رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

إمام عبد الفتاح ورحلة الوعى الفلسفى

ماهر عبد القادر محمد علي

يعد الدكتور إمام عبد الفتاح إمام (1934-2019)، أحد أبرز المفكرين المصريين والعرب فى الربع الثالث من القرن العشرين وحتى العقد الثانى من القرن الحادى والعشرين. عرف بدراساته المتعمقة فى الفلسفة بفروعها وتخصصاتها المختلفة، وأثرى حقل الدراسات الفلسفية، محاضرًا ومناقشًا وأستاذًا ومشرفًا على العديد من الرسائل العلمية فى الجامعات المصرية والعربية ومراجعا مدققا لكثير من الترجمات. وأصبح فى كتاباته سفيرا علميا لرحلة التقارب بين الشرق والغرب، بعيدا عن أطروحات اصطبغت بالصبغة الايديولوجية، الأمر الذى أجج الصراع بين المفكرين العرب ودفع بهم إلى متاهات أخذتهم بعيدا عن جادة الفكر الفلسفى الذى يمكن أن يسهم فى تقدم المجتمع. ومع أن الدكتور إمام عبد الفتاح تتلمذ بصورة مباشرة على الأستاذ الدكتور زكى نجيب محمود، وترجم رسالته عن «الجبر الذاتي» فى إطار عرض سيرته الذاتية، إلا أنه خرج من عباءته ليصبح أستاذًا له مدرسته العلمية المتميزة، إن فى حقل التأليف أو الترجمة، خاصة أن معظم الذين عملوا فى حقل الدراسات الفلسفية الألمانية، وبصفة خاصة هيجل، يدينون له بالفضل والعرفان لإسهاماته المهمة فى هذا المجال التى أثرت الدراسات الفلسفية العربية فى هذا الجانب.

سيد الدراسات الهيجلية

اختار الدكتور إمام أهم عمود من أعمدة الفلسفة الحديثة ليكون مُحَاورَه، ألا وهو الفيلسوف الألمانى هيجل، المتعدد الجوانب والمشارب. وحينما نقول هيجل يصبح الكلام عن فلسفته، على اعتبار أن المحاور فيلسوف. لكن الدكتور إمام تحاور مع هيجل من أكثر من منظور: هيجل الفيلسوف، هيجل صاحب الثقافة العريضة التى لا يمكن لأى دارس للفلسفة أن يبقى بمعزل عنه، هيجل السياسي، هيجل الأخلاقي، وهكذا. ومن ثم كان التوجه إلى هيجل بكل جوانبه، وليس جانبًا واحدًا منه. ولذا انصب تناول الدكتور إمام لهيجل، وحواره معه على إنتاجه الفلسفي، ليقدم للثقافة العربية صورة راقية من صور الثقافة الغربية، مؤكدا أمرين متصلين هما:

الأول: هو أهمية الاتصال بالفكر والثقافة الأوروبية والوقوف على أسباب قوتها وتماسكها. ولذا فقد ترجم لنا المنهج الجدلى عند هيجل، 1969، دراسات هيجلية، 1984، تطور الجدل بعد هيجل ثلاثة مجلدات 1985، أصول فلسفة الحق لهيجل، 1981، موسوعة العلوم الفلسفية لهيجل، 1983، العالم الشرقي، من محاضرات هيجل، 1985.

والثاني: هو التفاعل الثقافى وضرورته، وتمثل أشكاله. لقد وضع نصوص الفيلسوف ذاته مباشرة أمام القارئ ليفكر فيها. وهو فى هذا الصدد لم يشأ أن يفرض فكره الخاص على القارئ، وإنما أراد للقارئ أن يتزود بسلاح النقد والتحليل والفهم، الأمر الذى يمكن أن يشكل وعيه العام بعالم الفلسفة والفلاسفة، ويقربه من فهم ما يدور حوله.

ومن هذين العاملين استطاع الدكتور إمام أن يكون جسرًا مهمًا لعبور الثقافة الأوروبية إلى العالم العربي، كما استطاع فى الوقت نفسه أن يصبح سفيرًا للفكر الفلسفى المستنير إلى العالم العربي، وتلك مهمة شاقة، وصعبة، لا يقوم بها إلا أصحاب الإرادة والعزم. والمطالع لفكر الرجل يجد ويكتشف فى الوقت نفسه، بعض ما لا يمكن أن يتخيله من اعترافات يقدمها الفيلسوف بنفسه للآخرين الذين يريدون أن يعرفوا عالمه الفكري. وهو لماذا اهتم إمام عبد الفتاح إمام بهيجل بهذه الصورة التى لا نكاد نجد لها مثيلا فى كتابات الآخرين؟ وقد تجلى هذا فى اعترافه بما استفاده من هيجل.

اعتراف

يعترف د. إمام بأنه قرأ هيجل بنظارة أرسطو، ولذا لم يفهمه، وقد أثارت المسألة بالنسبة له إشكالية كبيرة ولم يدرك أن هيجل نحت لنفسه مصطلحاته الخاصة باستقلال عن الفكر الأرسطي، ومن ثم اختلفت القراءة واختلف الفهم. ويتأسس على هذا بالضرورة أن تصبح مقولات التأويل الهيجلية مباينة لتلك الأرسطية. والدرس الواضح هنا الذى يلقننا إياه إمام عبد الفتاح إمام أنه لابد من قراءة الفيلسوف أو المفكر بنظارته هو لا نظارة الآخرين، وهذه رسالة واضحة لأجيال المتعلمين من الأجيال الجديدة. إن الفلسفة درس وعظة. وفى هذا الصدد قدم لنا بعض الأمثلة الواضحة للدلالة على ما اكتشفه من جوانب وأبعاد القراءة فى الفكرين الأرسطى والهيجلي.

لم يقتصر دور الدكتور إمام على تقديم هيجل فحسب للثقافة العربية، وإنما قدم غيره من الفلاسفة مثل هوبز الذى قدمه فى عام 1985، والذى فيما نعتقد، بالإضافة إلى ما نقله عن «العالم الشرقي»، من محاضرات هيجل، 1985. و»كيركجور رائد الوجودية» الذى قدم المجلد الأول منه عام 1982 والمجلد الثانى 1986. ثم «ألبير كامي» الذى قدمه للمكتبة الفلسفية عام 2002. ولا شك أن لهذه الكتابات أهمية خاصة فى الفكر الفلسفي. لماذا؟

أولا: وجد الدكتور إمام عبد الفتاح أن المجتمع الفلسفى العربى فى أمس الحاجة إلى تناول قضايا مهمة، وليس أدل على هذا من تناوله لقضايا المرأة فى الفكر الفلسفي، حيث نقل لنا، وقدم للفكر الفلسفى العربى مجموعة من الكتابات المتعلقة بالمرأة، والتى يمكن أن تندرج تحت ما يمكن أن نسميه «الفلسفة النسوية». لكن من الملاحظ أيضا أن الدعوة التى أطلقها الدكتور إمام فى كتاباته توارت فى كتابات المرأة « الفيلسوفة» إن فى مصر أو فى العالم العربي، ومازالت المرأة الفيلسوفة تلعب دورا ذكوريا. حتى الفلسفة النسوية بكامل أبعادها وتصوراتها لم تجد صدى لدى من يشتغلن بالفلسفة فى مصر والعالم العربي، لغياب تصوراتها عن الواقع المعطي.

وثانيا: ربما كانت تجربة إمام مع هيجل جديرة بتسجيل ودراسة أوسع، لكن ما يستحق الدراسة والفهم فعلا، ما كتبه إمام فى كتابه «مدخل إلى الفلسفة»: الذى صدر فى طبعته الأولى عام 1972، وفى طبعته السادسة ( المزيدة والمنقحة) عام 1993. إن أهم ما فى هذا الكتاب هو ما دونه صاحبه فى الفصل السادس الذى جاء بعنوان الكوسمولوجيا أو علم الكونيات. والكتب الفلسفية العربية عادة لا تتناول موضوع الكوسمولوجيا لدقته من جانب، ولصعوبته من جانب آخر. بل لا تحفل الكتابات الفلسفية بالحديث عن الكوسمولوجيا فيما تعرضه من أفكار فلسفية، وبصفة خاصة فى المداخل. ومن ثم فقد وفق الدكتور إمام فى اختيار هذا المبحث ليتفرد به فى الثقافة الفلسفية العربية. وهذا الفصل يشكل أكبر فصول الكتاب، وهو يندرج تحت الباب الثانى ( الفلسفة من الداخل). والأهمية التى يشكلها هذا الفصل أنه يشكل مبحثا مهما فى فلسفة العلم التطبيقية، وهى بدورها من أندر الكتابات فى الثقافة العربية، خاصة أن الدكتور إمام دون هذا الموضوع فى فترة السبعينيات، وهى فترة مبكرة بالنسبة لدرس فلسفة العلوم فى الثقافة العربية من حيث درجت تلك الفترة على دراسة فلسفة العلوم التقليدية عند بيكون ولوك وهيوم ومل وغيرهم، دون أن نجد حديثا عن فلسفة العلوم التطبيقية.

وختاما أقول: إن رحلة إمام عبد الفتاح إمام الفلسفية تؤسس لمعرفة علمية راسخة، وإن قراءة أفكاره فى كل أبعادها تحتاج إلى فريق كامل من الباحثين العرب الشبان، الذين لم يلوثوا بالفكر الإيديولوجي، يشمرون عن ساعد الجد كى يقدموا لنا خلاصة أفكاره وجوانبها المختلفة. فهل من مجيب؟

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق