رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

ماذا يبقى من يوسف شاهين؟

إبراهيم العريس

عندما رحل يوسف شاهين بجسده المتعب وأفكاره التى لا تنضب،عن عالمنا قبل أكثر من عشر سنوات من الآن (عشر سنوات وأكثر!!! آه كم تمضى الأيام سريعة!) كانت أول عبارة وردت الى أذهاننا، مستعارة من جان كوكتو: الشعراء لا يموتون، لأن قصائدهم تبقى محوّمة فى الهواء من حولنا. كنا نعرف أن يوسف شاهين هو من صنف أولئك الشعراء هو الذى علمنا أن «الأغانى لسه ممكنة». ولئن كنا نعرف ان الشعراء يبقون أحياء الى أبد الآبدين كنا مطمئنين لاستمرارية نوع من الخلود من المؤكد أن الأيام لم تكذبه... فاليوم بعد أن عاشت حياتنا السينمائية العربية ولا نقول فقط المصرية كل هذه السنوات من دون يوسف شاهين، ها هى أفلامه تعيش بيننا، تُرمّم، تُعرض، تُكتشف وفى كل مرة من قبل أجيال جديدة من متفرجين ولكن من مبدعين أيضا.

سينما يوسف شاهين تبدو حية اليوم أكثر مما فى أى وقت مضى. ولنفكر مثلا بفيلم «باب الحديد» الذى بعدما رُجم وشُتم حين عرضه الأول فى عام 1958، يحتل اليوم بعد «مومياء» شادى عبدالسلام المركز الثانى بين أهم مائه فيلم فى تاريخ السينما العربية، بحسب استفتاء لافت أجراه مهرجان دبى مع عدد كبير من النقاد وأهل الفن السابع قبل سنوات، فيما تشغل أفلام عديدة أخرى لشاهين مراكز متقدمة فى اللائحة نفسها.

فى حياته ملأ يوسف شاهين الدنيا وشغل الناس. وكان كل فيلم جديد عرف كيف يصبح حدثا سينمائيا عربيا ومن ثم عالميا. واليوم بعد سنوات من الرحيل ها هو متن السينما الشاهينية لا يزال حيا يشهد على الحضور الطاغى لهذا «الشاعر» العربى الذى كان الوحيد حتى الآن الذى كرّمه مهرجان «كان»، أعظم المهرجانات السينمائية العالمية، بمنحه «سعفة الخمسينية» التى لم يعط ما يماثلها إلا لعدد ضئيل من كبار المخرجين فى تاريخ السينما العالمية جان رينوار وإنغمار برغمان، على سبيل المثال -، والذى يضعه تاريخ السينما العالمية الى جانب آكيرا كوروساوا وساتياجيت راى ثم عباس كيارستامى، بوصفهم المبدعين الذين أتوا من خارج «السرايا المعهودة».

فذاك الذى جعلنا، حتى بأفلام عسيرة اللغة، تحضّ على الاكتشاف بل تغوص فى الذاتية الى حدّ النرجسية، أوصل الى العالم شئون وشجون «مصر ياما يا بهية...»، و«سيمفونية الهزيمة» وحالات الغضب السينمائى كما فى «العصفور» أو «هى فوضى؟» واللوم العربى الدائم علي… أمريكا، ولكن قدم للقاهرة أيضا أحلى أفلامها، كما أرخ للإسكندرية، وابتكر نوعا خاصا من السينما داخل السينما، وأوصل اختراق الذات للفن السابع الى مستويات لم يسبقه اليها سوى زميله الإيطالى فدريكو فللينى (فى أفلام تحمل عناوين مثل الرباعية الإسكندرانية التى هى بالتأكيد غير رباعية لورانس داريل التى عرفها شاهين جيدا ولطالما أراد مضاهاتها، أو «القاهرة منورة بأهلها»...)، كان شاهين ولا يزال المبدع الذى جعلنا نعيش مصره معه بكل جوارحنا وننشدها ونحبها ونعاتبها ونغضب منها ولها وعليها، يوسف شاهين هذا عاش للسينما ولمصر ومات فيهما دون ان يحيد عنهما لحظة.

وهو فى خضمّ هذا لم يتوقف عن ابتكار الأنواع وخلط المواضوعات واختراع المواقف والشخصيات ولملمة الأفكار واصطياد العواطف ودائما إبداء قدر من الغضب لم يتمكن أى مخرج عربى آخر من بلوغه. وفى هذا المجال نعرف أن يوسف شاهين أوجد، إضافة الى أفلامه، تيارا كبيرا فى السينما المصرية والعربية يتعلق بسينما السيرة الذاتية، فمن محمد ملص فى سوريا الى فريد بوغدير ونورى بوزيد فى تونس وحسن بن جلون وسعد شرايبى فى المغرب، وصولا الى ايليا سليمان الفلسطينى الذى أوصل النوع الى ذروته فى «رباعيته» المميزة، مرورا طبعا بالشاهينيين «الأقحاح» فى السينما المصرية، من الذين ترعرعوا وعاشوا وعملوا فى ظلّ «الأستاذ» وسُمح لهم بأن ينادوه بـ «جو»، وحملوا أسماء بدت زاهية ذات زمن: يسرى نصر الله، خالد يوسف، رضوان الكاشف، أسماء البكرى، خالد الحجر، ولمَ ليس على بدرخان ومجدى أحمد على، بين آخرين... هؤلاء جميعا ساروا على درب الذاتية الرائعة التى يعترفون أن شاهين كان من افتتحها، وكان من شأنهم أن يكوّنوا التوجه الثانى الذى يعطى الاستمرارية الشاهينية مشروعيتها وإرثها. لكن المؤسى والمحزن الى حد الاختناق هو أن يوسف شاهين، فيما ضمن لنفسه الخلود من خلال أفلامه، أخفق فى أن يضمنه من خلال مريديه سائرين على خطاه.

«الفشل» الأكبر فى حياة شاهين كان هنا، كان لدى هؤلاء الشاهينيين الذين لم يتمكن أى منهم من أن يبقى «شاهينيا» حتى النهاية. ربما لا نلومهم فى هذا حيث ان كل واحد منهم اختار دربه الخاص، فكريا وجماليا. بل إن منهم من لم يكن أصلا «شاهينيا» فى سينماه رغم التصاقه بالأستاذ (نصر الله بعد بدايات وصلت ذروتها فى «صبيان وبنات» و«مرسيدس»، وخالد يوسف بالتأكيد).

ولعل فى إمكاننا اليوم أن نقول ان اسماء البكرى ورضوان الكاشف كانا سيبدوان الأكثر شاهينية، فى مواضوعاتها بل حتى فى «تلعثمهما» وتوجهاتهما السياسية أى الأيديولوجية هنا لولا رحيل كل منهما الباكر. صحيح أن خالد الحجر ويسرى نصر الله خاضا فى بداياتهما لغة الذات الشاهينية بتفوق حتى على أستاذهما نفسه، أى بصيغ أقل نرجسية وأكثر شاعرية؛ ولكن أين هما الآن؟

لن نطيل الحديث فى هذا هنا، فقط نريد أن نقترح أن هذا الجانب من «بقاء الشاعر حتى بعد رحيله» بقاؤه من خلال متابعى سينماه، لم يتأمن لشاهين بقدر ما تأمن خلوده من خلال أفلامه. غير انه سيكون من عدم الإنصاف أن نختم هذا الكلام، الذى نريد منه أن يكون تحية الى الصديق الكبير والأستاذ المبدع الذى كانه شاهين بالنسبة إلينا، سيكون من عدم الإنصاف ألا نتوقف عند ظاهرة «شاهينية» قد لا يكون لشاهين نفسه يد فيها: ظاهرة يمكن اختصارها بوجود تيار «شاهينى» فى السينما المصرية والعربية قائم ورائع وحاضر اليوم دون ان يعترف بدينه لشاهين...

بالنظر الى أن اقطابه لم يتتلمذوا حقا على يد المعلم ولم يترعرعوا فى ظل عالمه السينمائى. ومع هذا تسلل اليهم طيفه، ذاتيا وجماليا ولغة موضوعات وخيالا، بشكل من الممكن القول انه لم يكن متوقعا: فأفلام تامر السعيد ومحمد حامد وأحمد عبدالله وبدايات ابراهيم البطوط وكريم حنفى وأحمد فوزى وكاملة أبو ذكرى فى مصر، ومحسن البصرى وهشام العسرى فى المغرب وحتى إيليا سليمان مرة أخرى لا سيما تحفته الأخيرة «لا شك انها الجنة»، كلها أفلام تنتمى بشكل أو بآخر الى جوهر السينما الشاهينية من حيث درت أو لم تدر... وهو أمر قد ندعو الباحثين الى دراسته بعمق. وفى انتظار ذلك يخيّل الينا اننا فى هذا السياق نعيش مظهرا، غير متوقع (!) من مظاهر خلود يوسف شاهين ينضاف الى أفلامه.... يعوض على ما خسرناه باستنكاف «الشاهينيين التاريخيين» عن إكمال المسيرة!.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق