رئيس مجلس الادارة

عبدالمحسن سلامة

رئيس التحرير

علاء ثابت

رئيس التحرير

علاء ثابت

عزمى عبدالوهاب فى وجوهه التى تطل من مرايا الروح: الشغف بكتب السيرة الذاتية

عاطف محمد عبدالمجيد

أنا واحد من هؤلاء الذين رأوا نعش جمال عبدالناصر الرمزى وجنازته الرمزية، وصوره والأعلام الكبيرة تمر فى الشوارع وأمام البيوت فى قرية الدراكسة المطلة على البحر الصغير، وكان مطلوبًا منى فيما بعد أن أقطع الطريق من المنصورة إلى مسقط رأسى، بمحاذاة البحر الصغير والتاريخ.هذا ما قدّم به عزمى عبدالوهاب كتابه «وجوه تطل من مرايا الروح.. قراءة فى سيَر ذاتية مصرية وعربية» الصادر حديثًا عن مؤسسة بتانة للنشر والتوزيع.

.................................................................

عبدالوهاب الذى صرخ صرخته الأولى قبل نكسة يونيو بثلاث سنوات كان واحدًا ممن رأوا طائرة فى ذيلها نار قبل أن تسقط أرضًا فى الجرن المقابل لبيته.وهو واحد من التلاميذ البائسين الذين حشدهم المدرسون لدعم السادات فى مؤتمر جنيف، وهو لا يفهم حتى الآن كيف يكون الدعم بحشد بائس لتلاميذ فى الإعدادية، وهذا لا يشغله، بل كانت تشغله حقنة البلهارسيا التى أعفاه منها الحدث السياسى، وهو واحد من هؤلاء الذين عرفوا بخبر اغتيال السادات أثناء عملية جنى القطن.

هو أيضًا واحد من هؤلاء الذين ساقهم مكتب التنسيق إلى كلية الآداب جامعة المنصورة دون رغبة منه ملتحقًا بقسم اللغة العربية، متشبثًا بحلم طه حسين، فقط لأنه عاد من بعثته من فرنسا ومعه امرأة شقراء.غير أنه لم يكن واحدًا ممن جمعهم صلاح عيسى من مواليد عام النكسة ليدير معهم حوارًا حول ما جرى، جاعلًا منهم، كما يرى الكاتب، فئران تجارب للوصول إلى نتائج محددة حول الجيل الذى ولد مع هزيمة يونيو.

عبدالوهاب الذى تعلم من جريدة الأهالى كيف وماذا يقرأ كان شغوفًا، على نحو خاص، بكتب السيرة الذاتية، خاصة وهى تمثل خلاصة ما وصل إليه العقل والقلب من تجارب وخبرات.مثلما يرى أن هذه الكتب تمثل حياة أخرى لم يعشها القارىء، بل هو يتفرج عليها. هنا أيضًا يطرح عبدالوهاب عدة أسئلة منها من الذى يستطيع أن يقف موقف المتفرج من مأساة المفكر الفلسطينى إدوارد سعيد، وهو يعالج مشكلة الهوية واللغة؟ ومن الذى يستطيع أن يكون محايدًا أمام عمق الجرح الذى عاناه الشاعر الفلسطينى حسين البرغوثى جراء إصابته بالسرطان؟ وكيف يكون المرء حياديًّا أمام مصرع المفكر حسين مروة؟ أو مع ما حدث لفرج فودة؟



تفاصيل ومفارقات

عزمى عبدالوهاب المغرم بالتفاصيل الصغيرة التى يسكنها الشيطان كان همه أن يبحث عن الجانب الخفى فى حياة هؤلاء الكبار الذين كتب عنهم وجمع بينهم فى كتاب واحد، ذاكرًا تحدّث العالم عبد العظيم أنيس عن تخلفه الدراسى ورسوبه فى الابتدائية، ومعايرة زملائه الصغار لعيب خلقى فى فمه، وكيف كانت نحافة شيخ التربويين حامد عمار عاملًا نفسيًّا مؤثرًا بحث له عن حل فى أرقى مستشفيات لندن.

فى «وجوه تطل من مرايا الروح» نطالع مع عزمى عبدالوهاب تفاصيل صغيرة كثيرة، ومفارقات مفصلية على المستوى الإنسانى والروحى والفكرى، فى حياة شعراء وكتاب ومفكرين.هنا نقرأ عن صلاح عبد الصبور وحزنه الأوروبى، عن لحظات الشعور بالذنب فى حياة حجازى، عن الأبنودى وأحزانه العادية، عن محمود درويش فى القاهرة وعن أيام صلاح جاهين الأخيرة فى مرآة منى قطان، وعن البياتى والمعرفة مصدر الألم الأول.كما يكتب عن جلال أمين، شكرى عياد، لويس عوض، هشام شرابى، إحسان عباس، فرج بيرقدار، فدوى طوقان وفاطمة المرنيسى وغيرهم.الكاتب متحدثًا عن صلاح عبدالصبور يقول إنه كان يمتلك رحابة إنسانية تجعله متصالحًا مع نفسه، وهو لا يكتب سيرته الذاتية، بل يكتب سيرة عقل وقلب حاول بهما أن يفهم نفسه أولًا، ومن ثم العالم والشعر.هنا أيضًا يرى عبدالوهاب أن حركة التجديد الشعرى تم اختزالها فى فرسىْ رهان هما عبدالصبور وعبدالمعطى حجازى، الأول انتصر للفن الخالص، بينما مزج الثانى بين السياسى والفنى. ومتعرضًا لسيرة الأبنودى ينقل عنه قوله «فى حياتى أخطاء بالغة القسوة، ندمت عليها، لكن فى الشعر لم أندم على شىء; لأن الشعر مقدس، لا يأتى بقرار، هو هبة من الله».ذاكرًا أنه حمل هموم «الغلابة» اليومية فى قلبه مثلما حمل أفكارًا إنسانية مجردة فى ذهنه، أراد أن ينتصر لها بشعره.



أرى ما أريد

أما عن محمود درويش فيقول إنه صاحب «أرى ما أريد» المحمل بكل هذا الإرث الطويل من الوجع التاريخى والسخرية الحادة، التى تخلّف فى النفس مرارة، يشف معها الجسد، فيرى ما يحدث بعد موته، ويسأل عن مكافآته بعد هذا التعب فلا يجد ما يريد، مجرد قبر كان ما يريد.وقد وصف درويش نفسه بأنه مندوب جرح لا يساوم، يجلس هادئًا على تلة ترى القدس من بعيد، يتأمل عمره ببصيرة الشعراء الكبار. عبدالوهاب حين يتحدث عن قاسم حداد يقول إن من يقرأ «ورشة الأمل» يجد نفسه أمام سيرة استثنائية مكتوبة على نحو غير تقليدى، إنها سيرة شخصية لمدينة المحرق كما رأتها عين طفل، طلب من أبيه حذاءً أبيض فى يوم غير مناسب، وكانت الأم هى المنقذ.حداد الذى عاش، نقلًا عن عبدالوهاب، طفولة قاسية لم يتحول إلى ناقم على أيامه وأصوله، بل يدين لوالده كونه عرفه على كل هذه التجربة غنية التنوع.كذلك ينقل من سيرة عبدالعظيم أنيس قوله إنه ليس نادمًا على أى شىء، فقد كان همه طوال حياته الدفاع عن الفقراء والمظلومين، وعن استغلال مصر وحقها فى حياة كريمة، راضيًا عما قام به وضحى من أجله مهما كانت قسوة الأيام. ومتحدثًا عن سيرة سمير سرحان يقول الكاتب إن الثقافة المصرية نادرًا ما ترد الاعتبار لأشخاص فارقوا الحياة، بعد أن كانوا ملء السمع والبصر، وقد كان سرحان واحدًا من هؤلاء، وكان عليه أن يتذكر فى آخر أيامه وهو يعانى مرض سرطان الرئة وتداعيات الإبعاد من الوظيفة قصة تشيكوف «موت موظف».

فى رحلة تجواله فى سير هؤلاء أطلعنا عزمى عبدالوهاب على تفاصيل حياتهم وما حدث فيها من مد وجزر، متوغلًا فى أعماق حياتهم، كاشفًا الكثير من أحداثها ووقائعها سواء أكانت مبهجة أم موجعة، وقد سرّب لنا عامدًا، أو ربما دون أن يدرى، جانبًا من سيرته هو الذاتية، وربما حاول ألا تزيد مقدمة الكتاب على صفحاتها الأربع حتى لا يتورط مع القارئ ويُسرب له جوانب عديدة من سيرته، قد يكون لا يزال مترددًا فى الكشف عنها أو فى تركها آمنة مطمئنة فى تجاويف الذاكرة.

رابط دائم: 
 
 
 
 
 
اضف تعليقك
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق