.

باختصار المؤامرة جزء من إدارة الصراع فى العالم فرديا وجماعيا ومجتمعيا ودولا منذ بدء الخليقة، صراع على أمرين فى غاية الأهمية: الاستحواذ على النصيب الأكبر من الثروة، والتمتع بأكبر قدر ممكن من السلطة، أى أن المؤامرة إحدى أدوات هذا الصراع المخفية حين تفشل المواجهات الصريحة المباشرة فى تعديل موازين القوى بين الأطراف المتصارعة.

والمؤامرة الحديثة أكثر تعقيدا، فالمتآمرون استطاعوا تجنيد جماعات وظيفية تلعب لعبتها من داخل جسم المجتمع نفسه، خلايا سرطانية تهدم من الداخل بطريقة محددة ومخططة تحت ذرائع لها بريق وطنى أو سياسى أو اجتماعى أو إنساني، فى الوقت الذى تبدو فى نظرية المؤامرة حبل نجاة للنظم الاستبدادية من الغرق فى اى طوفان شعبى غاضب. المؤامرة جزء من الحياة، حالة طبيعية، العجزة والأغبياء فقط هم الذين يتحدثون عنها باعتبارها عملا استثنائيا وقوى قاهرة لا قبل لهم بمواجهتها، ويلصقون بها كل فشل ذريع يحيطون أنفسهم به، وفى المقابل يتعامل معها الأقوياء والقادرون بوعى وفهم ونظام دفاعى رادع ينقلب بعدها مباشرة الى هجمات مضادة فعالة.

وعموما إدارة الصراعات وكسر المؤامرات والنهوض قدما لا يلزمها عناصر معنوية فقط كالتكاتف وإدراك ما يدبره الآخرون لنا..الخ، وإنما بصناعة نظم حكم قوية قادرة على تجميع قوى المجتمع الشاملة، ليس فقط لصد المؤامرات، ولكن للإجابة على السؤال الأهم الحاسم: ماذا نريد؟، وكيف نصنع وطنا محلا للسعادة لكل مواطنيه؟ وكيف نلوى عنق الظروف ونجبر الواقع بكل ملابساته على الوصول إلى ما نريد.


لمزيد من مقالات نبيـــل عمــــر

رابط دائم: