رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

جوكر.. حـدث تاريخـى يعكس قبح العالم

علا الشافعى

  • فيلم يحمل الكثير من التساؤلات الفلسفية وحياة المهمشين والمنبوذين.. وخواكين الأقرب للأوسكار

 



«جوكر» الفيلم الذى كان العالم يترقب عرضه، صاحب الصيت والشعبية وحاصد الجوائز _«الأسد الذهبى من مهرجان فينسيا السينمائى الدولى فى دورته الماضية»_، والإيرادات الكبيرة، يستحق وبعد مرور عشرة أيام على عرضه العالمى لقب «الفيلم الحدث» حيث حقق الفيلم أعلى إيراد يومى فى تاريخ السينما العالمية، وأعلى إيراد يومى فى أفلام «خواكين فينكيس»، بطل العمل، وأعلى إيراد يومى لفيلم يشارك فى بطولته النجم الأمريكى روبرت دى نيرو بحسب الناقد اللبنانى محمد رضا، ووصل إجمالى إيراداته إلى مليار دولار أمريكى فى الأيام العشرة الأولى لعرضه، ونال الكثير من التقيمات الإيجابية على المستوى النقدى حيث حصل على تسعة من عشرة على الموقع السينمائى المتخصص «I MDB».



وهو الفيلم الحدث أيضا والذى تسبب فى فرض حالة من التأهب الأمنى حيث ذكرت وسائل إعلام أمريكية أن الجيش أصدر توجيهاً إلى أفراده أشار فيه إلى وجود تهديدات «ذات مصداقية» بحدوث إطلاق نار جماعى مع بدء عرض الفيلم فى صالات السينما.

خصوصا وأنه منذ سبعة أعوام، قتل 12 شخصا وجُرح 70 فى مدينة أورورا بولاية كولورادو الأمريكية، عندما فتح رجل النار على الحضور أثناء عرض فيلم باتمان «صحوة فارس الظلام».

لذلك طالب أولياء ضحايا أورورا عام 2012 بعدم عرض الفيلم فى دار العرض التى وقع فيها الحادث، وأيضا منع طلاء الوجه وهو ما تمت الاستجابة له، حيث لم يُعرض الفيلم فى دار عرض أورورا، بعد واقعة إطلاق النار بحسب ما نشر فى مجلة «ذا هوليوود روبريتر».

»الجوكر» تلك الشخصية المأخوذة من «الكوميكس الأبطال الخارقين» المعروف بعالم الـD C وذات الصيت والشعبية على مستوى العالم. ذلك الشرير الذى كان دائما يقف فى مواجهة «باتمان»، الخير فى مواجهة الشر المطلق، والذى لم نكن نعرف أسبابه وهو الدور الذى برع فيه سابقا النجم المخضرم «جاك نيكلسون» والنجم الراحل صاحب الموهبة المتفردة «ليث هيدجر»، والذى قيل أن سببا رئيسيا من أسباب أزمته النفسية وانتحاره هو حالة التعايش والتماهى مع شخصية «الجوكر»، والتى حصل بموجبها على أوسكار أحسن ممثل مساعد، بعد رحيله، لذلك باتت هذه الشخصية تشكل تحديا كبيرا للنجم الذى من المفترض أن يقدمها سواء كبطل أو مخرج تحديدا لمن شاهدوا Batman Begins و The Dark Knight.

»جوكر.. خواكين وفيليبس»

بالطبع كان الاقتراب من شخصية «جوكر» بعد النجاح الكبير الذى حققه «ليث هيدجر» محفوفاً بالمخاطر حيث كانت كل التوقعات تشير إلى أن النجم الذى سيوافق على تجسيد الدور لن تكون المقارنة فى مصلحته، ويبدو أن «خواكين فينكس» صاحب الموهبة الفريدة أيضا والذى رفض تجسيد الدور فى البداية قبل التحدى، فى ظل المعالجة الدرامية، والبصرية التى صاغها المخرج «تود فيليبس» والمحسوب على الأفلام التجارية، إلا أنه نجح فى تقديم معالجة تحمل الكثير من الأفكار والتساؤلات بعضها تساؤلات فلسفية تتعلق بالتحول الذى يحدث للبشر ومن المسؤول عن تحول البعض إلى شخصيات شريرة.. هل المجتمع، وما يتعرضون له، ويصادفونه فى حياتهم؟ وهى التساؤلات التى حملها الكثير من علماء الاجتماع وأسسوا بشأنها نظريات لا تزال محل جدال.

بطلنا «آرثر فيلكس» يعيش حياة بسيطة ومتواضعة يعمل مهرجا وكل أمله فى الحياة أن يصبح ممثلا كوميديا يقدم «ستاند أب كوميدى»، ولا يملك شيئا سوى موهبته وعلاقته بوالدته المريضة والتى يتولى رعايتها، وفى نفس الوقت هو مريض نفسى بمرض اسمه pseudobuhbar «يصاب بنوبات من الضحك المتواصل فى مواقف لا تستدعى الضحك»، لكنه يتعرض لأقسى أنواع العنف والسخرية فى مجتمع يعاقب كل شخص يبدو مختلفا من وجهة النظر الجمعية» مشهد تعرضه للضرب المبرح من قبل بعض المراهقين، والذين بادروا بالهجوم عليه وهو يقدم أحد عروضه، مهاجمة سيدة له على متن القطار عندما كان يلاعب طفلها الصغير، الأزمات التى يضعه فيها بعض زملائه فى العمل.

ويتساءل «نود فيليبس» أيضا عن المهمشين والمنبوذين، وأزمات الـتأمين الصحى، وهو ما ينعكس فى اختياره للشخصيات المحيطة بالبطل أغلبهم من أصحاب البشرة السوداء، وهناك القزم زميله فى العمل الذين يعيشون فى مدينة «جوثام» التى ترمز لنيويورك تلك المدينة التى ترزح تحت الفساد والعنف، وتعانى من أزمة قمامة خانقة حيث تنتشر القمامة فى كل شوارعها المظلمة والمقبضة والمعبرة تماماً عن مكان وزمن الأحداث التى تدور فى الثمانينيات.

كل تلك التساؤلات وغيرها يطرحها المخرج وكاتب السيناريو المشارك معه من خلال الشخصية الرئيسية «آرثر أو جوكر» ومن خلال خط درامى واحد تتصاعد الأحداث بحرفية شديدة ليعكس واقع مدينة «جوثام» التى تعانى من مختلف الأمراض الاجتماعية، وهى المرة الأولى التى نرى فيها المدينة بهذا الشكل حيث كانت تظهر فى أفلام سابقة ومنها Batman كمدينة خيالية مبهجة تحكمها طبقة برجوازية راقية وتحتاج دائما إلى باتمان البرجوازى الخير لينقذها من الشر والأشرار أيا كانت أنواعهم، ولكن «تود فيليكس» صورها مدينة مُظلمة ضيقة وهو ما انعكس فى اختياره لمواقع التصوير وزاوياه والخطة البصرية لألوان الفيلم والتى كانت تتدرج من البرتقالى والأخضر القاتم ونحن دائما أمام مشاهد مصورة فى قطارات أو أنفاق أو سلالم من خلال صورة سينمائية غنية بالتفاصيل، وكادرات مبهرة ومعبرة من حيث التكوين وتوظيف الإضاءة من ألوان وإضاءة وظلال بجانب زوايا التصوير وبالطبع كلها من وجهة نظر بطلنا الذى لم يكن يملك سوى حلم بسيط يقدم برنامج «ستاند أب كوميدى» مثل «روبرت بيكن» والذى يجسده روبرت دى نيرو، بتميز رغم ظهوره فقط فى خمسة مشاهد لافتة جدا فى الفيلم منها مشهد قبل نهاية الأحداث واستضافته لآرثر أو خواكين فينيكس أحد أهم مشاهد الفيلم أدائيا وإخراجيا.

وهم البطل أيضا أن يحصل على تأمينه العلاجى وأدويته التى حرم منها، ويأمل فى أن تنظر إليه السلطة الحاكمة أو أحد الأثرياء والمرشح لمنصب العمدة الجديد والذى لا تكف والدته عن مراسلته طلبا للمساعدة، وبرع السيناريو فى رسم ملامح شخصية الجوكر وصراعها النفسى الداخلى من خلال الكثير من التفاصيل الصغيرة والمفاجآت التى كانت تحمل تحولات درامية طوال الوقت تساعد فى التطور الذى يحدث لتلك الشخصية وتحولاتها الدرامية وهو ما جعل إيقاع السيناريو مشدودا وبعيدا عن الملل وهناك دائما منطق درامى وراء التحولات القاسية التى تحدث للشخصية، إضافة إلى تداخل السرد الدرامى ما بين واقع «آرثر» الفعلى»، وما يدور فى خياله، مثل الخط الدرامى الخاص بحبه لجارته السمراء والتى تقطن هى وطفلتها الصغيرة.

»خواكين فينيكس» أو النجم صاحب الأدوار الصعبة والمركبة دوما والذى قال عنه النجم المخضرم «روبرت دى نيرو» إنه يعشق طريقته فى العمل على شخصياته نجح بشكل كبير ومبهر فى التعايش مع تلك الشخصية التى تعانى خللا عقليا ونفسيا، وفى نفس الوقت قدرة على الحلم لا تتوقف وأمل فى التغيير، وأدرك جيدا فكرة أن تكون شخصاً غير مرئى لمن حولك فقط يلاحظونك عندما تتحول إلى الشر أو الأذى أو تصبح رمزا للمهمشين والذين فى لحظة ما يعبثون بواقع المدينة بشكل فوضوى غير محسوب لذلك تمكن من تجسيد كل مشاعر الشخصية المتضاربة والمتخبطة سواء مشاعر القهر والحزن والوجع من وضع لم يختره من البداية أو مشاعر الكراهية والرغبة فى الانتقام من كل من أساء اليه، هذا كله من خلال شخص فى الأصل يعانى من درجة من درجات الاضطراب العقلى هو أيضا ليس مسؤولا عنه تلك الحالة الشعورية والتى كان ينتقل بينها «خواكين» بهدوء وسلاسة شديدين «مشهد قتله زميله فى العمل وخوف زميله القزم منه والحوار الهادئ الذى أداره معه وكيف أنه الوحيد الذى لم يعامله بشكل سييء»، حيث بدا كراقص يجيد نقل خطواته بخفة ورشاقة، واتزان دون مبالغة أو تزيد فى ردود الأفعال لشخصية من المفترض أنها مضطربة عقليا. بين كل مشهد أو آخر ومع كل تحول درامى، لذلك بات الأقرب لإقتناص جائزة الأوسكار أحسن ممثل رئيسى لهذا العام.

»جوكر» تجربة سينمائية جديرة بالتأمل والتوقف عندها مرارا وتكرارا، على مستوى الأفكار والرؤية البصرية وتميز شريط الصوت وذكاء اختيار بعض الأغنيات فى الخلفية فهو ليس كأفلام «الكوميكس» المعتادة الخير فى مواجهة الشر، بل فيلم محمل بالكثير من الأفكار والرؤى الإنسانية لواقع بات شديد القبح، يضعنا أمام إنسانيتنا التى نفقدها يوما بعد الآخر ويتساءل عن غياب الحب والرغبة المحمومة فى السخرية من الآخر ومحاولة نفيه دون مبرر إنسانى خصوصا وأن الحياة تتسع للجميع بكل اختلافاتهم، لذلك فالمشاهدون الذين يدخلون الفيلم لمشاهدة أحد أفضل شخصياتهم «الجوكر» قد يصدمون فهو نوع من الأفلام تغرق فيه من اللحظة الأولى أو تشعر بحالة من الإنكار بسبب القبح الذى يعكسه عن أنفسنا وعن عالمنا.

من روبرت دى نيرو، وزازى بيتز، وفرانسيس كونروى، وبريت كولين، ومارك مارون، وبيل كامب، وشيا ويجهام، وجلين فليشلر، دوجلاس هودج، وبريان تايرى هنرى، وآخرين.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق